• - الموافق2026/03/10م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
قراءة في مآلات النزاع بين باكستان وأفغانستان

إلى أي مدى يمثل التصعيد المتبادل بين الطرفين حالة صراع إقليمي، وكيف تستثمر الولايات المتحدة تلك الحالة وتجيشها لتحقيق مصالحها؟ وما هي آفاق الخروج من تلك الأزمة؟


يمثل التصعيد العسكري الأخير بين باكستان وأفغانستان، والذي بلغ ذروته في مناوشات أكتوبر 2025 وفبراير 2026، نقطة تحول خطيرة في علاقة اتسمت تاريخيًا بالتعقيد والتداخل، فهذا النزاع لا يمثل مجرد خلاف حدودي تقليدي على الخط الحدودي المعروف باسم "خط ديورند"، بل هو نتاج تداخل ملفات أمنية شائكة تتصدرها قضية الملاذات الآمنة لحركة "طالبان باكستان"، وفشل نظرية العمق الاستراتيجي التي تبنتها إسلام آباد لعقود. ومع انتقال المواجهة من ساحات السياسة إلى الضربات الجوية والاشتباكات المدفعية المباشرة التي طالت مدنًا كبرى مثل كابول وقندهار، يجد الإقليم نفسه أمام مأزق جيوسياسي يهدد بتقويض مشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي وفتح الباب أمام تدخلات دولية جديدة.

جذور النزاع

يعد "خط ديورند" بؤرة الصراع الوجودي بين الدولتين الجارتين، وهي الحدود التي رسمها المستعمر البريطاني عام 1893م بطول 2640 كيلومترًا، لتقسم قبائل البشتون بين كيانين سياسيين، ترفض الحكومات الأفغانية المتعاقبة، بما فيها حكومة طالبان الحالية، الاعتراف بشرعية هذه الحدود، معتبرة إياها إرثًا استعماريًا باطلًا يمزق النسيج الاجتماعي والعشائري. في المقابل، تصر باكستان على أن هذه الحدود دولية ومعترف بها قانونًا، وقد شرعت منذ عام 2017م في مشروع ضخم لتسييجها وتحويلها إلى حاجز يصعب اختراقه، وهو ما تعتبره كابول محاولة لفرض واقع سياسي غير مقبول على الأرض.

يتجاوز الخلاف البعد القانوني الجاف إلى أزمة هوية عميقة؛ فالبشتون الذين يمثلون الأغلبية في أفغانستان يشكلون ثاني أكبر عرقية في باكستان، مما يجعل أي توتر حدودي يلامس عصب الاستقرار الداخلي في كلا البلدين، كما أن الطبيعة الوعرة للمناطق الحدودية وغياب السيطرة الفعلية للدولة حوّلا هذه المناطق إلى ما يمكن اعتباره ثقب أسود من الناحية الأمنية، حيث تتداخل الولاءات القبلية مع الأجندات الجهادية العابرة للحدود، وبدلًا من أن تكون الحدود جسرًا للتواصل، تحولت إلى خندق للمواجهة، خاصة مع إصرار إسلام آباد على استكمال تسييج الحدود لتقليل نفوذ الجماعات المسلحة، وهو ما قوبل بمقاومة شرسة من الجانب الأفغاني الذي يرى في السياج تمزيقاً للأواصر.

ولا شك أن فشل الطرفين في التوصل إلى تفاهم تاريخي حول شرعية الحدود أدى إلى نشوء معضلة أمنية كبرى؛ فكل إجراء تتخذه باكستان لتعزيز أمنها القومي يُفسر في كابول على أنه تهديد للسيادة الأفغانية، ويؤجج الصراع التاريخي الممتد منذ عام 1947م والذي لم يهدأ حتى في فترات تقارب الأيديولوجيات.

مأزق الملاذات

تمثل حركة "طالبان باكستان" اليوم التحدي الأمني الأبرز الذي يعصف بالعلاقة الثنائية بين الجارتين؛ حيث تتهم إسلام آباد كابول صراحة بتوفير ملاذات آمنة لقادة الحركة ومقاتليها للانطلاق منها وتنفيذ هجمات دامية داخل الأراضي الباكستانية. ومنذ عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021م شهدت باكستان طفرة هائلة في العمليات الإرهابية، خاصة في إقليم خيبر بختونخوا والمناطق القبلية، حيث تشير التقديرات إلى وقوع مئات الهجمات سنويًا. فيما ترفض كابول هذه الاتهامات، معتبرة أن أزمة "طالبان باكستان" هي شأن داخلي باكستاني ناتج عن فشل سياسات إسلام آباد الأمنية، ومنكرة وجود أي نشاط منظم لهذه الجماعات على أراضيها.

