• - الموافق2026/01/07م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
اعتقال مادورو.. حين تتقاطع شهية النفط مع هواجس الهيمنة

في مشهد دولي متوتر، تتقاطع شهية النفط الأمريكي مع هواجس الهيمنة، لتتحول فنزويلا إلى ساحة مواجهة شرسة، حيث اعتقال مادورو يكشف عن صراع مصالح وأجندات خفية تهدد استقرار المنطقة وتعيد رسم قواعد اللعبة الدولية.


في وقت تعيش فيه السياسة الدولية أزمات متعددة، تصدّر المشهد في مطلع عام 2026 اعتداء الولايات المتحدة على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو كأحد أكثر التحركات العسكرية الأمريكية إثارة للجدل منذ نهاية الحرب الباردة. لم يكن ذلك مجرد عمليّة عسكرية مفاجِئة، بل جاء بعد أشهر من التصعيد والضغط المتواصل، وتحت ذرائع مختلفة، في حين تشير التحليلات إلى أن ما جرى يعكس تقاطعًا بين المصالح الاقتصادية الأمريكية، وعلى رأسها النفط، مع هواجس الهيمنة في النصف الغربي من الكرة الأرضية. من هنا، لا ينحصر السؤال في لماذا فنزويلا فحسب، بل يتسع ليطال طبيعة المشروع الذي يقوده ترامب، وحدود ما يمكن أن تذهب إليه الولايات المتحدة حين تقرر أن الهيمنة لا تحتاج إلى ذرائع، وأن القوة وحدها هي القانون.

سياق التوتر

في الأشهر التي سبقت الاعتداء، لم تكن العلاقة بين واشنطن وكراكاس تسير نحو الانفجار عرضًا، بل كانت تُدفَع إليه دفعًا عبر مسار تصعيدي محسوب. فقد كثّفت الإدارة الأمريكية اتهاماتها العلنية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مصوّرة إياه بوصفه رأس شبكة إجرامية عابرة للحدود تشمل تهريب المخدرات، وتسهيل الهجرة غير الشرعية، وتهديد الأمن القومي الأمريكي. هذه الاتهامات، التي لم تُدعّم بآليات قضائية دولية مستقلة، شكّلت الإطار الدعائي الذي جرى من خلاله تهيئة الرأي العام الأمريكي والغربي لتقبّل فكرة التدخل العسكري، بوصفه فعلًا وقائيًا لا عدوانيًا.

بالتوازي مع ذلك، صعّدت الولايات المتحدة من وجودها العسكري في البحر الكاريبي، ووسّعت نطاق عملياتها قبالة السواحل الفنزويلية، عبر اعتراض سفن نفطية، ومصادرة طائرات، وتنفيذ ضربات محدودة قيل إنها تستهدف بنى لوجستية غير شرعية. غير أن الروايات الرسمية الأمريكية ظلت متناقضة بشأن الطبيعة القانونية لهذه العمليات، ما كشف أن الهدف لم يكن فرض القانون، بل خلق وقائع ميدانية تُراكم الضغط وتختبر حدود الرد الفنزويلي وحلفائه.

 

شكّلت الثروة النفطية الفنزويلية عنصرًا مركزيًا في هذا الصراع. فامتلاك فنزويلا لأكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم جعلها هدفًا دائمًا لشهية الشركات الأمريكية، خصوصًا في ظل تقلبات سوق الطاقة العالمية

بلغ هذا المسار ذروته مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ ضربة عسكرية واسعة النطاق داخل فنزويلا، متبوعة باعتقال مادورو وزوجته ونقلهما جوا إلى خارج البلاد، في سابقة خطيرة أعادت إلى الأذهان نماذج التدخل الأمريكي في بنما وغرينادا. الأخطر من ذلك كان تصريح ترامب بأن واشنطن "ستتولى إدارة شؤون البلاد إلى حين انتقال آمن وعادل للسلطة"، وهو تعبير لا يخفي نزعة وصاية استعمارية محدثة، تُسقط أي ادعاء باحترام السيادة.

عوامل متداخلة

وفي تفكيك الخلفيات الحقيقية لهذا التصعيد، بعيدًا عن السرديات الإعلامية السطحية، يمكن رصد جملة من العوامل المتداخلة:

أولًا: السياسات الأمريكية العدائية تجاه فنزويلا ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى ما قبل مادورو، منذ صعود هوغو تشافيز ومشروعه الذي كسر احتكار واشنطن للقرار السياسي والاقتصادي في كاراكاس. فمنذ ذلك الحين، جرى التعامل مع فنزويلا بوصفها حالة تمرّد ينبغي احتواؤها أو كسرها، لا دولة ذات سيادة لها خياراتها.

