هل هناك حرب على النيل وشيكة؟

بعد 24 ساعة من تهديدات السيسي تراوح رد الفعل الأثيوبي بين التهدئة والإصرار على المضي قدما في المرحلة الثانية من ملء السد


"محدش هيقدر ياخد نقطة مياه من مصر وإلا هيبقى في حالة من عدم استقرار في المنطقة لا يتخيلها أحد"

هكذا هدد عبد الفتاح السيسي بالعامية المصرية أثيوبيا بنبرة غير مسبوقة، في كلمة له أمام الكاميرات ووسائل الاعلام العالمية، والتي أتت في أعقاب نجاح تعويم السفينة التي كانت تسد قناة السويس وتحول دون مرور السفن فيها.

وأردف السيسي قائلا بنفس اللهجة العامية: "المعركة بتاعتنا معركة تفاوض، وكل يوم الرأي العام العالمي، وكبار المسؤولين يروا أننا نكسب أرض، إننا جادين في التفاوض بشكل يحقق الكسب للجميع، وكل اللي بنطلبه أمر لا يخرج عن القوانين والمعايير الدولية المعمول بها في التعامل مع هذه الإجراءات والمياه، ونتمنى أن نصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد".

وقال السيسي: "بقول للناس كلها محدش هيقدر ياخد نقطة مياه من مصر، واللي عاوز يجرب يجرب، إحنا مش بنهدد حد، وعمرنا ما هددنا ودايما حوارنا رشيد جدا، وصبور جدا، لكن "محدش يتصور إنه يقدر يبقى بعيد عن قدرتنا، عمري ما اتكلمت كده علشان ميتفهمش أننا بنهدد حد، لكن مياه مصر لا مساس بها، والمساس بها خط أحمر، وهيبقى رد فعلنا في حالة ذلك قد يؤثر على استقرار المنطقة بالكامل".

بعد 24 ساعة من تهديدات السيسي تراوح رد الفعل الأثيوبي بين التهدئة والإصرار على المضي قدما في المرحلة الثانية من ملء السد، ففي مجال التهدئة خرج السفير الإثيوبي في القاهرة

ماركوس تيكيلي في مؤتمر صحافي، ليؤكد أن بلاده متمسكة باستئناف التفاوض مع مصر والسودان بشأن ملف السد، وأشار السفير الإثيوبي إلى أنه سيتم استئناف التفاوض برعاية الاتحاد الأفريقي قريباً، مؤكداً أن بلاده ملتزمة بالتفاوض وفق الحلول السلمية، وأضاف أنه لم يتم التواصل مع إثيوبيا رسميا بعد بشأن لجنة الوساطة الرباعية التي توافقت عليها مصر والسودان، وسمعنا عن اللجنة من الإعلام.

أما اظهار عدم الخوف من هذه التهديدات، فعندما أعلنت أثيوبيا عن بدء ازالة الغابات استعداد للملء الثاني، كما أبلغت المبعوث الأمريكي إلى السودان أنها ستمضي قدما في المرحلة الثانية من ملء خزانات السد.

ويبقى السؤال المثير للدهشة لماذا غير السيسي لهجته تهديد بلجوء مصر إلى الحلول العسكرية، بعد أن كانت لهجته المتصالحة السابقة والتي كانت تعتمد على التهدئة والنفي الدائم حتى في أسوأ مراحل التفاوض قبل ذلك؟

بل إن مصادر صحفية تتحدث عن احتمالية ان يكون تعطيل قناة السويس عمل متعمد من النظام المصري، خاصة  بعد ما صرحت به الشركة المالكة للسفينة في بداية الازمة، أنه كان هناك اثنان من مرشدي القناة المصريين على متنه قبل أن انحرافه، والسرعة التي تم بها حل المشكلة مع ان المتخصصين قالوا إن الازمة تحتاج لحلها أسابيع، وطبيعة الرد الأمريكي على الاغلاق والتي تحمل تهديدا مبطنا بالتدخل، وربما يعتقد النظام المصري أنه بإزعاج القوى الكبرى من احتمالية الحرب وآثارها على مصالحها في المنطقة، لارغامها على التدخل لتحريك المياه الراكدة.

وفي منتصف الشهر الماضي تحدثت مصادر صحفية عن صدور تعليمات من الاستخبارات العامة المصرية إلى وسائل الإعلام بتصعيد الحديث عن ضرورة الحسم بالقوة، طالما استمرت أديس أبابا على موقفها.

بلا شك أن هناك عدة أسباب ربما تكون قد دفعت مصر إلى اللجوء إلى سياسة التهديد بالعمل العسكري:

السبب الأول: هو شعور مصر بالإحباط من سياسات بعض الدول العربية، والتي قد سعت في السابق للقيام بدور الوساطة بين مصر وأثيوبيا، والتي أظهرت الموقف المصري بالضعف وعدم الحزم والحسم مع من يهدد شريان الحياة المصري، وهذا الموقف المصري الذي تمسك بالمفاوضات في السابق جعل أثيوبيا تتقدم استراتيجيا على مصر، وبات لا أحد يتكلم عن وجود السد أصلا أو عدمه، وهذا ما كانت مصر ترفضه منذ القدم بل تحول الصراع الى كيفية ملء السد وزمن هذا الملء وكميته، وهذا نجاح استراتيجي لأثيوبيا حين نقلت الصراع الى تلك النقطة المتقدمة، ولن نندهش أن تقبل أثيوبيا في النهاية الشروط المصرية في طريقة ملء السد في النهاية، ليصبح النيل لأول مرة في التاريخ تحت السيطرة الأثيوبية، إن شاءت فتحت المياه وإن شاءت منعته.

