عقبة بن الحجاج أمير الأندلس ومشروعه لفتح فرنسا

كان عقبة مجاهدا عظيما، من طراز ولاة الأندلس الكبار صانعي الانتصارات المجيدة، أمثال السمح بن مالك الخولاني وعنبسة بن سحيم الكلبي وعبد الرحمن الغافقي، تقوى لله، وحبا للجهاد، وإخلاصا في خدمة الإسلام والمسلمين، وحسن سيرة وعدلا، وكان ذا نجدة وبأس، ورغبة في الن


بعد هزيمة المسلمين في معركة بلاط الشهداء سنة 114هـ، وتهديد الفرنجة للوجود الإسلامي في جنوب فرنسا، واضطراب الأمور في الأندلس، نتيحة لهذا الحدث الكبير المزلزل، بادر عبيدالله بن الحبحاب أمير أفريقية التي كانت الأندلس تابعة له، بتعيين عقبة بن الحجاج السلولي نائبا له على الأندلس، فدخلها في شوال سنة 116هـ.

شخصية عقبة وسياسته الداخلية

وكان عقبة مجاهدا عظيما، من طراز ولاة الأندلس الكبار صانعي الانتصارات المجيدة، أمثال السمح بن مالك الخولاني وعنبسة بن سحيم الكلبي وعبد الرحمن الغافقي، تقوى لله، وحبا للجهاد، وإخلاصا في خدمة الإسلام والمسلمين، وحسن سيرة وعدلا، وكان ذا نجدة وبأس، ورغبة في النكاية بالمشركين والشدة عليهم. وقد اختار الأندلس بالذات، لأنه يحب الجهاد، ولأنها ثغر جهاد ورباط. وقد صرف عقبه همه في السنوات الأولى من ولايته، إلى إشاعة العدل بين الناس في الأندلس، ورد المظالم، وإقامة النظام، وتحقيق الأمن والاستقرار في ربوعها، وفي الوقت نفسه عمل على تنظيم الجيش وزياد أهبته وقوتـه، وكان قد عزم على استئناف الجهاد فيما وراء البرت، وتجديد عهد الانتصارات والفتوح المجيدة. وفي ربيع سنة 119هـ / 737، عندما فرضت قوات الفرنحة بقيادة شارل مارتل حصارا خانقا على قوات المسلمين في نربونة، القاعدة الإسلامية الحصينة وراء جبال البرت، بادر عقبة بإرسال حملة عسكرية إليها عن طريق البحر، فوصلت إليها قبل أن ينال الفرنج منها مبتغاهم، واصطدمت بجيشهم في معركة ضارية، اعتبرت المعركة الأكبر بين المسلمين والفرنجة، بعد معركة بلاط الشهداء. واستطاعت الحملة، برغم الظروف الصعبة التي مرت بها، والكمائن التي تعرضت لها من قبل قوات الفرنح، أن تقتحم صفوف العدو وأن تدخل المدينة وتلوذ بحصانتها، ونجحت، بالتالي، في تعزيز صمود الحامية الإسلامية فيها، ذلك الصمود الأسطوري الذي انتهى بفك الحصار الفرنجي المضروب حول نربونة، وبإفشال مخططات شارل في الاستيلاء عليها، بل وفي تكبيد جيشه خسائر فادحة، وإجباره على الإنسحاب نحو الشمال يجر أذيال الخيبة. وفي غضون ذلك كان عقبة قد انتهى من إصلاح الوضع الداخلي في الأندلس، فقرر الخروج بنفسه للغزو وقيادة الجيش لفتح فرنسا.

سياسته الخارجية وفتوحه في فرنسا

وابتدأ عقبه جهاده بتطهير مناطق جبال البرت، من الثائرين الجبليين (البشكنش)، ومن بقايا فلول القوط، التي اعتصمت بمرتفعات تلك الجبال الوعرة والمجدبة، وافتتح عقبة جليقية وألبة وبنبلونة، ولم يتبق في جليقية قرية لم تفتح على يديه، غير الصخرة، التي لاذ بها بلاي. وفي ربيع سنة 120هـ/ 738م، عبر عقبة على رأس جيشه جبال البرت، واستقر في نربونة لبعض الوقت، حيث عمل على تقوية استحكاماتها، وترميم وإصلاح ما خرّب من أسوارها وحصونها أثناء حصار الفرنجة الأخير لها، وأسكن بها جماعة من المسلمين. وكان عقبة قد عزم على إعادة عهد الجهاد والفتوحات العظيمة. ولذلك، ما أن نجح في ترتيب أمر المسلمين في نربونة حتى شرع في استرداد ما انتزعه شارل من القواعد، فتحرك على رأس جيشه نحو الشرق، واستعاد مدينة آرل نظرا لأهمية موقعها عند مصب نهر الرون، وذلك لضمان حرية التحرك شمالا، وبعد ذلك تحرك شمالا، فاستولى على أفينيون وعدة معاقل أخرى في مقاطات بروفانس وبرغندية والدوفينيه، وتوج فتوحاته في هذه الجهة بافتتاح مدينة ليون الواقعة في النصف الشمالي الغربي من فرنسا. وأهتم عقبة أثناء فتوحاته هذه، اهتماما كبيرا بدعوة الناس إلى الإسلام، وكان إذا أسر الأسير، لم يقتله حتى يعرض عليه الإسلام حينا، ويرغبه فيه، ويبصره بفضله، ويبيّن له عيوب دينه الذي هو عليه، فأسلم على يديه المئات من أهالي جليقية وجنوب فرنسا. كما عمل عقبة على إقامة الرباطات في جنوب شرقي فرنسا، وشحنها بالمجاهدين، لأجل تثبيت فتوحات المسلمين هناك، وحمايتها من الضياع. وشن عقبة حربا لاهوادة فيها ضد الفرنجة، ووصلت طلائع جيشه حتى شمالي إيطاليا، وبدا أن مشروعه لفتح فرنسا قيد التحقيق عن قريب. ولكن الله لم يقدّر ذلك.