تستند العلاقة بين "طالبان أفغانستان" و"طالبان باكستان" إلى روابط أيديولوجية وعرقية وتاريخية عميقة، تجعل من الصعب على حكومة كابول الانقلاب على حلفاء الأمس الذين قاتلوا معها ضد القوات الدولية، خاصة وأن قادة "طالبان باكستان" يقسمون بالولاء لأمير طالبان أفغانستان، وهو ما يضع الأخير في حرج شرعي وأخلاقي أمام مقاتليه إذا ما قرر قمع الحركة استجابة للضغوط الباكستانية، هذا الوضع المعقد أفشل مرارًا محاولات الوساطة المتعددة، حيث تكتفي كابول بتقديم وعود شفهية بنقل المقاتلين بعيدًا عن الحدود دون اتخاذ خطوات فعلية لتفكيك بنيتهم التحتية، وهو ما تراه باكستان مراوغة مفضوحة.

لقد أدت هذه الفجوة في التوقعات إلى تغيير جذري في العقيدة الأمنية الباكستانية؛ فبعد أن كانت تراهن على طالبان كحليف يضمن لها العمق الاستراتيجي، باتت تراها اليوم راعيًا لتهديدات وجودية. وكان من الملاحظ أن استخدام باكستان للقوة الصلبة مؤخرًا، من خلال ضربات جوية في عمق الأراضي الأفغانية استهدفت قادة "طالبان باكستان"، يمثل إعلانًا صريحًا عن نهاية سياسة الاستيعاب وبدء مرحلة الردع المباشر، وهو ما يدفع المنطقة نحو حرب استنزاف طويلة.

تلاشي العمق الاستراتيجي

لعقود طويلة، بنت المؤسسة العسكرية الباكستانية رؤيتها تجاه أفغانستان على عقيدة العمق الاستراتيجي، وهي السعي لضمان حكومة صديقة في كابول تمنع تطويق باكستان من قبل الهند وتوفر مساحة للمناورة في حالة وقوع نزاع شامل. ومع ذلك، أثبتت أحداث ما بعد 2021 أن هذه النظرية كانت قائمة على حسابات خاطئة؛ فالحكومة التي دعمتها إسلام آباد لسنوات أصبحت اليوم أكثر استقلالية وتمردًا على الرغبات الباكستانية وبدلاً من أن تكون أفغانستان رصيدًا استراتيجيًا، تحولت إلى عبء أمني واقتصادي يهدد الاستقرار الداخلي الباكستاني.

إن التحول في الموقف الأفغاني يعكس رغبة حركة طالبان في الظهور كدولة ذات سيادة ترفض الوصاية، بل وتسعى لبناء علاقات متنوعة تشمل خصم باكستان اللدود، الهند. حيث استقبلت كابول دبلوماسيين هنودًا وبحثت سبل التعاون الاقتصادي، وهو ما اعتبرته إسلام آباد خيانة لسنوات من الدعم اللوجستي والسياسي. هذا التنوع في العلاقات الأفغانية أفقد باكستان أهم أوراق ضغطها، وجعل من نظرية العمق الاستراتيجي مجرد إرث من الحرب الباردة لا يتناسب مع الواقع الجديد على الأرض.

في مواجهة هذا المأزق، بدأت باكستان في تبني ما يمكن تسميته بـ "الواقعية الاستراتيجية"، والتي تقوم على حماية الحدود وتغليب الأمن الداخلي على الأوهام التوسعية أو النفوذ الخارجي، يتطلب هذا التحول إعادة صياغة العلاقة مع كابول لتكون قائمة على أسس دولة لدولة، مع اشتراط التعاون الاقتصادي والاعتراف الدبلوماسي باتخاذ خطوات ملموسة ضد الإرهاب. ولكن، يظل السؤال قائماً: هل تستطيع باكستان فك الارتباط بهذا الملف المعقد دون أن تنجر إلى صراع مفتوح وطويل يستنزف مواردها المحدودة؟

أبعاد جيوسياسية

لا يمكن عزل الصراع الباكستاني الأفغاني عن السياق الدولي الأوسع، حيث يتداخل التنافس الصيني الأمريكي مع الأطماع الإقليمية للهند وإيران. تمثل الصين لاعبًا محوريًا، إذ تخشى أن يؤدي عدم الاستقرار في أفغانستان إلى تهديد مشروع "الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني" وانتقال العدوى المسلحة إلى إقليم شينجيانغ، لذا تسعى بكين جاهدة للعب دور الوسيط لدمج أفغانستان في مبادرة "الحزام والطريق"، شريطة التزام كابول بمكافحة الجماعات المسلحة، وهو مسعى يواجه تحديات كبيرة بسبب انعدام الثقة بين الجارين.