ومما جعل الطرف المصري يشعر بالحنق على ذلك الطرف العربي هو اقدام هذا الطرف على التعاون مع إسرائيل، والتلويح بعمل مشروع معها لنقل النفط من الخليج إلى البحر المتوسط عبر أنبوب، مما قد يؤثر سلبا على قناة السويس.

السبب الثاني: الفتور الأميركي الواضح والتلكؤ الأوروبي واللامبالاة من جانب الدول الداعمة لأثيوبيا والتي ترتبط معها بمشاريع اقتصادية كالصين أو عسكرية كروسيا، والتي تجاهلت الدعوة المصرية بالدخول على خط الوساطات وارغام الجانب الأثيوبي على تليين مواقفه والاستجابة لبعض الشروط المصرية، ولذلك فإن تهديدات السيسي بالحرب يمكن أن تدفع الأطراف الدولية للتدخل لوقف التصعيد وإيجاد الحلول التي لا تمنع تدفق النيل أو تحد من نصيب مصر من مياهه.

وللتأكيد على هذا التحليل ذكرت بعض المصادر الصحفية، أن اتصالات سرية غير معلنة جرت بين مصر وروسيا والصين بعد تصريحات السيسي بساعات معدودة لاستكشاف مستجدات الموقف، علماً بأن الدولتين كانتا تؤيدان الموقف الإثيوبي وضد استصدار قرار من مجلس الأمن ضد أثيوبيا، كما سبق أن تعهدت الصين بمنح مصر قروضاً ومساعدات كبيرة لتحسين قدراتها المائية قبل كورونا، كمحاولة لتخفيف الأضرار المتوقعة من إنشاء السد.

السبب الثالث: فقد رأت مصر ضرورة استغلال توتر العلاقات السودانية الأثيوبية واستغلال هذه الحالة للتصعيد مع أثيوبيا.

فمنذ عدة سنوات كانت المواقف السودانية سلبية تجاه الأزمة بالنسبة لمصر، وهناك فريق في حكومة حمدوك يرى أن السودان يمكن أن يستفيد من سد النهضة، كما أنه يريد مقايضة الحكومة المصرية في ملف الأراضي المتنازع عليها في مثلث حلايب وشلاتين، حيث تماطل مصر أحيانا في ارجاعهم، وأحيانا أخرى تتمسك بأنهما جزء من الأراضي المصرية.

لذلك كان دور السودان طيلة السنوات الماضية يتمحور حول الوساطة بين مصر وأثيوبيا، ولكن حدث تطوران مهمان منذ عام تقريبا قلبا الموقف السوداني في اتجاه مساندة المطالب المصرية:

أولها: الفيضان الذي حدث للنيل الأزرق بعد الملء الأول للسد، والذي نتج عنه غرق عدة قرى سودانية وتسبب في خسائر فادحة للسودان نبهته إلى خطورة السد عليه.

وثانيها: هو اندلاع النزاع الحدودي بين أثيوبيا والسودان، والتي على إثرها تدخل السودان عسكريا ليفرض سيادته على أرضه، الأمر الذي أثار حفيظة النظام الأثيوبي وطالب بانسحاب القوات السودانية والجلاء عن الأراضي التي يدعي سيادته عليها.

هذان العاملان دفعا السودان إلى إعادة التموضع، ليصطف مع الجانب المصري ومطالباته باتفاقية ملزمة قبل الملء الثاني للسد.

والآن تحاول أثيوبيا المناورة لإبعاد السودان مرة أخرى عن مصر عبر طرح اتفاق ثلاثي، لا يخاطب إلا مخاوف السودانيين، لأنه يراعي الجانب الفني الخاص بالسدود السودانية، ولا ينظر إلى مشكلة تراجع حصة المياه النهائية الواصلة إلى السد العالي، فضلا عن اعطاءها السودان منفردة البيانات الخاصة بتأمين سد النهضة وخريطة التصرفات، لكنها في المقابل لم تعط مصر أي بيانات تتعلق بفترة الملء أو كيفية التشغيل، وحدث هذا التطور بعد وقت قليل من زيارة السيسي للخرطوم في 6 مارس الماضي، والتي شهدت إعلانه التوافق مع قيادات المجلس السيادي الانتقالي ومنهم حمدوك، على ضرورة التوصل إلى اتفاق عادل وشامل قبل الملء الثاني للسد، ورفض أي خطوات فردية تصعيدية واللجوء إلى آلية الرباعية الدولية المقترحة.

وبالرغم من أن التهديد المصري أعقبه مناورات مشتركة للجيشين المصري والسوداني بالقرب من الحدود الأثيوبية ليعطي انطباعا بجدية التهديدات المصرية، إلا أن هناك شبه استبعاد لحدوث عمل عسكري وشيك، لأن أثيوبيا وقد تمكنت من انتزاع الموافقة المصرية على مبدأ وجود السد أصلا، فإن الباقي تفاصيل شكلية قد توافق أثيوبيا عليها في النهاية، خاصة أن هذه التفاصيل لن تقترب من قضية وجود السد الذي أصبح حقيقة واقعة.

 

أعلى