|
يا مَن تَقيسُ قياسَ أَعْمى لا يَرَى
شَتَّانَ ما بَيْنَ الكَوَاسِرِ وَالدَّبَا
فَانْظرْ إِلى تِلْكَ النَّقَائِضِ فَيْصَلًا
فهناكَ بَعْدَ الحَدْسِ تَتَّضِحُ الرُّؤَى
بَيْنَ الأَذِلَّةِ والأُبَاةِ مَدَارِجٌ
شَرَفٌ تَجُودُ له الدِّمَاءُ وَأَنْفُسٌ
ضِدَّانِ مَا الْتَقَيَا وَلن يَتَآلَفَا
قُطْبَانِ هذا سَالِبٌ مُتَذَبْذِبٌ
رَغْمَ الأَسَى وَمَرَارَةِ الحِرْمَانِ والتَّهْجِيرِ
نَذَرَ الدِّمَاءَ لِنَيْلِ أَوْطَارِ العُلَا
نِعْمَ النَّوَاصِي حُرَّةً طَمَّاحَةً
شَتَّانَ بَيْنَ مُجَاهِدٍ وَمُرَوَّضٍ
وهُنَاكَ مِنْ نَتْنِ الحُثَالَةِ قد نَمَا
في مَنْبَتِ السُّوْءِ انْتَشَى مُتَلَذِّذًا
يَخْتَالُ في الدِّمَنِ الوَخِيمَةِ رَاتِعًا
يَزْهُو عَلَى دِمَنِ الفَسَادِ مُكَابِرًا
فَإِذَا رَأَى غُنْمًا يُسَارِعُ لَاهِثًا
لا الدِّينُ يَرْدَعُهُ ولا أَخْلَاقُهُ
ذاكَ الَّذِي رَضَعَ النِّفَاقَ مُطَأْطِئًا
تَطَأُ النِّعَالُ الدَّاعِسَاتُ رِقَابَهُمْ
سِتُّونَ عَامًا يَغْرِفُونَ منَ الخَنَا
باللهِ كيفَ يَرَوْنَ رَابِعَةَ الضُّحَى
لم يَفْهَمُوا أَنَّ الكَرَامَةَ قِيمَةٌ
إِنَّ النُّفُوسَ إِذَا تَرَاكَمَ قَيْحُهَا
فالمَرْءُ يُوْلَدُ مُكْرَمًا حُرًّا
يَا مَنْ خُلِقْتَ مُحَرَّرًا وَمُكَرَّمًا
باللهِ قلْ لي كَيْفَ يَفْهَمُهَا الَّذِي
قد عَاشَ في كَهْفِ الظَّلَامِ مُهَمَّشًا
لا يَسْتَطِيعُ العَبْدُ أَنْ يَرْقَى إِلَى
أَفَكُلَّمَا انْدَارَ المَدَارُ تَقَلَّبُوا
رَاضٍ يَهِيمُ بِلَعْقِ أَحْذِيَةٍ دَنَتْ
ما ذاكَ إِنْسَانًا وَمَا لَهُ مُهْجَةٌ
لا يُرْتُجَى مِمَّنْ تَرَبَّى في الجُحُورِ
سَيَظَلُّ هذا العَارُ فَوْقَ جِبَاهِهِمْ
هِـيَ وَصْمَةُ العُمُرِ الَّتِي لا تَنْمَحِي
الذُّلُّ عارُ الحَاضِرِينَ مُوَرَّثٌ
دَنَسٌ وَأَوْبِئَةٌ وعَارٌ وَاصِبٌ
يَا ذُلَّ مَنْ وَالَى البُغَاةَ ضَلَالَةً
سَيَظَلُّ مَأْخُوذًا بِهِ مَا عُمِّرَا
ما العَبْدُ للحُرِّ الأَبِيِّ بصَاحِبٍ
فَسَلِ العِرَاقَ وَمِصْرَ واسْأَلْ شَامَنَا
وَسَلِ الجَزِيرَةَ واليَمَانِيَّ الَّذِي
وانْظُرْ إِلى لُبْنَانَ كَيْفَ تَشَرْذَمَتْ
فَدَعِ الخَوَالِفَ قَاعِدِينَ أَذِلَّةً
وانْهَضْ كَمَا العَنْقَاءِ نَهْضَةَ مَارِدٍ
وافْتُكْ بِكِسْرَى حَيْثُ هَرَّ وقَيْصَرَا
وارْمِ العَمِيلَ وقَد تَقَيَّأَ قَاذِفًا
فَوْقَ الرِّمَالِ لقد بَنَوْا أَحْلَامَهُمْ
إِلَّا البَقَايَا الدَّارِسَاتِ شَوَاهِدًا
يَا رَبِّ قد بَدَأَ المَسِيرُ إِلَى المُنَى
وَاحْمِ الخَلَائِقَ من فُلُولِ عِصَابَةٍ
سِتُّونَ عَامًا لِلْمَهَالِكِ خَلَّفَتْ
الأَهْلُ والأَوْلَادُ والأَمْلَاكُ قد
كَمْ قد لُدِغْنَا من ثَعَابِينِ الأَذَى
فَخُذُوا من المَاضِي الدُّرُوسَ لَعَلَّنَا
إِنَّا رَبِحْنَا في النِّزَالِ كَرَامَةً
والخَاسِرُونَ الخَائِبُونَ تَجَلْبَبُوا
عَادَتْ أُمَيَّةُ واسْتَعَادَتْ مَجْدَهَا
وأَذَلَّتِ الفُرْسَ الغُزَاةَ وسَطَّرَتْ
|
