اللسان المبـين.. هل من مدافع أمين

وفي حديثٍ آخَر عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "تعلَّموا العربيَّة؛ فإنَّها من دينكم، وتعلَّموا الفرائض؛ فإنَّها من دينكم"[4] وهذا كله نابع من معرفة متأصلة بالمكانة الرفيعة لهاته اللغة الفريدة في تكوين هوية المجتمع المسلم


   .. تنفق الولايات المتحدة سنويًا 473.4 مليار دولار على أغراض البحث والتطوير، في حين تبلغ نفقات جمهورية الصين على ذلك 344.7 مليار دولار، أما دول الاتحاد الأوروبي فتنفق سنويًّا 334.3 مليار دولار للغرض نفسه، وإذا علمنا أنه في الثلاثين سنة الأخيرة تم إنتاج وتجميع معلومات تفوق كل المعلومات التي تم إنتاجها منذ خمسة آلاف سنة، أي منذ اختراع الإنسان الكتابة.. فأين الإنتاج المعرفي باللغة العربية من هذا الكم المعلوماتي الهائل وماذا صنعنا بهذا الميراث الشريف الذي تركه لنا سلفنا.. هاتها اللغة العالية التي فرضت نفسها لتتربع على عرش إحدى اللغات الرسمية المعتمدة في المنظومة الدولية، وهي التي تحتل المرتبة الرابعة باعتبار مجمل معايير الترتيب العالمي للألسنةـ حسب إحدى الدراسات ـ  متقدمة على كل اللغات الأوربية باستثناء الإنكليزية، كما أنَّها من بين اللغات الست التي يعرف الناطقون بها تزايدًا ديموغرافيًّا أكثر من غيرها، ولما لا وهي أقدم لغة حية مكتوبة على وجه الأرض يستطيع أبناؤها قراءة خمسة عشر قرناً من العطاء ، وتعتمد عليها عدد من اللغات في نظام الكتابة، كما أن أرقامها  هي المستخدمة إلى اليوم على نطاق العالم ، و ما ذكره د/ محمد نعمان الدين الندوي في مجلة الأدب الإسلامي في هذا السياق يدعو للعجب و الإعجاب حقا حيث قال أن عدد الألفاظ المستعملة من اللغة العربية خمسة ملايين وتسعة وتسعون ألفاً و أربعمائة لفظ [5,099,400]، من جملة ستة ملايين وستمائة وتسعة وتسعين ألفاً وأربعمائة لفظ [6,699,400]، بينما نجد الفرنسية لا تحتوي إلا على خمسة وعشرين ألف كلمة(25000)، والإنجليزية على مائة ألف كلمة(100000) فقط) كل هذا يذكرنا بمقولة الألماني فريتاغ بأن  ((اللغة العربية أغنى لغات العالم ))[1]، وهو ماجعل هاته اللغة مستهدفة في عقر دارها ولعل ذلك ترجم في تلك الحروبِ التي تُـشن على هاته اللغة العالية  وفي بعض مواطنها الأصلية وذلك من بروز للنعرات القومية التي تنادي بإحلال اللهجات المحلية و الجهوية كبديل لها أو قل كند لها وكذا تمييعها عبر شبكات التواصل الاجتماعي [2]و الأمر الآخر كيفية تعامل المتحدثين بها و كذلك عدم تطبيق استراتيجية واعية ومشتركة وفعالة في الحفاظ عليها وهذا رغم وجود مجهودات مميزة في هذا الميدان، لكن تبقى فقيرة للقرار السياسي الحاسم  وليس أدلَّ على ذلك من واقع اللغة الإنجليزية، فمنذ أن قررت الولايات المتحدة الأمريكية تبنيها لغة رسمية لها حتى سعت في نشرها، وربطتها بالعلوم والمعارف وهي التي كان أبناؤها بداية القرن التاسع عشر الميلادي واحداً وعشرين مليوناً فقط والذين باتو في بداية القرن العشرين مائة وخمسة وعشرين مليوناً، وهم اليوم ضعف هذا العدد أو أكثر، ومن يتحدثون بها من غير أبنائها خلق كثير لا يكاد يُحصى ، ولا تزال في اتساع وانتشار مستمر ولا سيما في زمن العولمة، حيث تحاول أن تفرض نفسها اليوم كلغة  لكل شعوب الأرض، ورغم أن اللغة الإنجليزية متأخرة في عدد الناطقين الأصليين بها، فإنها إلى حد بعيد اللغة الأكثر شيوعا في العالم ففي دراسة في 2006 يتحدث حوالي 330 إلى 360 مليون نسمة الإنجليزية كلغتهم الأولى ، ومن المعلوم أن من أساسيات العولمة نشر اللغة الواحدة، وجعلها لغة العالم الأولى، وإيهام البشر أن العلم والمعرفة والإبداع والاختراع والخير والحضارة والسبق والفوز لا يكون إلا لمن أتقن هاته اللغة المستوردة، ودرّس العلوم والاختراعات بلغتها دون سواها، و لقد أدركت بعض الدول خطورة الآثار الثقافية للعولمة في بلدانها، ومن هذه