• - الموافق2026/02/10م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
نشيد «وندي ماترم» بين الرمز الوطني والاعتراض الديني

بين نشيدٍ وطني يُستدعى بوصفه رمزًا للتحرر، وإكراه ديني يُفرض كاختبار للولاء للوطن، تتكشف قصة «وندي ماترم» كمرآة للواقع المأزوم الذي يعاني منه المسلمون في الهند من صعود حزب بهاراتيا جاناتا للسلطة


تمثل الرموز الوطنية في الدول التعددية مجالًا بالغ الحساسية، إذ تتقاطع فيها الذاكرة التاريخية مع الهوية الجماعية، وتتداخل السياسة مع الدين والثقافة. وفي الهند، حيث يقوم البناء الوطني على تنوع ديني وثقافي ولغوي واسع، يبرز نشيد «وندي ماترم» بوصفه حالة نموذجية لهذا التقاطع المعقّد.

فمن جهة، ارتبط النشيد بتاريخ حركة التحرر من الاستعمار البريطاني، ومن جهة أخرى، يحمل في بنيته اللغوية والرمزية حمولة دينية مستمدة من اللاهوت الهندوسي. وقد ظل الجدل حوله قائمًا منذ أكثر من قرن، لكنه اكتسب زخمًا جديدًا في العقود الأخيرة مع صعود خطاب القومية الثقافية، ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول حدود الوطنية، وحقوق الأقليات، وطبيعة الدولة الدستورية في الهند.

تحليل نص «وندي ماترم» ودلالاته العقدية

كُتب نشيد «وندي ماترم» بلغة سنسكريتية-بنغالية، وهي لغة ارتبطت تاريخيًا بالنصوص المقدسة والتقاليد الدينية الهندوسية. ويبدأ النشيد بوصف الأرض بوصفها خصبة، معطاءة، جميلة، وهي أوصاف أدبية طبيعية لا تثير في ذاتها إشكالًا عقديًا.

غير أن هذا الوصف يتحول تدريجيًا من مجاز شعري إلى تشخيص رمزي، حيث تُقدَّم الأرض في صورة «الأم المقدسة»، وهو مفهوم مركزي في اللاهوت الهندوسي. ومع تقدم المقاطع، تُنسب إلى هذه الأم صفات تتجاوز الإطار الأدبي، فتُقدَّم بوصفها مانحة للنعم، ومصدرًا للخلاص، وقاهرةً للأعداء، ومستحقةً للسجود والانحناء.

ويبلغ الإشكال ذروته حين يرد في النشيد ذكرٌ صريح لآلهة هندوسية مثل دورغا، ولاكشمي (كملا)، وساراسواتي (فاني)، وهو ما ينقل النص من الرمز الثقافي العام إلى التصريح العقدي الواضح. في هذا الموضع تحديدًا يتمركز الاعتراض الإسلامي، إذ لم يعد الوطن مجرد كيان جغرافي أو سياسي، بل أصبح موضوعًا للتقديس الديني.

ومن المنظور الإسلامي، تُعد العبادة والتقديس حقًا خالصًا لله وحده، ويُنظر إلى السجود والانحناء بوصفهما طقوسًا دينية لا يمكن تأويلها بوصفها مجازات لغوية. كما أن إضفاء صفات إلهية على أي كيان مخلوق يُعد مخالفة عقدية صريحة. وعليه، فإن جوهر الاعتراض لا يتعلق برفض حب الوطن، بل برفض إدخال هذا الحب في إطار تعبّدي ديني لا يقبله المسلم.

السياق التاريخي لنشيد «وندي ماترم»

ظهر نشيد «وندي ماترم» لأول مرة ضمن رواية "أنند ماث" والتي تعني "دير النعيم" لمؤلفها "بانكيم تشندر تشاتوبادياي" ونشرت عام 1882. وقد صوّرت الرواية صراعًا دينيًا-سياسيًا ضد الاستعمار البريطاني، استُخدمت فيه الرموز الهندوسية بوصفها أدوات تعبئة وحشد. ويكشف هذا السياق عن الخلفية الفكرية للنشيد، ويؤكد أنه لم يُكتب في فراغ ثقافي محايد.

 

لا يُنظر إلى نشيد «وندي ماترم» بوصفه مجرد تراث تاريخي، بل بوصفه أداة سياسية لإعادة رسم حدود “الهوية الوطنية المقبولة”. ويؤدي هذا التوجه إلى تسييس الرموز الثقافية والدينية، وتحميلها وظائف إقصائية

ومع اتساع حركة الاستقلال في العقود اللاحقة، تحوّل «وندي ماترم» إلى شعار تعبوي واسع الانتشار، وردّده مسلمون وهندوس في سياق مقاومة الاستعمار، بوصفه رمزًا للنضال الوطني المشترك، لا كنص عقدي يخضع للتدقيق اللاهوتي في تلك المرحلة الحرجة.

وقد مثّل قرار المؤتمر الوطني الهندي عام 1937 لحظة توافق تاريخية، حين تقرر اعتماد المقطعين الأولين فقط من النشيد، إدراكًا لحساسية المقاطع اللاحقة لدى المسلمين. ويُعد هذا القرار نموذجًا مبكرًا لإدارة التعددية داخل الفضاء الوطني، حيث جرى التوفيق بين الذاكرة النضالية وحرية المعتقد.

