حـرب أوكـرانيا.. العـقـوبات لروسـيا والـدروس للصـين

كثير هي العقوبات التي تم فرضها دون أن تغيّر من الوضع الذي فُرِضَت من أجل تغييره، لنذكر مثلًا النظام الكوري الشمالي الذي لم تمنعه العقوبات القاسية من مواصلة برنامجه النووي، بل وتوسيعه، ونظام بشار الأسد الذي سجن وعذب وقتل وشرد قطاعات واسعة من الشعب السوري،


فيما لا تزال روسيا تواجه مقاومة عسكرية شرسة في أوكرانيا بصورة أقوى مما كانت تتوقعه حين ظنّت أن غزوها لأوكرانيا لن يستغرق سوى أيام، فإن ثمة قوة أخرى عظمى تدرس الموقف الحاصل وتعدّ عدتها وتتعلم من أخطاء الروس، إذا ما دعتها الظروف يومًا لأن تخوض حربها للدفاع عن تايوان المتمتعة بالحكم الذاتي، والتي تعتبرها جزءًا لا يتجزأ من برها الرئيسي، إنها الصين التي بدأ قادتها يحسّنون من استراتيجياتها القتالية، بل ويستعدون لعقوبات اقتصادية إذا ما فُرِضَت عليهم.

 عقوبات قاسية

مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، أراد الغرب استخدام أسلحته الاقتصادية جنبًا إلى جنب مع تزويد الأوكرانيين بالسلاح، سعى الغرب إلى إحداث نوع من الصدمة للاقتصاد الروسي، كما لو كان للتأكيد على أن العقوبات هي شكل من أشكال الحرب، ولكن مثل النزاع المسلح لا يمكن التنبؤ بالعقوبات في تشكيل النتائج وغالبًا ما تؤدي إلى عواقب غير مقصودة أو غير مرغوب فيها، قد يعطي تشديد العقوبات على روسيا للعالم ملمحًا بأن ثمة تحرك حقيقي يجري بشأن أوكرانيا، وهو كذلك بالفعل، فقد توقع معهد التمويل الدولي أن ينكمش الاقتصاد الروسي بنحو 15٪ هذا العام بسبب الحرب، هذا بخلاف الكثير من الخسائر على المدى الطويل، لكن أي تأثير قد أحدثته تلك العقوبات الآخذة في التصاعد على قرار بوتين بشأن الغزو حتى الآن؟!، الإجابة ببساطة.. لا شيء، في الواقع، فإن النظرية الكاملة وراء العقوبات معيبة بشكل أساسي، لأنها تفترض أن زعيمًا مثل بوتين سيضطر لتغيير سياساته تحت وطأة الوضع الاقتصادي السيء الذي ستؤول إليه العقوبات، أو أنه سيخشى تأثر شعبية جراء ذلك، بالعودة إلى التاريخ سنجد أن استيلاء بوتين على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في عام 2014، تبعته مجموعة من العقوبات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أنها لم تسفر عن أي شيء لردع الروس عن التمسك بشبه جزيرة القرم، ناهيك عن ضلوعهم في شن حرب بالوكالة في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا لمدة 8 سنوات.

كثير هي العقوبات التي تم فرضها دون أن تغيّر من الوضع الذي فُرِضَت من أجل تغييره، لنذكر مثلًا النظام الكوري الشمالي الذي لم تمنعه العقوبات القاسية من مواصلة برنامجه النووي، بل وتوسيعه، ونظام بشار الأسد الذي سجن وعذب وقتل وشرد قطاعات واسعة من الشعب السوري، إلا أن العقوبات لم تمنعه من الاستمرار في الحكم ومواصلة الجرائم التي يرتكبها بحق شعبه، وما حدث مع بشار هو ذاته ما حدث مع النظام الاشتراكي بقيادة نيكولاس مادورو في فنزويلا، ولا يزال مادورو باقيًا في السلطة بينما تتزايد مآسي الشعب الفنزويلي، وفي السنوات التي سبقت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فُرِضَت عقوبات على حركة طالبان لإنهاء وجودها وتم غزو أفغانستان سعيًا لتحقيق ذلك، بيد أن الحركة الآن تتربع على السلطة هناك، أما كوبا التي بدأت الولايات المتحدة فرض العقوبات عليها منذ إدارة كينيدي لإجبار نظامها الحاكم على إرساء الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، فهي تشهد الآن أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها في ظل حكم الحزب الشيوعي الذي لم يتحرك قيد أنملة لتحقيق الديمقراطية، مرّت 6 عقود من بدء العقوبات الأمريكية ولا شيء تحقق.

