دور الإسلام في نشر اللغة العربية

واللغة، هي أداة التفكير، وأداة البيان، ووعاء المعارف جميعا، وهي، بصفة عامة، القوام الإنساني للحياة وللحضارة. وقد نهضت اللغة العربية، بتلك الوظائف، على أحسن وجه، وظلت لعدة قرون هي الجسر الذي يجمع قلوب الشعوب الإسلامية


ترتب على الفتوحات الإسلامية في العهدين الراشدي والأموي وما تلاهما من العهود، أن انتشر الإسلام كدين وكثقافة وكمنهج شامل للحياة، انتشاراً واسعاً وعفوياً، بين سكان البلاد المفتوحة، وغلب على رقعة واسعة جدا، امتدت من سور الصين العظيم شرقا، إلى أقصى الأندلس ووسط فرنسا غربا، ومن جبال طوروس شمالا، إلى قلب أفريقية جنوبا، حيث انبثقت ظاهرة حضارية فريدة من نوعها، انتشرت بفضلها اللغة العربية، كلغة حضارية عالمية، واصبحت تلك اللغة مشتركة، في تلك الرقعة، التي كانت تشكل نحو ثلثي الربع المسكون المعلوم عند المتقدمين، فصار للقران الكريم، دويٌّ بين أرجاء هذا العالم الواسع قرونا متطاولة. ومن هذا الواقع الحضاري الجديد، يؤكد المؤرخون على الحقيقة الجديدة، في أن اللغة العربية، قد أصبحت " لسانا عاما لجميع المسلمين، ولغة علمية مشتركة، بين العلماء الموحدين". وكانت اللغة العربية هي لغة العلم والتعليم والثقافة والأدب والتأليف في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وامتد باعها إلى كل بقعة وصل إليها الإسلام شرقا وغربا. وكان لسان العرب، هو اللسان الأول في كل أمة اعتنقت الإسلام، وفي كل مكان رفع فيه الأذان، وتلي القران، مع احتفاظ كل أمة من هذه الأمم، بلغتها الأم في بعض الأحيان. ومعنى ذلك أن امتداد اللغة العربية وانتشارها كان أكثر بكثير مما هي عليه في وقتنا الحاضر، فقد بلغت اللغة العربية من سعة الانتشار مالم تبلغه اللغة اليونانية، ولا غيرها من اللغات، وتجاوز استخدامها العرب إلى غير العرب، وهم الذين دانوا بالإسلام، لأن إسلامهم كان يوجب عليهم أن يضعوا العربية في المقام الأول، لأن إسلامهم لا يكون إسلاما إلا بالقران، الذي نزل بلسان عربي مبين، وإلا بسنة النبي الأمي العربي، صلى الله عليه وسلم، وهي أيضا بلسان عربي مبين. واللغة، هي أداة التفكير، وأداة البيان، ووعاء المعارف جميعا، وهي، بصفة عامة، القوام الإنساني للحياة وللحضارة. وقد نهضت اللغة العربية، بتلك الوظائف، على أحسن وجه، وظلت لعدة قرون هي الجسر الذي يجمع قلوب الشعوب الإسلامية، على أختلاف أجناسها وألوانها وأوطانها ومذاهبها، على كلمة واحدة، وعاطفة واحدة، ورأي عام واحد، من تركستان شرقا إلى الأندلس غربا، ومن طرسوس شمالا إلى زنجبار جنوبا. ويقارن المؤرخ البلجيكي الذائع الصيت هنري بيرين (1862-1935م) في كتابه الشهير (محمد وشارلمان) الذي نُشر سنة 1939 بين فتح الجرمان للعالم الروماني، والفتوحات العربية الإسلامية، ويقول: عندما انتصر الجرمان على الرومان (في القرن الخامس الميلادي)، فإن الجرماني (المنتصر) هو الذي انجذب تلقائيا، إلى الروماني (المغلوب)، وتخلّى