حل الكنيست.. الساسة الصهاينة يطلقون النار على أقدامهم

فشل نتنياهو حتى آخر لحظة قبل التصويت في أن ينجح في تشكيل حكومة بديلة، تعثرت جهوده لضم بعض نواب حزب يمينا المنشقين عن الائتلاف الحاكم، من أجل منح الفرصة لتشكيل حكومة يمين بديلة


في ظل حالة من الغموض السياسي بسبب تعدد الائتلافات وغياب التوافقات، قرر الساسة الصهاينة أن يحلّوا برلمانهم، وبموجب ذلك ستتجه إسرائيل نحو إجراء خامس انتخابات في أقل من أربع سنوات، المعضلة بالنسبة للساسة والأحزاب الإسرائيلية أن الانتخابات المبكرة التي من المنتظر تنظيمها في الخريف المقبل، ستأتي تزامنًا مع استمرار ارتفاع التضخم وتكاليف المعيشة، وتجدد الجهود الدولية لإحياء اتفاق نووي مع إيران، ناهيك عن التوترات الإقليمية والدولية والتي تلقي ببعض ظلالها على الكيان الإسرائيلي في الداخل، فهل حل الكنيست كان هو السبيل الوحيد لحلحلة الركود السياسي الإسرائيلي، أم أن رعونة الساسة الصهاينة قد تدفعهم لفعل أي شيء من أجل الوصول إلى السلطة؟

على غير المعتاد من رؤساء الحكومات الصهاينة، أعلن رئيس الوزراء، نفتالي بينيت، بروح رياضية أنه سيترك منصبه إلى شريكه وزير الخارجية يائير لابيد، وفي كلمته الأخيرة كرئيس للوزراء تنصل من سلفه بنيامين نتنياهو وهو يتحدث عن حصيلته، وأكد على أنه لن يخوض الانتخابات المقبلة بعد أن بقي في منصبه لمدة عام واحد فقط، أشار بينيت أن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت الفشل في تجديد الإجراء الذي يضمن لنحو 475 ألف مستوطن يهودي في الضفة الغربية المحتلة العيش بموجب القانون الإسرائيلي، هذا الإجراء والذي يُشار إليه عادةً بقانون أنظمة الطوارئ قد سنّه الكنيست عام 1967، ويجري تمديده كل 5 سنوات، لكن هذه المرة لم يتمكن تحالف الأغلبية المكون من 8 أحزاب من التوافق على هذا الإجراء، وبالتالي لم يتمكن التحالف ككل من الصمود متماسكًا، بالرغم من أن هذا التحالف قد أنهى حقبة غير مسبوقة من الجمود السياسي في إسرائيل ونجح العام الماضي في تمرير أول ميزانية منذ عام 2018، كما أنه دخل التاريخ من حيث كونه أول ائتلاف يحظى بدعم حزب عربي في تاريخ الدولة اليهودية الممتد 74 عامًا، إلا أن شدة تنوعه بسبب الانقسامات الأيديولوجية وتباين مواقف المنضمين إليه كانت سببًا في تفرقه، ربما لخفوت وهج الهدف الذي تجمعت من أجله كل الأحزاب المكونة له، وهو كسر الرقم القياسي لنتنياهو الذي بقي لمدة 12 عامًا متتالية في السلطة.

على الجانب الآخر، فشل نتنياهو حتى آخر لحظة قبل التصويت في أن ينجح في تشكيل حكومة بديلة، تعثرت جهوده لضم بعض نواب حزب يمينا المنشقين عن الائتلاف الحاكم، من أجل منح الفرصة لتشكيل حكومة يمين بديلة، لن يتوقف نتنياهو طويلًا أمام هذه الفرصة التي وُلِدَت ميتة لتشكيل حكومة بديلة، فعيناه على الانتخابات المقبلة والتي وعد بالفوز فيها بنتيجة تؤهله لتشكيل حكومة جديدة، يتحالف نتنياهو مع القوميين اليمينيين والأحزاب اليهودية الأرثوذكسية المتطرفة في إسرائيل، وبالرغم من تهم الفساد التي تلاحقه إلا أنه مستمر في الحشد لضمان الأغلبية البرلمانية من أجل الفوز بولاية سادسة في رئاسة الحكومة، أشارت تقارير إلى أن نتنياهو اتبع أساليب غير تقليدية تضمنت نصب المكائد والخداع والعمل على استقطاب أعضاء من الائتلاف الحاكم وإغرائهم بمناصب في حكومته في حال عاد لرئاسة الحكومة، كما أنه انبرى في رفض التصويت لصالح قوانين مهمة تتوافق تماما مع رؤية ومبادئ تحالفه اليميني، مبررًا ذلك بأنه سوف يمررها حين يعود للحكم، لم يخف نتنياهو سعادته بسقوط حكومة بينيت التي وصفها بأنها "أكثر الحكومات بؤسًا في تاريخ البلاد"، مشيرًا إلى أنه قد "حان الوقت لتشكيل حكومة وطنية إسرائيلية، تُخفّض الأسعار وتُخفّض الضرائب، وتعيد كرامتنا الوطنية"، يدرك نتنياهو أنّه إذا لم يفز في الانتخابات المقبلة ولم يتمكن من تشكيل حكومة، فسيخسر قيادته  لحزب الليكود، وبالتالي قد ينتهي مستقبله السياسي.

