• - الموافق2026/10/13م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
العناية بكتاب الموطأ في المغرب

ما سر العناية الواسعة التي حظي بها موطأ الإمام مالك في الأندلس والمغرب، وكيف أسهمت الرحلات العلمية وشروح كبار العلماء في ترسيخ مكانته ضمن حركة الحديث وبناء مدرسة علمية امتد أثرها عبر القرون في الغرب الإسلامي؟


علم الحديث الأندلس

لقد كانت الأندلس دار حديث، دخَلها الحديث النبوي في وقتٍ مُبكّر ابتداءً من القرن الثالث الهجري، وهو القرن الذي برز فيه عدد من العلماء الذي رحلوا من الأندلس إلى المشرق طلبًا للحديث النبوي؛ إذ طلبوا الحديث النبوي من علمائه الكبار الذين اشتغلوا بالحديث النبوي روايةً ودرايةً، وألَّفوا فيه مُصنَّفات عديدة في شق الرواية والدراية.

وكان للرحلة الفضل الكبير والأثر البالغ في نقل علم الحديث النبوي من المشرق إلى الأندلس، وهو ما تيسَّر لكثير من العلماء الذين أخذوا علم الحديث من شيوخه الكبار الذين كانوا في المشرق؛ فالرحلة بين المشرق والمغرب عرفت ازدهارًا كبيرًا بفضل معالم الاستقرار الذي عرفتها الأندلس في القرون الثلاثة الأولى.

ومن هؤلاء العلماء الذين نقلوا الحديث النبوي إلى الأندلس:

1- الإمام محمد بن وضاح القرطبي (ت267هـ)؛ الذي كان عارفًا بأسماء الرجال ومتقنًا في علم الحديث النبوي روايةً ودرايةً؛ إذ اجتمع له علم الرواية مع علم الدراية، وترك الإمام محمد بن وضاح القرطبي عددًا من الكُتُب والمُصنَّفات، معظمها في علم الحديث النبوي، وساهمت هذه المُصنّفات في تشكيل معالم المدرسة الحديثية بالأندلس، وأكثر هذه الكتب المُؤلَّفة في علم الحديث هي الآن في حكم المفقود.

 ومن البحوث والدراسات الجامعية التي أُنْجِزَتْ حول الإمام محمد بن وضاح القرطبي وبيان جهوده في علم الحديث، أُطروحة الدكتور نوري معمر، وهي بعنوان: «محمد بن وضاح القرطبي: مُؤسِّس مدرسة الحديث بالأندلس»، وهي دراسة مطبوعة.

ومن كُتب الإمام محمد بن وضاح القرطبي التي طُبِعَت: كتابه «البدع والنهي عنها»، وهو مطبوع ومُحقَّق.

2- بقي بن مخلد الأندلسي (ت276هـ)؛ صاحب التفسير الكبير، والمسند الكبير، رحل إلى المشرق طلبًا للحديث النبوي، وقد حوَّل الأندلس مع الحافظ والمُحدِّث محمد بن وضاح القرطبي إلى دار حديث.

قال الإمام ابن حزم الأندلسي (ت456ه) في شأن تفسير بقي بن مخلد: «هو التفسير الذي أقطع قطعًا أنه لم يُؤلَّف مثله، لا تفسير الطبري ولا غيره».

 وقد اختار للدكتور نوري معمر التعريف بهذه الشخصية العلمية في دراسة له بعنوان «الإمام بقي بن مخلد الأندلسي: شيخ الحُفّاظ بالأندلس»؛ وهي دراسة منشورة. 

الموطأ والحركة الحديثية بالأندلس

كتاب الموطأ من كتب السُّنة التي نالت شهرةً واسعةً بين علماء الإسلام، وهو من أصحّ كُتُب السُّنة، وهو يُدْرَج ضمن كتب الصحاح، التي قيَّدت والتزمت الحديث الصحيح بمفرده، ولذا فهو من كتب الصحاح باتفاق العلماء قديمًا وحديثًا، ولا أدلّ على ذلك من قول الإمام الشافعي (ت204هـ): «ما أعلم شيئًا على ظهر الأرض بعد كتاب الله تعالى أصحّ من موطأ مالك».

إضافةً إلى هذا؛ فإن الإمام مالك بن أنس (ت179هـ) قال عن موطئه: «عرضتُ كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلهم واطَأني عليه -أي: وافقوني عليه-؛ فسمّيته الموطأ».