تدريجيا عن) جرمانيته) و(تَرَوْمَنَ)، لأنه لم يكن يحمل ديناً أو ثقافة ليواجه بها مسيحية الرومان وحضارتهم. أما بالنسبة إلى العرب المسلمين (المنتصرين)، فإن سكان البلاد المفتوحة، هم الذين انجذبوا إلى الفاتحين المسلمين، واستعربوا، لأن الفاتحين كانوا يحملون عقيدة جديدة ومبادئ حضارة وليدة، أي أخذت هذه الشعوب تعتنق دين الفاتحين المسلمين، وتتعلم لغتهم العربية، دون استخدام البعثات التبشيرية، ودون ممارسة أي شكل من أشكال الضغط والترهيب، ودون تلفع بأي لون من ألوان الإغراء والتدجيل. وذلك لأن الغة العربية هي لغة القران الكريم، ولغة الحديث الشريف، أي لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حيث هو مبلغ للقران الذي نزل بلسان عربي مبين، ومبين عنه. أما الجماعات التي بقيت على ديانتها السابقة، فقد دفعت الجزية، وتمتعت بحماية الدولة العربية الإسلامية. ولا مجال لعبارات مثل فرض العرب المسلمين دينهم ولغتهم وعاداتهم وأسلوب حياتهم، وحتى تقويمهم، مما يبدو منه أن هذا الإنتشار كان بالقوة والقهر، وتحت وطأة الاضطرار، وأن قبول الذميين الإسلام الحنيف، كان لأسباب اقتصادية، كالتهرب من دفع الجزية (بينما هي في الإسلام، تقابل ضريبة الدفاع)، وهي مبلغ من المال ضئيل جدا، ويعفى منه الشيخ والمرأة والطفل والعاجز، كما أعفي منها الرهبان المنقطعين في أديرتهم، كذلك من الممكن تأجيل تحصيلها من المعسر حتى تتحسن أحواله. ولذلك تؤكد المصادر التاريخية على أن أكثرية سكان البلاد المفتوحة في الشرق الغرب والشمال والجنوب، قد وقفت موقفاً إيجابياً من الفاتحين العرب المسلمين, ورحّبت بهم ترحيباً حاراً، أملاً في التمتع بحريتها وكرامتها, ولا سيما وأن ما حمله الإسلام من مبادئ المساواة والحرية والعدالة تستجيب لأماني هذه الشعوب المقهورة والمغلوبة على أمرها, وتجعل الإسلام أقرب إلى حياتهم، وأحرص على كرامتهم، من أرثوذكسية البيزنطيين, وزرادشتية الفرس. وقد مهد الفاتحون المسلمون، الذين تمثلوا مبادىء الإسلام، الذي به نهضوا وفتحوا وسادوا وشادوا، وبلغوا هذه المبالغ كلها من المجد والرقي، مهدوا لجميع الشعوب، التي حكموها الطريق للاندماج في مجتمعهم، وأفسحوا لهم المجال، لتقلد جميع الوظائف والأعمال القادرين عليها، والمؤهلين للقيام بها. وعلى أيديهم دخلت أمم لا تاريخية، أي لم يكن لها مساهمات ملموسة، في تكوين الحضارات الإنسانية، إلى التاريخ بقوة. ولولا تسامحهم، أي العرب المسلمين، أيام عزهم بالإسلام، لم تبق بقية من الأمم المغلوبة في بلادها محتفظة بدينها ولسانها ومقدساتها، وذلك لأن الشريعة السمحاء تقضي بالرفق والرحمة، وعدم التعرض لدين المخالفين وأموالهم، خصوصا إذا كانوا أصحاب دين سماوي. وذلك قبل أن يزيل اللغة العربية عن مكانتها تلك، ويعمل على محاصرتها وتهميشها، طغيان الغازي الأوروبي الأثيم، في العصر الحديث، ويفرض لغته الدخيلة بدلا عنها في كثير من البلدان الإسلامية، وكل ذلك بالمكر والقوة معا.

***

أعلى