شَتَّانَ ما بَيْنَ الثُّرَيَّا والثَّرَى
شَتَّانَ ما بَيْنَ الأَسَافِلِ والذُّرَا
بَيْنَ العَبِيدِ وَبَيْنَ أَحْرَارِ الوَرَى
فتَرَى الفَوَارِقَ لَن تُحَاطَ وَتُحْصَرَا
بَوْنٌ كَبِيرٌ لا يُبَاعُ وَيُشْتَرَى
تَئِدُ الهَوَانَ وَتَسْتَمِيتُ لِتُؤْجَرَا
مَهْما تَقَارَبَتِ الأَوَاصِرُ والعُرَى
والمُوجب المِقْدَامُ يَقْتَحِمُ الكَرَى
لا يَرْضَى المَذَلَّةَ مُدْبِرَا
وَمَشَى عَلَى جَمْرِ المَكَارِهِ مِسْعَرَا
تَسْمُو ذَوَائِـبُـهَــا إِلى شُمِّ الذُّرا
يَمْشِي ذَلِيلًا مُسْتَكِينًا مُزْدَرَى
عُشْبٌ عَلى الخَضْرَاءِ شَابَ وَأَثْمَرَا
يُسْقَى بِمَاءِ الآجِنَاتِ مُكَدَّرَا
أَوْضَارَهَا وَيَخَالُ ذلكَ كَوْثَرَا
وَيَتِيهُ فِي حَمَأِ الصَّدِيدِ مُكَشِّرَا
لِيَبِيعَ في سُوقِ النُّخَاسَةِ ما اشْتَرَى
تَأْبَى عَلَيْهِ أَنْ يُهَانَ ويُزْجَرَا
وَجَنَى الجَرَائِمَ سَادِرًا ومُبَرِّرَا
وَتَدُوسُ وَاثِقَةً أَخَادِيدَ الثَّرَى
أَتُرِيدُ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَنْضَرَا
والكُلُّ فِي كَهْفِ الهَوَانِ تَعَفَّرَا
عُلْيَا يَنَالُ سَنَامَهَا مَن قد شَرَى
لا تَسْتَطِيعُ من الأَذَى أَنْ تَطْهُرَا
وَمَفْطُورًا على حُبِّ المَحَامِدِ والقِرَى
كَيْفَ ارْتَضَيْتَ بِأَنْ تَهُونَ وَتُزْجَرَا
ما ذَاقَ طَعْمَ العِزِّ بَعْدُ وَمَا دَرَى
أَعْمَى البَصِيرَةِ والعُيُونِ مُخَدَّرَا
أُكْرُومَةِ الأَحْرَارِ حَتَّى يُبْصِرَا
بِئْسَ المُراوِغُ إِنْ تَلَوَّى وَافْتَرَى
لِيَنَالَ مَوْخُومَ الحُثَالِ وَيَشْكُرَا
حَرَّى وَلا عَقْلٌ يَعِي تِلْكَ الفِرَى
بِأَنْ يُعَانِقَ في الأَعَالِي أَنْسُرَا
وَصْمًا لِكُلِّ مَنِ انْحَنَى وتَخَنْزَرَا
كالعُرِّ يَخْشَاهُ السَّلِيمُ لِيَنْفِرَا
لِلْجِيلِ مَهْمَا حَاوَلُوا أَنْ يُسْتَرَا
يُخْزِي النَّوَاصِيَ رَاغِمَاتٍ حُسَّرَا
وَانْحَازَ للإِجْرَامِ وَحْشًا وَانْبَرَى
مَهْمَا تَوَضَّأَ بِالعُطُورِ وَبُخِّرَا
مَهْمَا تَمَلَّقَ وَاسْتَدَارَ وَزَوَّرَا
لَمَّا ادَّرَعْنَا لِلْمَنَايَا مِئْزَرَا
عَانَى وَذَاقَ الوَيْلَ مِمَّا قَد جَرَى
أَوْصَالُهُ وفَشَا الخِلَافُ وسُعِّرَا
واحْمِلْ كِتَابَكَ باليَمِينِ مُكَبِّرَا
كَسَرَ القُيُودَ وَبَاعَ نَفْسًا وَاشْتَرَى
ما كَرَّتِ الأَيَّامُ واخْتَلَفَ السُّرَى
ما في الفُؤَادِ من الخِيَانَةِ وازْدَرَى
فَهَوَى البِنَاءُ وَمَن بَنَاه فهل تَرَى
تَحْكِي الجَرَائِمَ والرَّدَى والمُنْكَرَا
فاجْعَلْ لَنَا دَرْبَ الصُّعُودِ مُيَسَّرَا
وَاحْبُ الأُبَاةَ عِنَايَةً وتَصَبُّرَا
في كُلِّ بَيْتٍ لِلْجَرَائِمِ مَظْهَرَا
ضَاعَتْ وجُلُّ النَّاسِ صَارَ مُهَجَّرَا
فَهَلِ اعْتَبَرْنَا مَرَّةً مِمَّا عَرَا
نَحْتَاطُ في آتِي الزَّمَانِ تَدَبُّرَا
تَبْقَى عَلَى الهَامَاتِ تَاجًا نَيِّرَا
عَارًا مَدَى التَّارِيخِ لَنْ يَتَبَرَّرَا
وأَعَادَتِ التَّارِيخَ أَطْهَرَ أَزْهَرَا
سِفْرًا بأَنْهَارِ الدِّمَاءِ تَنَوَّرَا
|