اعتراضات المسلمين عبر المراحل التاريخية

منذ بدايات القرن العشرين، عبّر علماء ومفكرو المسلمين عن تحفظهم على نشيد «وندي ماترم»، مؤكدين أن المشاركة في النضال الوطني لا تستلزم التنازل عن العقيدة، وأن الوطنية مفهوم سياسي لا ديني. وقد ركزت هذه الاعتراضات على رفض الإكراه، لا على الانعزال عن المشروع الوطني.

بعد الاستقلال عام 1947، ظل هذا التوازن قائمًا ضمن الإطار الدستوري، ولم تُفرض تلاوة النشيد على المسلمين، وبقي التوافق العملي مستندًا إلى قرار 1937 وروح الدستور الهندي الذي كفل حرية العقيدة وعدم الإكراه الديني.

غير أن العقود الأخيرة شهدت تحولًا نوعيًا، مع صعود خطاب القومية الثقافية، حيث أُعيد طرح «وندي ماترم» بوصفه اختبارًا للولاء، ومعيارًا للوطنية، وأداة فرز رمزي بين المواطنين، وهو ما نقل الخلاف من نقاش ثقافي إلى قضية حقوقية ودستورية.

الوضع الراهن ودوافع فرض النشيد في الخطاب السياسي المعاصر

في السياق السياسي الراهن، يمكن فهم محاولات فرض نشيد «وندي ماترم» على المسلمين ضمن إطار أوسع من إعادة تعريف الوطنية في الهند. فالحزب الحاكم يتبنى تصورًا للقومية يقوم على مركزية الثقافة الهندوسية، ويسعى إلى تحويلها إلى مرجعية رمزية جامعة، تُقاس بها درجة الانتماء والولاء.

في هذا الإطار، لا يُنظر إلى نشيد «وندي ماترم» بوصفه مجرد تراث تاريخي، بل بوصفه أداة سياسية لإعادة رسم حدود “الهوية الوطنية المقبولة”. ويؤدي هذا التوجه إلى تسييس الرموز الثقافية والدينية، وتحميلها وظائف إقصائية، حيث يصبح الامتناع عن ترديد النشيد دلالة على نقص الوطنية، لا تعبيرًا عن التزام ديني مشروع.

كما يرتبط هذا الإصرار بسياق تعبئة سياسية داخلية، تُستخدم فيه قضايا الهوية لصرف الانتباه عن تحديات اقتصادية واجتماعية، مثل البطالة، وغلاء المعيشة، وأزمات الحوكمة. وفي هذا المناخ، تتحول الرموز إلى أدوات استقطاب، ويُعاد تعريف الخلافات الدستورية بوصفها صراعات ولاء.

الجدل البرلماني المعاصر ومواقف القيادات المسلمة

في هذا السياق، برزت مداخلات برلمانية لافتة لعدد من القادة المسلمين، من أبرزهم أسد الدين أويسي، رئيس حزب مجلس عموم الهند AIMIM" "، الذي أكد أن «وندي ماترم ليست مقياسًا للوطنية». وشدد أويسي خلال مناقشات البرلمان على أن الدستور الهندي لا يجيز إجبار أي مواطن على عبادة أي رمز أو ترديد نشيد ذي حمولة دينية، معتبرًا أن تحويل الأغاني إلى اختبارات ولاء يعني التخلي عن إرث غاندي وأمبدكار وطاغور وبوسه، والاقتراب من نموذج قومي إقصائي.

كما حذر أويسي من تديين الوطنية، معتبرًا أن تسمية الهند إلهة يحوّل حب الوطن إلى ممارسة دينية قسرية، وهو ما يتعارض مع ديباجة الدستور التي تبدأ بعبارة «نحن شعب الهند»، وتؤكد حرية الفكر والمعتقد والعبادة.

وفي الاتجاه نفسه، وجّه النائب عن سرينغر، آغا سيد روح الله مهدي، هجومًا حادًا على الحكومة المركزية، متهمًا إياها بـ«تسليح الوطنية» وفرض معايير ثقافية تضيق على الهوية الدينية للمسلمين. وأكد مهدي أن الوطنية لا يمكن أن تُفرض عبر طقوس ثقافية أو رموز دينية، وأن احترامه للنشيد الوطني لا يعني القبول بالإكراه. وربط مهدي هذا الجدل بسياق أوسع من السياسات الإقصائية، محذرًا من تحويل المسلمين إلى «غرباء دائمين» وتجريم أي اختلاف بوصفه عدم ولاء.

الخاتمة

وخلاصة القول إن الجدل حول نشيد «وندي ماترم» لا يتعلق بنشيد بعينه، بل بطبيعة الدولة وحدود الوطنية في مجتمع تعددي. فالمسلمون في الهند لا يرفضون الوطن، ولا ينكرون تاريخ التحرر، بل يطالبون بفصل الوطنية عن الإكراه الديني، وصون التعددية التي قام عليها المشروع الهندي الحديث.

إن احترام التوافقات التاريخية، وفي مقدمتها قرار 1937، لا يمثل تراجعًا عن الوطنية، بل تجسيدًا لنضجها. فالدول القوية ليست تلك التي تختبر ولاء مواطنيها بالأغاني والرموز، بل تلك التي تحمي ضمائرهم، وتصون حرياتهم، وتتيح لهم الانتماء الكامل دون أن يُطلب منهم التنازل عن إيمانهم أو هويتهم.

أعلى