فتنة خوارج البربر ومصير فتوحات عقبة

فبينما كان عقبة يجتهد في تثبيت وجود المسلمين في فرنسا، اندلعت ثورة خوارج البربر العاتية في المغرب سنة 121هـ، فكانت الباب الذي دخلت منه أكثر المصائب على المسلمين في المغرب والأندلس وجنوب فرنسا، وكانت كارثة كبرى بالنسبة للدولة الأموية دولة الفتوحات. فقد اضطر عقبة أن يترك كل شيء على ما هو عليه في فرنسا، وأن يعود إلى قرطبة، تنفيذا لأمر عبيد الله بن الحبحاب، أمير أفريقية، ثم جاز المضيق إلى أفريقية لمحاربة خوارج البربر، الذين استولوا على طنجة في شمال المغرب، مستغلين وجود جيش المغرب للغزو في صقلية، والأخطر من ذلك، أنه أثناء إنشغال عقبة بالتصدي للخوارج في المغرب، تحرّك شارل في ربيع سنة 739م (122هـ)، على رأس جيش ضخم، لغزو بروفانس للقضاء على الدوق مورونت الذي كان حليفا للمسلمين، واستنفر أيضا طاقات صهره وحليفه لوتبراند ملك اللومبارديين في شمال أيطاليا، فتحرك لوتبراند، لغزو بروفانس من جهة الشرق، بعد أن كان جيش شارل، قد فرض الحصار عليها من الشمال، وتم تضيق الخناق على قوات الدوق مورونت. هذا الأخير الذي وجد نفسه بين فكّي كماشة، ومزقت القوات المتحالفه قواته، وطارده الفرنجة في شعاب الجبال، واستولوا على أراضيه، وعلى رأسها مرسيليا، قاعدة دوقيته. وهكذا قضى شارل، على آمال هذا الدوق في الاستقلال ببروفانس عن دولة الفرنجة. وبعد ذلك، قام شارل بإعادة تنظيم شئون هذه المقاطعة، وترك بها حامية من قواته، ثم زحف على نربونة، وقام بحصارها للمرة الثانية برا وبحرا. بيد أن الحامية الإسلامية المتحصنة في المدينة، دافعت عن نفسها بشراسة، وصمدت أمام هجمات شارل العنيفة، ولم يدرك الفرنج منها على طول الحصار منالا، وأحبطت كل محاولاتهم، التي استهدفت ما لديها من تحصينات.

النهاية الأليمة للوجود الإسلامي في فرنسا

ولما عجز شارل عن اقتحام نربونة، أرتدّ إلى مهاجمة المعاقل الإسلامية الأخرى، في سبتمانيا، فاستولى على بزييه وأجدة وماجلونة، وانزل بأهلها القوط البلايا، نظرا لوقوفهم إلى جانب المسلمين، ولموقفهم غير الودي من الفرنجة، فأخرب قلاع تلك المدن، وأحرق نيمة، وآثارها الفخمة، وكذلك فعل بمجلونة، حتى لا يعود المسلمون إليها، فغدت جميعا أطلالا دارسة، بعد أن كانت أيام المسلمين زاهرة باسمة، وحول السهل الواقع غرب سبتمانيا وشمالها، إلى بلقع تصفر فيه الريح، ليحول دون تقدّم المسلمين شمالا. وبعد ذلك عاد شارل إلى قاعدته في الشمال، وبصحبته عدد من الأسرى المسلمين وكبار القوط، واحتفظ بهؤلاء الأخيرين كرهائن، حتى يرغم أهل سبتمانيا على خذلان المسلمين. ولم يبق للمسلمين سوى نربونة، ورقعة ضيقة على الشاطئ بينها وبين جبال البرتات. ومات شارل بعد عودته من هذه الحملة بقليل، وذلك في أكتوبر 741/ 123هـ، ونربونة ثغرة في دولته المترامية الأطراف. وأما عقبة، فقد اختلفت الرويات بشأن نهايته، فقيل أنه مرض فمات، وقيل أن ابن قطن قتله وحل محله واليا على الأندلس، وقيل أنه استشهد في معركة عند مدينة قرقشونة، في صفر سنة 123هـ. وكان عقبة خاتمة ولاة الأندلس، الذين قاموا بالجهاد وراء جبال البرت، ودخلت الأندلس بعده في دوامة من الفتن الأقليمية والقبلية، ولم ينقذها منها سوى دخول الفتى الأموي الطريد عبد الرحمن بن معاوية سنة 138هـ، لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا لنربونة، وانقطع المدد عنها نهائيا من الأندلس، وانعزلت تماما عما حولها. وبقيت هذه القاعدة الإسلامية الصغيرة لوحدها تناطح أمبراطورية الفرنح الصاعدة، حتى سقطت بأيديهم سنة 142هـ، بعد سنوات من الدفاع المستميت، وبسقوطها ينتهى الوجود الإسلامي في فرنسا، بل ويبدأ العد التنازلي للوجود الإسلامي في الأندلس ذاتها.

***

 

 

أعلى