 لكن ثمة نقطة هامة هنا من باب الإنصاف؛ فالعقوبات الغربية مصممة بطريقة لا لتُوقف الحرب على أوكرانيا بقدر ما مصممة لإلحاق الضرر بروسيا واقتصادها دون الإضرار الكبير بالمصالح الغربية، فالعقوبات ضد النظام الإيراني جعلت من الصعب على إيران الاندماج في النظام المالي الدولي، وكانت سببًا رئيسيًا في جلب الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات أثناء إدارة أوباما، كما أن العقوبات الدولية قد ساهمت بشكل ملموس في قرار جنوب إفريقيا لإنهاء نظام الفصل العنصري في أوائل التسعينيات، إذن لكي نكون منصفين، فإن بلدًا كروسيا خاضت حربًا غير ضرورية ستعاني لاحقًا من أثر العقوبات، حينها ستكون أمام مسارين؛ إما البقاء كدولة ديكتاتورية ذات اقتصاد فاشل، أو الانصياع لمطالب المجتمع الدولي من أجل رفع العقوبات ووقف نزيف المعاناة.

 أزمة مماثلة

ليس ببعيد عن روسيا التي تطالب بأوكرانيا لكونها كانت جزءًا من أراضيها، فإن الصين تطالب بالسيادة على تايوان منذ الحرب الأهلية الصينية في الأربعينيات، فمنذ أن خسر القوميون بقيادة تشيانغ كاي تشيك أمام ماو تسي تونغ وأقاموا وجودًا لهم في الجزيرة المجاورة، وتايوان تتمتع بالحكم الذاتي، في عام 2016 انهارت المحادثات التايوانية الصينية بعد أن تولت تساي إنغ ون منصب الرئاسة في تايوان، لكن الصين ما فتئت تصرح بحتمية عودة الجزيرة التايوانية إلى البر الأم، يتطلع الصينيون إلى طرق هادئة للاستيلاء على تايوان بسرعة نسبية من خلال استهداف مراكز الاتصالات والمؤسسات السياسية الكبرى في الجزيرة، ستحتاج الصين إلى مزيد من الدعم اللوجستي لأي هجوم برمائي على جزيرة تايوان التي تبعد 160 كيلومترًا عنها، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة، ناهيك عن ضرورة البحث عن مخرج أخلاقي يبرر الحرب ويكون مادة خصبة للخطاب الإعلامي المصاحب لها.

 يدرك الصينيون جيدًا أن التكاليف الجيوسياسية والاقتصادية لعدم استخدام القوة تفوق مخاطر الفشل العسكري، لقد تسببت الحرب الأوكرانية الدائرة حتى الآن في حدوث حالة من عدم اليقين في تقييمات الجيش الصيني لقدراته العسكرية، تخشى بكين أن تنخرط في عملية عسكرية كبيرة من دون استعادة الجزيرة، وهو نفس الفخ الذي يمكن أن تسقط فيه روسيا بعد انتهاء حربها الحالية في أوكرانيا، وثمة فارق هنا جدير بالذكر فيما يخص التدخل الغربي للدفاع عن تايوان، فالرئيس الأمريكي جو بايدن قد أعلن سابقًا عن استعداد بلاده لاستخدام القوة العسكريّة حال قيام الصين بالاعتداء على تايوان، وهو تصريح لم يقله بايدن فيما يخص أوكرانيا، فبالرغم من أن واشنطن مستمرة في دعم أوكرانيا سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا، إلا أنها لم تتدخل بشكل مباشر أو عبر إرسال أسلحة نوعية فعّالة من شأنها أن تثير استفزاز الروس.