 وباتفاق الباحثين، فقد عرفت الدراسات الحديثية نقلةً نوعيةً بدخول المذهب المالكي وانتشاره في الأندلس ودخول كتاب «الموطأ» للإمام مالك بن أنس (ت179ه)، وهذا الكتاب من أبرز كُتُب الحديث النبوي التي لقيت عنايةً كبيرةً؛ فقد رحل علماء الأندلس إلى الحجاز، ودرسوا على يد الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، فنقلوا مذهبه، ونشروا آراءه واجتهاداته الفقهية في الأندلس، وفي مقدمتهم: أبو عبد الله زياد بن عبد الرحمن اللخمي المُلقّب بـ«شبطون» (ت204هـ)؛ فقيه الأندلس، الذي أدْخَل مذهب الإمام مالك إلى الأندلس، وقد جزم الحافظ والمُحدِّث الحُمَيدي بأنه أول مَن أدخل مذهب مالك ونشَره بأرض الأندلس، وعليه أخذ يحيى بن يحيى الليثي (ت234هـ) الموطأ مباشرةً، وكان يحيى بن يحيى يُلقَّب بعاقل الأندلس، وهو اللقب الذي لقَّبه به الإمام مالك.

وتُعدّ رواية يحيى بن يحيى من أصح الروايات، وأشهرها مقارنةً مع الروايات الأخرى للموطأ؛ لأن يحيى كان آخر مُحدِّث لقي الإمام مالك بن أنس، وأخذ عنه الموطأ قبل وفاة الإمام مالك بن أنس بالمرض الذي مات به.

وهذا الاختلاف في روايات الموطأ، يعود إلى أن الإمام مالك بن أنس كان دائم النظر والمراجعة والتنقيح لكتابه الموطأ، قال المُحدِّث الحافظ ابن القطان الفاسي (ت628هـ) في هذا الموضوع: «كان عِلْم الناس في زيادة، وعِلْم الإمام مالك في نقصان، ولو عاش مالك لأسقط عِلْمه كله من كثرة التحرّي».

وكان الموطأ -في بدايته- يَضُمّ بين دفَّتَيْه قدرًا هائلًا من الأحاديث؛ إلّا أنّ الإمام مالكًا ظل يختصر كتابه الموطأ، حتى أصبح الموطأ لا يتجاوز ألفًا وتسعمائة وخمسةً وخمسين حديثًا على رواية يحيى الليثي، وألفًا وثمانية أحاديث على رواية محمد بن الحسن الشيباني الحنفي.

وقد اشتهر كتاب الموطأ شهرة صاحبه، حتى غطَّى جميع ديار الإسلام؛ إذ لم يكد يَمُرّ زمن قصير على تأليفه وتصنيفه، حتى شاع في الناس وفشا بين طلبة الحديث، ووقع الإقبال عليه من طرف الجميع، وعليه بنى فقهاء الأمصار مذاهبهم وأخذوا منه استدلالاتهم، ولم يزل العلماء يُخرّجون حديثه، ويذكرون شواهده، ويشرحون غريبه، ويضبطون شَكْله، ويبحثون عن رجاله، ويُحقّقون دُرَّة الصحة في مروياتهم.

فمثلًا البحث في غريب الموطأ عُنِيَ به علماء المالكية، وأعني بالغريب الكلمات والألفاظ التي تحتاج إلى شرح وتفصيل، ومن أهمها: تفسير غريب الموطأ للإمام عبدالملك بن حبيب السلمي الأندلسي (ت238هـ)؛ وهو صاحب كتاب الواضحة المشهور.

ومدرسة فقه الحديث بالغرب الإسلامي بلغت مَجْدها، مع مُؤسِّسها حافظ المغرب الإمام أبو عمر ابن عبد البر (ت463هـ)، فهو من أبرز علماء الأندلس خدمةً لعِلْم الحديث النبوي.

حافظ المغرب والأندلس: الإمام ابن عبد البر وعِلْم الحديث بالأندلس

 من علماء الأندلس الكبار في هذا القرن: حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر النمري القرطبي (ت463هـ)، الذي أنجز عدة شروح للموطأ، ويُعدّ شرحه المسمى «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد»؛ من أوسع الشروح التي وُضِعَت على الموطأ، وله شَرْح آخر لا يقلّ أهميةً عن الأول، سمَّاه «الاستذكار في مذاهب علماء الأمصار».

وقد استوعب الإمام ابن عبد البر في شرحه، وفي دراسته وتعليقاته على الموطأ، مختلف الجوانب التي تمسّ جهات الموطأ، وجمَع فيه بين فقه الرواية وفقه الدراية؛ إذ عمل على إيصال وربط أسانيد الموطأ المقطوعة، والمُرسَلة والبلاغات، وحدَّد درجة أحاديثه، وبيَّن مضمونها ومحتوياتها، وكشَف عن أحكامها الفقهية، ونُكَتها الأصولية، وقام بتخريجها من مظانّها الأخرى التي جاءت فيها، وعلّق عليها، مستشهدًا ومستعينًا بلغة العرب، وشارحًا لغريب ألفاظ الموطأ وكلماته، هو ما جعَل العلماء يُلقِّبونه بـ«حافظ الأندلس والمغرب في علم الحديث».

وبحكم القيمة العلمية لهذا الشرح؛ قال عنه ابن حزم: «ومنها كتاب التمهيد لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر- وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلًا، فكيف أحسن منه- ولصاحبنا أبي عمر ابن عبد البر المذكور كُتُب لا مثيل لها».