ثانيًا: شكّلت الثروة النفطية الفنزويلية عنصرًا مركزيًا في هذا الصراع. فامتلاك فنزويلا لأكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم جعلها هدفًا دائمًا لشهية الشركات الأمريكية، خصوصًا في ظل تقلبات سوق الطاقة العالمية وسعي واشنطن إلى تأمين مصادر طاقة خارج نطاق خصومها.

ثالثًا: اعتمدت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية سياسة الخنق الاقتصادي بوصفها تمهيدًا للتدخل العسكري، عبر فرض عقوبات قاسية شلّت الاقتصاد الفنزويلي، ثم توظيف نتائج هذه العقوبات ـ من أزمات معيشية وهجرة ـ كدليل اتهام ضد الحكومة نفسها، في منطق دائري يعفي واشنطن من مسؤولية الخراب الذي ساهمت في صناعته.

رابعًا: وفّرت مسألة الشرعية مدخلًا سياسيًا جاهزًا للتصعيد، بعدما اعتبرت واشنطن الانتخابات الفنزويلية غير نزيهة، واعترفت بشكل انتقائي بزعماء معارضين بوصفهم رؤساء مؤقتين. هذا السلوك لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل كان تأسيسًا قانونيًا داخليًا داخل الولايات المتحدة يتيح التعامل مع الدولة الفنزويلية ككيان فاقد للأهلية السيادية.

خامسًا: لا يمكن فصل التصعيد عن الصراع الدولي الأوسع، إذ ترى واشنطن في فنزويلا حلقة متقدمة لنفوذ صيني وروسي متنامٍ في أمريكا اللاتينية. ومن هنا، جاء التدخل العسكري بوصفه رسالة مزدوجة: إلى كاراكاس بأن التمرد مكلف، وإلى بكين وموسكو بأن المجال الحيوي الأمريكي ما زال يُدار بمنطق العصا لا التوازن.

سادسًا: في الشأن الداخلي؛ خدم التصعيد أجندة ترامب السياسية، الذي لطالما قدّم نفسه بوصفه رئيسًا لا يتردد في استخدام القوة، ويخاطب قاعدته الانتخابية بلغة الهيمنة واستعادة المجد الأمريكي، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار دول أخرى أو تفجير أزمات إقليمية جديدة.

النفط.. المحفّز الحقيقي

حين يُجرَّد الاعتداء الأمريكي على فنزويلا من خطاب الأمن ومكافحة المخدرات، يبرز النفط بوصفه العنصر الأكثر ثباتًا في الحسابات الأمريكية، ليس باعتباره سلعة اقتصادية فحسب، بل كرافعة تاريخية للنفوذ والتدخل. فالسياسة الأمريكية، منذ منتصف القرن العشرين، تعاملت مع الطاقة على أنها جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وعلى أن التحكم بمصادرها لا يقل أهمية عن التفوق العسكري ذاته.

التاريخ القريب يقدّم نماذج صريحة على هذا الارتباط. فمن إيران عام 1953، حين أُطيح بمحمد مصدّق بعد تأميم النفط، إلى العراق عام 2003، حيث رُفعت شعارات أسلحة الدمار الشامل لتغطية عملية أعادت رسم خريطة الطاقة في المنطقة، ظلّ النفط حاضرًا كمحرّك صامت للتدخلات الكبرى. وفي أمريكا اللاتينية تحديدًا، لم تكن فنزويلا استثناءً عن هذا النمط، بل حالة مؤجلة اصطدمت طويلًا بمقاومة سياسية حالت دون إخضاعها الكامل. ويمكن تفكيك البعد النفطي في الحالة الفنزويلية ضمن المستويات التالية:

* شكّل قرار تأميم قطاع النفط في عهد هوغو تشافيز نقطة التحول الأخطر في علاقة واشنطن بكراكاس. فمنذ تلك اللحظة، خرجت فنزويلا من دائرة الشريك المزعج إلى خانة التهديد الاستراتيجي، ليس لأنها دولة معادية عسكريًا، بل لأنها نزعت عن الشركات الأمريكية امتيازات تاريخية، وأعادت تعريف النفط بوصفه أداة سيادة لا سوقًا مفتوحة.

* لم يكن انهيار قطاع النفط الفنزويلي في العقد الأخير حدثًا طبيعيًا، بل جرى في سياق حصار مُحكم استهدف تحديدًا قدرة الدولة على تحديث بنيتها التحتية النفطية. ومع تراكم الأعطال وتراجع الإنتاج، تحوّل هذا الانهيار إلى حجة سياسية تُستخدم لإثبات فشل النموذج، بدل الاعتراف بالدور الأمريكي في تجفيف مصادر الصيانة والاستثمار.

 

واشنطن، في هذه المرحلة، لم تعد حريصة على تغليف سلوكها بخطاب متعدد الأطراف أو احترام شكلي للقانون الدولي. ففكرة المجال الحيوي عادت إلى الواجهة بلا اعتذار، والسيادة أصبحت مفهومًا انتقائيًا

* خطاب ترامب حول إعادة تشغيل الصناعة النفطية الفنزويلية يعيد إلى الواجهة منطقًا أمريكيًا قديمًا، يرى في التدخل العسكري مقدّمة لإعادة فتح الأسواق بالقوة. فالتجربة الأمريكية في العراق أظهرت كيف تُستخدم مرحلة ما بعد التدخل لإعادة توزيع عقود الطاقة والبنية التحتية على شركات أمريكية، تحت شعار إعادة الإعمار.

* تتجاوز أهمية النفط الفنزويلي حجمه الكمي إلى موقعه الجغرافي والسياسي. فوجود احتياطي ضخم في خاصرة أمريكا الجنوبية، خارج السيطرة الأمريكية المباشرة، يشكّل خللًا استراتيجيًا في تصور واشنطن لنفوذها في نصف الكرة الغربي، خصوصًا في ظل تنامي الشراكات الفنزويلية مع الصين وروسيا في مجال الطاقة.

* يكتسب النفط أيضا بعدًا رمزيًا في خطاب ترامب السياسي، حيث يُقدَّم كجزء من استعادة الحقوق الأمريكية المهدورة، في سردية تُجرّد الدول الأخرى من حقها في إدارة مواردها إذا لم تتوافق مع المصالح الأمريكية. هذا الخطاب لا يعبّر عن نزعة اقتصادية، بل عن تصور إمبراطوري يعيد إنتاج مفاهيم السيطرة بلغة معاصرة.

الهيمنة ومبدأ مونرو

منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823 عما عُرف لاحقًا بـ "مبدأ مونرو"، لم تكن أمريكا اللاتينية تُعامل في الوعي الاستراتيجي الأمريكي كفضاء مستقل، بل كمنطقة خاضعة لوصاية غير معلنة، يُمنع الآخرون من الاقتراب منها، ويُسمح لواشنطن وحدها بتحديد مساراتها السياسية والاقتصادية. المبدأ الذي رُوِّج له آنذاك باعتباره آلية لحماية دول القارة من الاستعمار الأوروبي، تحوّل سريعًا إلى غطاء أيديولوجي لاحتكار النفوذ، ثم إلى أداة شرعنة للتدخل المباشر حين تقتضي المصالح ذلك. وعلى امتداد القرن العشرين، لم يكن النفط بعيدًا عن هذا المنطق. من غواتيمالا إلى تشيلي، ومن كوبا إلى بنما، تدخلت الولايات المتحدة مرارًا لإسقاط حكومات أو إعادة تشكيل أنظمة حين بدا أن موارد أو خيارات هذه الدول قد تخرج عن السيطرة الأمريكية.

فنزويلا، بوصفها أحد أكبر خزانات الطاقة في العالم، لم تكن استثناءً عن هذه القاعدة، بل ظلت لعقود نموذجًا للدولة التي يُسمح لها بالإنتاج والتصدير ما دامت لا تُخلّ بتوازنات النفوذ. غير أن التحول الجوهري بدأ مع صعود قيادات فنزويلية أعادت تعريف العلاقة مع النفط باعتباره أداة سيادة لا سلعة خاضعة للأسواق وحدها. هنا لم يعد الخلاف اقتصاديًا صرفًا، بل سياسيًارمزيًا: من يمتلك قرار الموارد؟ ومن يحدد وجهتها؟ هذا السؤال بالذات هو ما وضع فنزويلا في مسار تصادمي طويل مع واشنطن، سبق بكثير لحظة التدخل العسكري، وجرى التعامل معه عبر العقوبات، والحصار المالي، ومحاولات العزل الدبلوماسي، قبل أن يصل إلى كسره بالقوة.