 عبر ودروس

في ظل الوضع الدولي الملتهب، تراقب الصين عن كثب، لم تختبر الصين قواتها المسلحة في حرب واسعة وحقيقية منذ عام 1979م، عندما سيطرت على عدة مدن بالقرب من حدودها البرية المشتركة مع فيتنام، لكنها فشلت في منع فيتنام من الإطاحة بحكومة بول بوت الموالية لبكين في كمبوديا، وإذا ما اندلعت الحرب ستقوم الصين ـ صاحبة ثالث أقوى جيش في العالم ـ بالدخول في مواجهة مباشرة مع تايوان، التي يأتي جيشها في المرتبة الـ 21 من حيث المعدات العسكرية والأفراد، ستحتاج الصين في البداية إلى إحداث شلل للقوات العسكرية التايوانية بالتزامن مع غزو بري وضرب حصار جوي وبحري، كما ستحتاج إلى التخلص من القادة التايوانيين لضمان عدم بقاء أي شخص على الأرض باعتباره بطلًا، فبقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حرًا وحيًا، جعله ينبري في دعوة دول العالم للتعاطف وتقديم المساعدات، لا شك أن الصينيين قد تناقشوا بما فيه الكفاية حول كيفية تنفيذ حصار كامل للمعلومات حتى لا تتمكن تايوان من الصراخ طالبةً إنقاذها، لكن إذا ما كانت هناك دروس وعبر على الصينيين أن يتعلموها من الحرب الأوكرانية؛ فإن النكسات الروسية تشير إلى أن أي هجوم صيني سيستغرق وقتًا، وربما أكثر مما تكون الصين مستعدة له.

فيما يخص الجانب الاقتصادي، لا شك أن الصينيين قد بدأوا في إعادة تقييم الاستراتيجيات والسياسات المرتبطة بالعقوبات المحتملة عليهم في حال بدأوا هجومهم على تايوان، خاصةً وأن الوضع الصيني سيكون أسوأ مقارنةً بروسيا، إذ تعتمد الصين بشكل أكبر على الدول الأخرى لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، فالصين هي أكبر مصدر للسلع المصنعة في العالم بنسبة 14.7 ٪ من الإجمالي العالمي من عام 1978 إلى عام 2020، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، وبالتالي فإن أي عقوبات اقتصادية واسعة ستصيب التنين الاقتصادي الصيني بالصدمة، قد يرى البعض أن الثقل المالي لبكين والذي يفوق بشكل كبير مثيله في موسكو، سيشكل داعمًا للموقف الصيني، لأن الأضرار الجانبية للعقوبات على الصين ستكون كبيرة الأثر على التجارة العالمية وسلاسل التوريد والمؤسسات المالية الدولية، إلا أن ثمة درس آخر على الصينيين أن يتعلموه فيما يتعلق بصادرات النفط والغاز من روسيا إلى أوروبا، إذ أعاد الأوروبيون بسرعة ترتيب أوراقهم، ووضعوا الخطط للتخلص نهائيًا من الاعتماد على موارد الطاقة الروسية خلال الأعوام القليلة القادمة.

في الوقت الذي يستخلص القادة الصينيون العبر والدروس من المعارك الدائرة في أوكرانيا، فإن نظرائهم في تايوان وحلفائها الغربيين واليابان يستخلصون الدروس أيضا، تريد الولايات المتحدة ضبط الوضع في منطقة بحر الصين وإثبات وجودها في تلك البقعة الهامة من العالم، لا تريد أمريكا لصورتها أن تهتز أكثر، خاصةً بعد التفوق النسبي لصالح الروس في الحرب الأوكرانية الآن، قد يبدو اجتياح تايوان مهمة سهلة بالنسبة للصين التي يفصل طيرانها عن العاصمة "تايبيه" أقل من 7 دقائق، إلا أن المعركة لن تكون سهلة كما يتصور البعض، لقد دعمت الولايات المتحدة المنظومات الدفاعية لتايوان طيلة السنوات الماضية، وأسست وضعًا استراتيجيًا يفي بوجود درجة عالية من توازن القوة أمام الوجود العسكري الصيني، من خلال تشكيل تحالف أمريكي ـ ياباني ـ هندي ـ فرنسي ـ أسترالي، من شأنه أن يجعل الصينيين يفكرون بتأني قبل إطلاق الرصاصة الأولى.

 

أعلى