مع عدم رغبة بينيت في الترشح للانتخابات مجددًا وتسليمه قيادة حزب يمينا لوزيرة الداخلية الحالية أيليت شاكيد، يسعى شريكه المذيع التلفزيوني السابق يائير لابيد لتولي قيادة المعسكر المناهض لنتنياهو، بالرغم من أنه حديث العهد بالسياسة التي دخلها قبل عقد من الزمان، إلا أنه فاجأ الكثيرين بمهاراته السياسية، يسعى لابيد ـ الذي سيحتفظ بلقب وزير الخارجية أثناء توليه منصب رئيس الوزراء الإسرائيلي الرابع عشر ـ إلى اعتبار عودة نتنياهو المحتملة إلى السلطة تهديدًا وطنيًا للكيان الإسرائيلي، وهذه هي النقطة التي سيبني عليها انطلاقته في الانتخابات المقبلة، كما سيركز على شبهات الفساد التي تلاحق نتنياهو، لا سيّما وأن استطلاعات الرأي في إسرائيل تشير إلى أن معسكر نتنياهو قد ينجح في جمع 61 صوتًا بالكنيست وهي عدد الأصوات المطلوبة لتشكيل حكومة جديدة، في حالة إذا ما عمل نتنياهو على إقناع المزيد من أعضاء اليمين لدعمه، وفي حالة نجاحه في ذلك فسيتم تشكيل الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، لكن بشكل عام يواجه لابيد، الذي يُنظر إليه في إسرائيل على أنه معتدل، جملةً من المشكلات والتحديات التي قد تهدّد فرص نجاحه خلال الفترة الانتقالية، لا سيّما مع استمرار عملية توجّه المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين واليمين المتطرّف منذ أكثر من عقدين.

في ظل المناخ السياسي المتقلب في إسرائيل، ستبقى مفاجآت اللحظة الأخيرة ممكنة، إذ تتقلب التحالفات بين الأطياف السياسية بين ليلة وضحاها، هناك نقطة أساسية لدى الساسة الصهاينة وهي أنهم لا يترددون في التضحية بأفكارهم وبأيديولوجياتهم من أجل الحفاظ على مناصبهم، فحتى لو كان التحالف الذي ينضمون إليه لا يعطيهم كل ما يريدونه لتلبية الأيديولوجية التي يؤمنون بها، فإنهم يفضلون البقاء في موضع قوة على مقاعد الكنيست وتشكيل الحكومة على أن يبقوا أوفياء لأفكارهم، على جانب آخر ثمة وضع إقليمي وعالمي متقلب على الأرض، خاصةً مع تصاعد المواجهات بين الفلسطينيين وشرطة الاحتلال في القدس، وتصاعد التهديدات المتبادلة بين قادة الكيان المغتصب وفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ناهيك عن التهديد الأمني المستمر من جنوب لبنان ومن الجبهة السورية والخشية المستمرة من تطورات البرنامج النووي الإيراني، فتحقيق الأمن هو جوهر العملية السياسية في إسرائيل، وبالتالي تدهور الوضع الأمني يضعف التأييد الشعبي لأي حكومة، وهذا أيضا كان من الأسباب الرئيسية لزعزعة الثقة في حكومة بينيت، وفي ظل هذا الوضع المأزوم الذي يمنع الحكومة من القدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية كقرار الحرب والهدنة الدائمة، تبقى المؤسسة الأمنية هي صاحبة القول الفصل في إسرائيل وهي من تتخذ مثل هذه القرارات، بينما ينصاع القرار السياسي وفقًا لتوجهاتها ويؤيدها.

خلال الفترة التي تسبق الانتخابات، سيدخل الكيان الإسرائيلي في مرحلة جديدة من التجاذبات والنقاشات، ستبرز أسماء جديدة على الساحة وتنشط أحزاب وقوى سياسية لم تكن في الحسبان، ستدخل إسرائيل في مرحلة من التقلبات السياسية الداخلية، لكن بشكل عام ستظل السياسة العامة للكيان الصهيوني على نفس خطوطها العريضة دون تغيير سواء تجاه القضية الفلسطينية أو إيران، قد يكون من السابق لأوانه توقّع نتائج الانتخابات القادمة، لا سيّما أنّ الأحزاب السياسية لم تشكّل قوائمها الانتخابية بعد، ولم تظهر بوادر تشكيل تحالفاتها، ثمة عوامل كثيرة تتفاعل وتؤثّر بشكل عام في سلوك الناخب الإسرائيلي، أبرزها العوامل الأيديولوجية الطبقية والإثنية والدينية، وتشكيلة القائمة الانتخابية ومن يرأسها وأجندتها وبرنامجها الانتخابي، خاصةً فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية في ضوء استمرار ارتفاع غلاء المعيشة.

قبل أسابيع قليلة، اعتبر أقطاب السياسية الإسرائيلية أن الانتخابات المبكرة لن تكون في صالح إسرائيل خلال المرحلة الحالية، خوفًا من أن يتكرر إجراء الانتخابات عدة مرات كما جرى قبل عامين، عندما لم يستطع أي معسكر من حسم الأغلبية لصالحه، وهو ما دفع الإسرائيليون إلى صناديق الانتخابات 3 مرات خلال عام واحد فقط، يبدو أن الساسة الصهاينة وزعماء الأحزاب قد أدمنوا لعبة الانتخابات.

أعلى