الدول فرنسا، فهذا وزير عدلها السابق "جاك كوبون" يقول: "إنّ (الإنترنت) بالوضع الحالي شكل جديد من أشكال الاستعمار، وإذا لم نتحرك فأسلوب حياتنا في خطر، وهناك إجماع فرنسي على اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة لحماية اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية من التأثير الأمريكي" وكما لا يخفى علينا أن اللغة تعتبر آكد الركائز في المنظومة القِيَمية لدى المجتمعات والتي تشكّل قاعدة أساسية لهوية واضحة المعالم للحاضر والمستقبل، فعندما تتزعزع هذه القيم ويتغير تشكيلها بفرض قيم ذات دلالة إعجاب بالآخر وانسلاخ من واقع وماضي يتكئ عليه الإنسان، فهنا مكمن الخطر وانظر أخي القارئ إلى مكانة اللغة العربية عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر برجلين يرميان، فقال أحدهما للآخر: أسِيت، فقال عمر سوء اللَّحن أشدُّ من سوء الرمي [3] وفي موقف آخر له جاء عن عمر بن زيدٍ: أنَّ عمر بن الخطَّاب - أيضًا - كتب إلى أبي مُوسى - رضي الله عنه -: "أمَّا بعد: فتفَقَّهوا في السُّنة، وتفَقَّهوا في اللُّغة، وأعرِبوا القُرآن؛ فإنَّه عربي"، وفي حديثٍ آخَر عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "تعلَّموا العربيَّة؛ فإنَّها من دينكم، وتعلَّموا الفرائض؛ فإنَّها من دينكم"[4] وهذا كله نابع من معرفة متأصلة بالمكانة الرفيعة لهاته اللغة الفريدة في تكوين هوية المجتمع المسلم ولعل ذلك ما عبر عنه وهو ما عبَّر عنه أبو منصورٍ الثَّعالبِيُّ في مقدمة  كتابه " فقه اللغة وسر العربية " قائلا : من أحب الله تعالى أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها وثابر عليها وصرف همَّته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة ، والإقبال على تفهمها من الديانة إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد ثم هي لإحراز الفضائل والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب كالينبوع للماء والزند للنار."[5]، كل هذا ولا زالت هاته اللغة تنتظر من يخرج كنوز مخطوطاتها إلى النور ، فإليك أخي الغيور على لغته لمحة من ذلك فحسب ماجاء في مقال لمحمد الأسعد  بعنوان: "الكتابة الطينية من الرقم الطينية إلى الحجارة فالورق" يقول فيه: أن هناك حوالي مليون مخطوطة عربية موزعة في كافة أرجاء العالم ((ففي تركيا 155أ لف مجلد / وروسيا 40 ألف مجلد / والعراق والمغرب 35ألف مجلد / وتونس 25ألف مجلد / وبريطانيا و سوريا 20 أ لف مجلد / والولايات المتحدة 15ألف مجلد / والهند والسعودية 15ألف مجلد / يوغسلافيا فيها 14 ألف مجلد / فرنسا 8500 مجلد / اليمن 10 ألف مجلد / ايطاليا والفاتيكان 7500مجلد . تضاف إلى هذا بلدان تحتفظ بما يقارب 7500 مجلد ليصل الرقم إلى ما يقارب مليون مخطوطة عربية ناجية ما تزال موزعة في أرجاء الكرة الأرضية))[6] فماذا نحن فاعلون لهاته اللغة البحر و قد أجاد شاعر النيل حافظ إبراهيم إذ قال متكلما بلسان حالها :

أنا البحر في أحشائه الدرُّ كامنٌ

فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني

ومنكم وإن عز الدواء أساتي

فلا تكلوني للزمان فإنني

أخاف عليكم أن تحين وفاتي

 


[1] أنظر فضلا لا أمرا: كتاب اللغة العربية التحديات والمواجهة  لسالم مبارك الفلق.

[2] وان قلت شبكات التقاطع الاجتماعي فإنك لم تجانب الصواب.

[3] خالد بن حامد الحازمي ، الآثار التربوية لدراسة اللغة العربية، الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة  ،الطبعة: العدد (121) , السنة (35) 1424هـ ، ص 485.

[4] هاني إسماعيل محمد ، مقال بعنوان : جهود العلماء القدامى في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، https://www.alukah.net/literature_language/0/37801/#ixzz7Eg Ued6Hd ،تاريخ الإضافة للموقع :  25جانفي2012 مـ - 1/3/1433 هـ.

 [6] المرجع نفسه.

أعلى