كيف تتحول الغيرة على الدين من طريق للهداية إلى خصومة تستنزف صاحبها، حين يطغى التصنيف والتبديع على العلم والعدل، وما الذي يعيد طالب العلم إلى الإنصاف، وحفظ اللسان، والانشغال بإصلاح نفسه قبل الآخرين في كل خلاف؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين،
وبعد:
قد يبدأ الشاب رحلة استقامته مُحِبًّا للسُّنة، حريصًا على سلامة اعتقاده، مُقبِلًا
على العلم، ثم يجد نفسه بعد مدة مشغولًا بتصنيف الناس، مُتتبِّعًا عثرات العلماء،
مستوحشًا ممن كان يَنتفع بعلمهم، وتتّسع قائمة المُحذَّر منهم، وتضيق دائرة
المقبولين، ويكثر حديثه عن أخطاء الآخرين، بينما يقل نصيبه من إصلاح نفسه.
هذا التحوّل يستحق وقفة تربوية صادقة؛ فكيف تنقلب الغيرة على الدّين إلى خصومة
تستنزف صاحبها؟ وما الذي يساعد على انتشار خطاب يجعل الهدم أقرب إلى النفوس من
البناء؟
تظهر في بعض الأوساط ظاهرة الغلو في التبديع والتضليل، والتوسُّع في إسقاط العلماء
والدعاة، وامتحان الناس بمواقفهم من الأشخاص، وليست المشكلة في بيان الخطأ؛ فحماية
الاعتقاد، وردّ الشبهات، والنصيحة للمسلمين من مهمّات الدين، وإنما تبدأ المشكلة
حين تنفصل هذه الأعمال عن ضوابط العلم والعدل، ويصبح التصنيف غاية تتقدّم على
التعليم، وتتحوّل المخالفة الجزئية إلى حكم شامل على دين الإنسان ومنهجه، ثم يمتدّ
الحكم إلى مَن انتفع به، أو أنصفه، أو توقف في إدانته.
ومما يساعد على انتشار هذه الظاهرة أنها تخاطب عاطفة نبيلة: مَحبّة الحق ونُصْرته،
والخوف من الانحراف؛ لكنها قد تُقدّم لهذه العاطفة طريقًا مختصرًا موهمًا؛ فيشعر
المتلقّي أنه يحرس الدين كلما اشتد في العبارة، وأن كثرة المُحذَّر منهم دليل على
دقة بصيرته، وحين تقترن الغيرة بقلة العلم، يسهل توجيهها إلى معارك لا يَعرف صاحبها
مقدّماتها ولا عواقبها؛ ولذلك تحتاج الحماسة إلى تربية تصحبها، وتُعلِّم صاحبها أنّ
صِدْق المقصد لا يُغني عن صحة الفهم وسلامة العمل.
ويزيد الأمرَ قوةً ما تمنحه الأحكام القاطعة من شعور سريع بالوضوح والتفوق؛
فالمسائل العلمية تحتاج إلى صبر، وجَمْع للنصوص، وتَمييز بين مَراتب الخلاف؛ أما
الخطاب المتعجّل فيختصرها في أسماء وقوائم: هؤلاء معنا، وأولئك ضالون مُبتدِعون.
وقد يستريح المبتدئ إلى هذا التقسيم؛ لأنه يُعفيه من مشقة البحث، ويمنحه موقع الحكم
قبل استكمال أدواته.
وتتيح وسائل التواصل لهذا الخطاب فرصًا واسعة للظهور؛ فالمقطع القصير والعنوان
المثير قادران على نَقْل حكم كبير دون أسبابه وقيوده، وقد يسمع المتلقّي عبارة
مبتورة لعالم، يَتبعها تعليق جازم، فيظنّ أنه أحاط بالقضية، ومع تكرار الرسالة من
حسابات متشابهة، قد يلتبس عليه تكرار الدعوى بتعدُّد أدلتها.
وهنا تبرز مسؤولية المسلم عن سَمْعه ولسانه: أن يَتثبّت قبل التصديق، وأن يسأل عن
السياق قبل الحكم، وألّا يجعل انتشار المقطع شهادة بصحة مضمونه.
ومن أسباب التأثر أيضًا: ضَعْف التلقّي المتدرّج عن أهل العلم، والانشغال بالردود
قبل معرفة الأصول؛ فمن لم يتعلم كيف يَفهم النص، ويجمع بين الأدلة، ويميّز العام من
الخاص؛ قد تخدعه كثرة النقول وأسماء الكتب، وربما ظنّ أن العثور على عبارة شديدة في
كتاب قديم يكفي لتنزيلها على كل مُخالف.
والعلم أوسع من جمع المقتطفات؛ إذ لا بد من صحة النقل، وفهم دلالته، ومعرفة محل
تطبيقه، والرجوع إلى كلام العالم كله في المسألة.
ويتّصل بذلك الخلطُ بين الحكم على القول والحكم على قائله. فقد يكون القول باطلًا،
ثم يحتاج الحكم على الشخص إلى تفصيل لا يُحْسنه كل أحد، بحسب المسألة وشروط الحكم
وموانعه، كما أن إنصاف عالِم في موضع لا يعني تصحيح أخطائه، والانتفاع بكتابه لا
يساوي الموافقة على جميع آرائه، وحين تضيع هذه الفروق، تنشأ سلسلة من الإدانة لا
تكاد تنتهي: يخطئ شخص، فيُسقَط، ثم يُسقَط مَن لم يُسقِطه، وتتَّسع الخصومة حتى
تلتهم أصحابها.