في هذا السياق، لا يبدو التدخل الأمريكي الأخير انحرافًا عن القاعدة، بل عودة صريحة إلى جوهرها. الفارق أن واشنطن، في هذه المرحلة، لم تعد حريصة على تغليف سلوكها بخطاب متعدد الأطراف أو احترام شكلي للقانون الدولي. ففكرة المجال الحيوي عادت إلى الواجهة بلا اعتذار، والسيادة أصبحت مفهومًا انتقائيًا يُحترم حين لا يتعارض مع المصالح الأمريكية، ويُعلّق حين يصبح عائقًا.

وتتجاوز هذه الرؤية حدود فنزويلا ذاتها. فالخشية الأمريكية لم تعد مقتصرة على نظام سياسي بعينه، بل على تحوّل أمريكا اللاتينية إلى مساحة مفتوحة أمام قوى دولية منافسة، سواء عبر الاستثمار أو الشراكات الاستراتيجية أو الحضور العسكري غير المباشر. من هنا، تتحول فنزويلا إلى ساحة اختبار لإعادة فرض الخطوط الحمراء القديمة، ولكن بأدوات أكثر عنفًا وأقل دبلوماسية.

تداعيات وتبعات

الأثر الحقيقي لما جرى في فنزويلا لا يمكن اختزاله في عملية عسكرية ناجحة أو فاشلة، بل بمدى قدرة القوة الأمريكية على فرض أمر واقع لحظي. فالتدخل الخارجي، مهما بدا حاسمًا في لحظته الأولى، يفتح دائمًا مساحات معقّدة من الارتدادات غير المحسوبة، خصوصًا في دول تمتلك بنى اجتماعية مسيّسة وتجربة طويلة مع مقاومة التدخل الأجنبي.

أحد المسارات المحتملة يتمثل في محاولة واشنطن هندسة انتقال سياسي تحت إشراف مباشر عبر سلطة مؤقتة وانتخابات تُدار وفق معايير تضمن صعود قوى منسجمة مع الرؤية الأمريكية. غير أن هذا السيناريو، وإن بدا منضبطًا على الورق، يصطدم بتجارب سابقة أظهرت أن الشرعية لا تُصنَع بالترتيبات الإدارية وحدها، وأن أي نظام يُنظر إليه بوصفه نتاج تدخل خارجي يظل هشًّا، ومعرّضًا للاهتزاز المستمر، بل وقد يتحول إلى عبء أمني وسياسي طويل الأمد على الجهة التي دعمته.

في المقابل، يظل احتمال انفجار مقاومة داخلية واسعة قائمًا، سواء عبر مؤسسات رسمية لم تُفكّك بالكامل، أو من خلال حركات شعبية ترى فيما حدث انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية. هذا النوع من المواجهة لا يأخذ دائمًا شكل حرب تقليدية، بل قد يتجسد في استنزاف سياسي وأمني طويل، يُفقد التدخل معناه الاستراتيجي، ويحوّل السيطرة العسكرية إلى عبء مكلف بلا أفق واضح. التاريخ الحديث، من العراق إلى أفغانستان، يقدّم شواهد واضحة على هذا المسار حين تُستخفّ تعقيدات المجتمعات المحلية.

أما على المستوى الدولي، فإن الاعتداء يضع النظام العالمي أمام اختبار جديد لمدى ما تبقى من فعاليته. فضعف ردود الفعل المؤسسية، إن استمر، لن يُقرأ بوصفه عجزًا إجرائيًا فحسب، بل كإقرار ضمني بأن ميزان القوة بات أعلى شأنًا من القانون. في المقابل، قد يدفع هذا السلوك قوى دولية وإقليمية إلى البحث عن صيغ توازن موازية، سواء عبر تحالفات جديدة أو عبر تعزيز أدوات الردع، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر توترًا وأقل قابلية للضبط. وهو ما سيعيد تعريف قواعد اللعبة الدولية على نحو أكثر فوضوية. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كانت واشنطن قادرة على فرض إرادتها، بل ما إذا كانت مستعدة لتحمّل كلفة عالمٍ تُسقط فيه بنفسها آخر ما تبقى من أوهام النظام الدولي.

أعلى