مَاتَ اليومَ رَجُلٌ صَالح

لا أعرف داعية غربيا يحث الناس على الدعاء ويؤمن به ويتفنن في تشجيع الناس عليه كما كان محمد يحث الناس على الدعاء

المشهد الدعوي في الغرْب يموج موج البحر منذ يومين بقبض ركن من أركانه وعمود من أعمدته وهو الشيخ محمد الشريف من كندا - رحمه اللّـه وغفر له- الذي توفي مساء الخميس ٢٢ شهر ذي الحجة ١٤٤٣هـ الموافق ٢١ يوليو ٢٠٢٢ .

درس الشريف في الجامعة المباركة 'الجامعة الإسلامية بالمدينة' وتخرج فيها في نهاية التسعينات الميلادية، كان محمدٌ يجلس في قاعة الدرس في المدينة لكنه يُحدّث أصحابه عن رؤية بعيدة وهدفٍ سامٍ هناك في الغرب …'عندما أعود سأفتح معهداً دعوياً يناسب البيئة الغربية' وهكذا هم الدعاة القادة: لديهم قدرة عالية على رسم الأهداف وَأَطْرِ النفس على تحقيقها أطراً متوكلين على اللّـه مستعينين به، ويعود محمدٌ الشاب ذو التسعة والعشرين ربيعاً لأمريكا، ويُنشئ معهداً لا بناء له لكنّه يَبني، ولا مكان له لكنه ذو مكانة! ، وقد سمّاه معهد المغرب .

 عرف محمدٌ أن مشكلة التعلم في الغرب تكمن في أن الناس ليس عندهم وقت كاف لدراسة طويلة الأمد، وليست عندهم القدرة للسفر الطويل للخارج للتعلم، فبنى 'معهد المغرب' على أساس من المرونة، ووضع العلم الشرعي في قالب يناسب الدارس الغربي، فالطالب مثلاً يدرس ثلاثين ساعة دراسية في 'دبل ويكند' (عطلتي نهاية الأسبوع) فيدرس الطلاب أيام الجمعة والسبت والأحد، ثم يُتبعونها بأخرى في الأسبوع الذي يليه، كل ذلك في قاعات فُندقيّة مهيّأة، وجوٍّ دعوي تربوي.

 وقد أبدع محمدٌ في استخدام أدوات التسويق الحديثة، وَعُنِيَ بالهويّة البصريّة، وجمال الألوان، ودقّة التنظيم، وتنوّع المواد الدراسية، وفي عشرين عاماً استقطب ما يربو على خمسة وعشرين مدرّساً من طلاب العلم الغربيين ، كثير منهم من خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة، وربا عدد الدارسين اليوم على مئتي ألف دارس من فتيان وفتيات المسلمين في أمريكا الشمالية وأستراليا وبريطانيا وماليزيا، كانت للشيخ محمد عدّة مِيَزٍ جعلته مميزاً من أهمها في نظري:

- لا أعرف داعية غربياً يحث الناس على الدعاء ويؤمن به ويتفنن في تشجيع الناس عليه كما كان محمد يحث الناس على الدعاء، قال لي مرّة:  'أُعَلِّم الناس كيف يكتبون أهدافهم الحياتية ثم يحوّلون تلك الأهداف لدعوات يدعون اللّـه أن يحققها' …وحدّثني أحد الدعاة مرة بقصة هي عجبٌ من العجَب… وهي أن محمداً قال له: 'هل عندك أبناء ؟ فقال له: لم أرزق بذريّة رغم أني متزوّج منذ سبع سنوات ، فقال له محمد: ادع اللّـه بصدق، قال: أنا أدعو! قال له محمد: ادعه بصدق… ثم قال: قُم معي سنذهب إلى السوق لنشتري ملابسَ لطفلك الذي سترزقه بإذن اللّـه…فاشترى للأخ ملابسَ لمولوده …وقال: ادع اللّـه …ثم أخذه لجسر على مَطلٍّ جميل ، وقال له: أغمض عينيك…وتخيل أن اللّـه رزقك بولد وبنت…ثم قال: هل تخيّلت أشكالهما؟ قال نعم: قال ادع اللّـه الآن وأنت موقن أنه سيرزقك ذريّة! …قال لي صاحب القصة: ففعلت …ووالله رزقني اللّـه بتوأم…ولداً وبنتاً …وبنفس الصورة التي تخيّلتها أو تمنيتها !' …

هذه قصّة من قصص كثيرة للشيخ مع الدعاء واليقين بأن الدعاء  يُجلب به الرزق وتُفتح به المغاليق…

- ومن صفات أخي محمد، أنه كان مُحبّاً للناس حبّاً عظيماً ، وكل من يعرفه يظن أنه من أحب الناس إليه، وتلك سنّة نبوية حدّث بها عمرو بن العاص رضي اللّـه عنه عندما سأل النبي  ﷺ 'من أحب الناس إليك'

ومن جميل صفاته رحمه اللّـه البصيرة النافذة في معرفة قدرات من حوله، وتشجيعهم على العطاء، مع حبّ جم لأهل النجاح ورغبة في إبرازهم للناس.

ومحمدٌ ذو دمعة قريبة، له قراءة في القرآن بصوت حسن، حفظ الكتاب، وحفظته زوجته، ويُحفِّظه أبناءه…وقال لي مرّة:

 'إذا أردت أن تعرف الدعاة الناجحين، فإنهم الدعاة الذين ارتبطوا بالقرآن'

كان محمدٌ يحث الناس بل ويعلمهم كيف يجمعون بين النجاح الدنيوي والنجاح الديني، ومن أشهر محاضراته في ذلك محاضرة بعنوان 'المليونير الذي دخل الجنة' يحدث الناس فيها عن الاستقلالية المالية والجمع بين الحَسَنتين، ليس كلاماً نظرياً مجرداً لكنه كان يدعو لذلك ويعلّمه ويمكن الدارسين من أدواته، وأعرف عنه أنه قارئ سريع القراءة، ومستمع للكتب المقروءة…حدثني مرة عن سماع كتاب كامل في يوم واحد…وكثيراً ما كان يرشّح لي كتباً لأستمع إليها.

والحديث عن الشيخ محمد يطول بل يطول جداً ، لكنّي أردت أن يصل للقارئ العربي شيءٌ من سيرة أحسبها طيبة لرجل أحسبه والله حسيبه طيباً مطيّباً ، رجاء دعوة طيبة له بظهر الغيب ترفع مقامه ومقام الداعي، وتنزل بها الرحمات على قبره ويُقال للداعي بها 'ولك بمثل'

رب اغفر لأخي محمدٍ مغفرة من عندك وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم،

رب أدخله الجنة وعافه واعف عنه…

اللهم اخلف للمسلمين خيراً ممن فقدوا . وإنا لله وإنا إليه راجعون.


أعلى