وفي شروح ابن عبد البر على الموطأ، استوعب عددًا كبيرًا من النُّقول والنصوص الحديثية التي قِيلَت على الموطأ، وهي النقول التي فُقِدَت في مظانها الأصلية، وهذا ما يَمْنَحها قيمة علمية كبيرة.

الإمام الباجي الأندلسي

لا أحد يشكّ في جهود الإمام الباجي (ت474هـ) في الدراسات الحديثية، فله إسهامات متنوعة في علم الحديث، وهو من أكابر المالكية الذين عاشوا في القرن الخامس الهجري، خصّ كتاب الموطأ بشرح مُوسَّع ومستفيض وهو كتاب يَعْتني بفقه الحديث.

وكان للإمام الباجي مشاركة واجتهادات واختيارات في عِلْم الحديث النبوي. ولقد اعتنى الإمام الباجي -رحمه الله- بكتاب الموطأ عنايةً فائقة؛ فقد تناوله بالشرح والتعريف، فشَرَحه في ثلاثة كتب، أعظمها كتاب «الاستيفاء»، ثم اختصره في كتابه «المنتقى»، ثم اختصر المنتقى في كتابه «الإيمان»، ولكنّ الذي اشتهر ذِكْره، وشاع بين علماء الحديث، من هذه الكتب كتاب «المنتقى».

وهذا الكتاب -أعني: المنتقى في شرح الموطأ-، هو الكتاب المُتداوَل اليوم، وجاء هذا الشرح خاليًا ومجردًا من الأسانيد، وقد طُبِـعَ طبعة أُولى بأمر من السلطان المغربي مولاي عبد الحفيظ ملك المغرب، سنة 1331هـ.

ومن المُؤلَّفات الأخرى للإمام الباجي في عِلْم الحديث: كتاب «التعديل والتجريح لمن خرَّج عنه البخاري في الصحيح»؛ حقَّقه الدكتور أحمد البزار، وصدر عن وزارة الأوقاف المغربية سنة 1991م.

والإمام الباجي في «المنتقى» توسَّع في الفقه، وفي فقه الخلاف، واعتنى بعلم الأصول، وأغفل الكثير من علوم الحديث التي يتضمّنها كتاب الموطأ.

الإمام ابن العربي (ت543هـ) 

 لقد ترك ابن العربي تراثًا ضخمًا في الدراسات القرآنية والحديثية والفقهية واللغوية؛ فمن مؤلفاته: أحكام القرآن، وأنوار الفجر في تفسير القرآن، والقانون في تفسير القرآن، والناسخ والمنسوخ، والمقتبس من القراءات، وعارضة الأحوذي في شرح جامع الترمذي، والإنصاف في مسائل الخلاف، والمحصول في أصول الفقه، والعواصم من القواصم.

وله شرح على الموطأ سمَّاه «القبس في شرح موطأ مالك بن أنس»، وهو من الشروح المشهورة على الموطأ، ويُعدّ هذا الشرح من أهم الشروح على الموطأ؛ فقد أبان ابن العربي فيه عن عِلْم كثير، وميزة كتاب القبس أن الإمام ابن العربي الإشبيلي أملاه في سنة (532هـ) بقرطبة عندما كان مقيمًا بها في فترة اعتزاله للقضاء.

وكتاب القبس قام بتحقيقه الدكتور محمد عبد الله ولد كريم، وقدَّمه أطروحة جامعية، وهو مطبوع بدار الغرب الإسلامي سنة 1992م.

من جهة أخرى، أشار الإمام ابن العربي إلى أن كتاب القبس فيه استدراكات على الشروح التي سبقته؛ لأن الكتب التي تصدَّت لهذا الشرح، وعلى الرغم من كثرتها لم تَفِ بالغرض في رأي ابن العربي، وهو ما أشار إليه في مقدمة شَرْحه القبس.

وفي هذا الشرح انتقد أبا الوليد الباجي لتقصيره في طلب النُّكَت الحديثة، وإسهابه في طلب النُّكَت الفقهية، وهو ما أشار إليه في المقدمة.

ولابن العربي الإشبيلي شرح آخر على الموطأ، بعنوان «المسالك في شرح موطأ مالك»، وهذا الكتاب طُبِعَ بدار الغرب الإسلامي سنة 2008م، وحقَّقه الدكتور محمد بن الحسين السليماني والدكتورة عائشة بنت الحسين السليماني، ويقع في ثمانية مجلدات.

خلاصة

ما نستخلصه أن عِلْم الحديث كان من العلوم الرائجة في الأندلس، وقد ساهمت البعثات العلمية والرحلات المشرقية الأندلسية والمغربية في العناية بالتدريس والتأليف في مختلف العلوم، ومنها عِلْم الحديث، ووجّهت عناية خاصة إلى كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس؛ وتجلَّت عناية علماء المالكية بالموطأ من خلال الشروح والتعليقات والمختصرات والحواشي والمعاجم التي وُضِعَت عليه.

أعلى