وقد يساعد على اتساع الظاهرة غياب الجواب العلمي القريب من الناس؛ فالشاب الذي يسمع
شبهة مؤثرة يحتاج إلى مَن يُنصت لسؤاله، ويفكّك الإشكال بلغةٍ يفهمها. فإذا قُوبِل
بالتوبيخ، أو بطلب الصمت، أو باتهامه لمجرد السؤال؛ بقيت الشُّبهة تعمل في نفسه.
والمسؤولية هنا مشتركة؛ على العلماء والمربين أن يُقرِّبوا العلم، وأن يفتحوا مجال
المراجعة، وأن يُبيِّنوا مواضع الخطأ بأدلتها، مع رعاية حال السائل، وعدم دَفْعه
إلى أحضان خطاب أشد اضطرابًا.
وأخطر آثار هذا المسار أنه يُبدِّل صورة التديُّن في قلب صاحبه؛ فبدل أن يقوده
العلم إلى خشية الله، وصيانة اللسان، والعدل مع المُخالِف، قد يقوده الجدل إلى
التربُّص وسوء الظن وقسوة القلب، وربما صار يتساهل في أعراض المسلمين باسم الذَّبّ
عن السُّنة، ويستثقل النصيحة إذا تعلقت بأسلوبه، والميزان القرآني واضح؛ ﴿وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]؛ فالعدل واجب في حال الرضا والخصومة جميعًا.
ويمتدّ الضرر إلى علاقة الناشئة بالعلماء والتراث؛ فإذا رأى الشابّ أن كل إمام يمكن
إسقاطه بزلة، وأن كل كتاب يمكن هَجْره بسبب خطأ، فمِمَّن يتعلم؟ وقد ينتهي إلى
الارتهان لصاحب خطاب واحد جاهل جهلًا مُركبًا، بعد أن أُضْعِفت ثقته بسائر المصادر.
واحترام العلماء لا يقتضي عِصْمتهم، ونَقْد أخطائهم لا يُبيح إهدار عِلْمهم
وفَضْلهم، والتربية الراشدة تُعلِّم الطالب أن يَزِن الأقوال بالدليل، وأن يَحْفظ
لأهل العلم حقوقهم، وأن يجمع بين الاتباع والإنصاف.
وقد تستنزف هذه الخصومات جهود الدعاة والمُربّين أنفسهم؛ فيصبح يومهم متابعة
للمقاطع، ومُلاحَقة للاعتراضات، واستعدادًا لردّ جديد، بينما تتراجَع دروس التأصيل
ومجالس التربية ومشروعات النفع؛ ولهذا يحتاج المُصلِح إلى فقه الأولويات: ما الشبهة
التي تستحق البيان؟ ومن يحتاج إليه؟ وما القَدْر الكافي لرفع الالتباس؟ فالرد
النافع يؤدي وظيفة مُحدّدة، ثم يُفسح الطريق للتعليم والعمل.
ويبدأ العلاج بإعادة طالب العلم إلى بناء نفسه: نصيب ثابت من القرآن، وعبادة يُصلِح
الله بها قلبه، وتعلُّم متدرّج على أيدي الثقات، وعمل نافع يُخرجه من مُراقبة الناس
إلى دعوتهم والرفق بهم.
وعلى المربّي أن يُقدِّم البديل مع التحذير؛ يدل على درس نافع، ويصحب الناشئ في
قراءة كتاب، ويُعلِّمه كيف يُراجِع نقلًا ويُحرِّر مسألةً، كما يحتاج إلى أن يُريه
الإنصاف ممارسةً حيةً؛ يعترف بخطئه، ويَقبل الصواب من مُخالِفه، ويَذْكُر فَضْل مَن
ينتقده حيث يقتضي المقام. فمشهد واحد من العدل قد يُصلِح ما تُفسِده مواعظ كثيرة لا
يُصدِّقها السلوك، ومَن تأثَّر بهذا الخطاب أَوْلَى بالنصح والصبر، ولا ينبغي أن
تُعالَج حدّته بإغلاق باب الرجوع أمامه.
أمّا مَن يتصدَّى للرد؛ فلْيجعل غايته هداية المتلقّي وكشف الخطأ، ولْيضبط عبارته
بقَدْر الحاجة، ويتجنَّب السخرية وقراءة النيات والتعميم، ولْيتذكر أن التعاون على
خير معلوم لا يقتضي تزكية كل أحوال المتعاونين، وأن حِفظ حقوق المسلم لا يمنع بيان
مُخالفته، ومتى أمكن تحويل النزاع إلى تعليم قاعدة نافعة، كان ذلك أبقى أثرًا من
ملاحقة الأشخاص؛ إذ يتعلم القارئ كيف يُميِّز بنفسه، وتقلّ حاجته إلى وصاية الأصوات
المُتنافِسة على حُكمه.
إنّ حماية السُّنة أمانة تَستلزم رسوخًا في العلم، وعدلًا في الحُكْم، ورحمةً في
الدعوة. ومَن صدَق في ذلك أحبَّ أن يهتدي المُخطِئ، وأن ينتفع الناس، وأن تستقيم
قلوبهم وأعمالهم. فلْتَتوجّه الجهود إلى تعظيم الدليل، والتثبُّت في النقل، وحفظ
الأعراض، وشجاعة الرجوع إلى الحق، ولْنجعل من ظهور هذه الظواهر فرصة لإحياء التعليم
الرصين والتربية الصادقة؛ فإن الضجيج قد يشغل الأسماع زمنًا، ولكن يبقى أثر العلم
النافع والعمل الصالح؛ ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي
الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧].