ما الذي يجعل العقل الإستراتيجي في الدولة أداة حقيقية لصناعة المستقبل لا مجرد شعار، وكيف تسهم المعرفة والخبرة وحرية الرأي وتنوع التخصصات والشورى في تحويل التفكير البعيد إلى قرارات وخطط تحمي المجتمع وتفتح أمامه آفاق التطوير؟
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على نبيّنا محمّد وعلى آلِه وصحبِه،
وبعدُ:
ما من أحد يقف على عتبة الغد إلا ويسأل: ماذا بعد؟ وإذا كان الفرد لا يَستغني عن
عقل ينظر إلى ما وراء يومه، فالمجتمعات والحكومات أحوج إلى ذلك وأولى. لذلك تسعى
الدول إلى أن يكون لها عقل إستراتيجي يصنع -بتوفيق الله- المستقبل، ويُحقّق
الأهداف، ويَحْمي من الوقوع في ذهول وحيرة.
هذا العقل الإستراتيجي الواجب توافره لكل حكومة ومجتمع له مُمكّنات تُعينه على
الوجود من الأساس، وعلى العمل والإنجاز، وبدونها قد يغدو مصطلحًا جميلًا تلوكه
الألسن، وتخطّه الأقلام، دون أن يصبح له أثر أو تأثير على الأحوال القائمة أو
القادمة.
فمن مُمكّناته أن يُبنَى على عِلْم يتحرّى الصواب ويَقبل المراجعة، وهو العلم الذي
يكون الحق رائده بغضّ النظر عن آراء الآخرين.
ومن مُمكّنات هذا العقل: الخبرة العملية، فلا يمكن أن يعمل في فراغ من سابق تجربة
وخبرة، كي لا تكون مقترحاته مجرد أوهام وأحلام. كما أنه ينجح في عمله إذا لم يكن
منغمسًا في مهام يومية تَصرفه عن التفكير البعيد، وتُصيِّره أسير لحظة راهنة.
ومن التمكين لهذا العقل: أن يُمنَح الحرية في إبداء الرأي والمشورة بمصداقية لا
مراعاة فيها لتوجهات زعامة أو سابق قرار؛ ذلك أن الانحباس في إهاب الآخرين يسلب من
هذا العقل إستراتيجيته، فيظل عقلًا تابعًا لا يُرتَجَى منه نجاة ولا تطوير ولا خلاص
من مأزق، وبذلك يُخفق؛ لأنه جامَل على حساب ما يعتقده.
ومما يزيد في تمكين العقل الإستراتيجي: أن يكون القائمون عليه من أصحاب تخصصات
متنوّعة؛ منها: علوم الشريعة واللغة والتاريخ والاجتماع والقانون، ومعهم خبراء في
التربية والاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، ومن الطبيعي أن يُشاركهم العسكريون
والقادة في المجالات الأمنية، وكذلك المتخصّصون في العلوم التطبيقية القديمة
والحديثة، وباجتماعهم تَحْضر الشورى، وهي مُمكِّن أساسي مطلوب.
آخر مُمكِّن هو: أن ينجح العقل الإستراتيجي في تحويل الفكرة إلى تطبيق؛ كما صنَع
نبي الله يوسف -عليه السلام-، ومثلما مهَّد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-
لخلفائه الطريق للفتوح بالإعداد المعنوي والمادي، وتأسيس الدولة، وإبرام المعاهدات،
وامتلاك القوة العسكرية والعلمية، وهذا -كله- ليس بكثير عمّا يُنتظَر منه؛ فعقلٌ
واحد لا يكفي!