من جهة أخرى، يبرز الدور الأمريكي المتجدد كعنصر قلق للفاعلين الإقليميين؛ فالتصريحات الأمريكية حول ضرورة استعادة السيطرة على قاعدة "باغرام" الجوية تشير إلى رغبة واشنطن في العودة لمراقبة المنطقة عن كثب، وهو ما يثير ريبة كابول ويدفعها لمزيد من التشدد، وفي ظل هذا التجاذب، تحاول روسيا تثبيت أقدامها من خلال الاعتراف الواقعي بحكومة طالبان لضمان عدم تمدد التهديدات إلى آسيا الوسطى، مما يجعل من أفغانستان ساحة لـ "لعبة كبرى" جديدة تتصارع فيها القوى الكبرى على النفوذ والمعلومات.

تداعيات إنسانية

لقد دفع المدنيون على جانبي الحدود ثمناً باهظاً لهذا التصعيد؛ حيث أدى إغلاق المعابر الرئيسية مثل "تورخام" و"تشامان" إلى شلل في حركة التجارة البينية التي تعتمد عليها آلاف الأسر، تسببت هذه الإغلاقات في تلف البضائع وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، مما فاقم الأزمة الإنسانية في أفغانستان المنهكة أصلاً من العقوبات، بالنسبة لباكستان، تسبب توقف التجارة في خسائر فادحة للتجار في أقاليمها الحدودية، مما أثار احتجاجات محلية ترفض استخدام لقمة العيش كأداة في الصراع السياسي.

إلى جانب الحصار الاقتصادي، انتهجت إسلام آباد سياسة ترحيل قسرية واسعة النطاق للاجئين الأفغان، بذريعة تورط بعضهم في عمليات أمنية، وهو ما أدى إلى ترحيل مئات الآلاف في ظروف إنسانية قاسية، يرى المحللون أن هذه الخطوة هي أداة ضغط سياسية عقابية تهدف إلى إغراق حكومة طالبان بأزمات اجتماعية داخلية، بيد أن هذه السياسة قد ترتد سلبًا على باكستان، حيث تسهم في تنامي مشاعر العداء لدى جيل كامل من الأفغان الذين ولدوا ونشأوا في باكستان، مما يزرع بذور صراعات مستقبلية لا تخدم أمن المنطقة.

 تتفاقم المعاناة في المناطق القبلية الباكستانية، حيث يجد السكان أنفسهم عالقين بين مطرقة العمليات العسكرية الباكستانية وسندان توغل المسلحين، أدت العمليات الأمنية الأخيرة إلى نزوح آلاف العائلات من مناطق حدودية، وفي ظل غياب استراتيجية تنموية حقيقية لهذه المناطق، والاكتفاء بالحلول الأمنية الخشنة، يعزز ذلك من سردية المظلومية التي تستغلها الجماعات المتطرفة لتجنيد الشباب الناقمين على تهميش الدولة.

أفق الحل

تظل الوساطة الإقليمية، خاصة من قبل قوى مثل السعودية وقطر وتركيا، هي الرهان الأكثر واقعية لمنع انزلاق الطرفين نحو حرب شاملة، يمكن لهذه القوى تقديم حوافز اقتصادية وضمانات أمنية تشجع كابول على تحجيم نشاط حركة طالبان باكستان، مقابل تسهيلات تجارية واعتراف تدريجي من قبل إسلام آباد والمجتمع الدولي، بالإضافة إلى الشروع في تفعيل مشاريع مثل خط أنابيب (TAPI)، وهو مشروع إقليمي طموح لنقل الغاز الطبيعي، يربط تركمانستان بباكستان والهند مروراً بأفغانستان، وسكة حديد ترانس-أفغان هو المسار الوحيد لتحويل الجغرافيا من نقمة إلى رصيد استراتيجي للجميع.

في نهاية المطاف، لن تنهي الرصاصات صراع الهوية والحدود؛ بل إن الحل يكمن في واقع جديد يعترف بالحقائق على الأرض ويحترم السيادة المتبادلة، إن استقرار جنوب آسيا معلق بخيط رفيع بين رغبة الدولتين في البقاء وقدرتهما على التعايش؛ فإما أن يكون "خط ديورند" جسراً للازدهار المشترك عبر التجارة والتكامل، أو يظل خندقاً يلتهم مستقبل الأجيال القادمة في دوامة لا تنتهي من العنف والفقر.

أعلى