ما العوامل التي مكّنت الدولة العبيدية من إسقاط دولة الأغالبة، والاستيلاء على قوتها البحرية، ثم توظيف الأساطيل والمهدية في ترسيخ نفوذها بالمتوسط، وخدمة مشروعها السياسي والعقدي للتوسع نحو مصر والمشرق والمغرب والأندلس خلال عقود حكمها المختلفة؟
في سنة 296هـ، قامت الدولة الشيعية في المغرب، والمعروفة شعبيًّا باسم «الدولة
الفاطمية»، نسبةً لفاطمة بنت النبيً
صلى الله عليه وسلم ، ولدى العديد من المؤرخين باسم
«الدولة العبيدية»، نسبةً إلى عبيد الله المهدي الذي زعم أنه من نسل إسماعيل بن
جعفر الصادق (-148هـ)، والذي تنتسب إليه فرقة الإسماعيلية، تلك الفرقة الشيعية،
التي كانت أقوى فِرَق الشيعة وأخطرها على الخلافة العباسية في القرنين الرابع
والخامس الهجريين.
قامت الدولة العبيدية هذه على أكتاف قبيلة كتّامة؛ إحدى أعظم قبائل البربر،
والقاطنة في جبال أوراس في شمال شرقي الجزائر، قريبًا من البحر المتوسط، في المنطقة
التي تُعرَف الآن باسم «منطقة القبائل»، وذلك بعد عقود من الدعاية المنظّمة لخلافة
أهل البيت، بين أبناء قبيلة كتّامة، والتي اقترنت بكثيرٍ من أعمال الدجل والشعوذة،
والتحريض ضد الخلفاء العباسيين، واعتبارهم مُغتصِبين للخلافة، والتبشير بظهور
الإمام المهدي، الذي سيملك -وذريته الفاطمية من بعده- الأرض كلها.
وقد قام بتلك الدعاية لأهل البيت بين قبائل البربر في إفريقية، وبخاصة قبيلة
كتّامة، العديدُ من الدعاة المحترفين، المُوفَدين من المشرق، والذين تسللوا إليها
عبر وفود البربر إلى الحج، وكان آخرهم الداعية أبو عبد الله الشيعي، القادم من
اليمن، وكان قد نشأ وتأهّل في الكوفة؛ هذه الأخيرة التي اختمرت فيها وانطلقت منها
معظم الدعوات السرية الهدامة، التي ترفع شعار أهل البيت. (وقد كان جزاء هذا الداعية
بعد ذلك هو القتل مِن قِبَل عبيد الله المهدي؛ لمحاولته تهميشه والاستئثار بأمور
الدولة دونه).
والمهدي هو اللقب الذي اتخذه، فيما بعد، عبيد الله أول خلفاء بني عبيد (297-
322هـ)، ليشير بهذا اللقب، إلى أنه الشخص الذي أظهره الله بالحق ليملك الأئمة
الفاطميون الأرض كلها.
وقد قامت الدولة العبيدية على أنقاض الدولة الأغلبية التميمية، التي ظهرت سنة
284هـ، وكانت تحكم إفريقية المعروفة أيضًا بالمغرب الأدنى (تونس)، وكانت تتَّخذ من
مدينة «رقادة» القريبة من القيروان، عاصمةً لها، وتدين بالطاعة الاسمية للخلافة
العباسية في بغداد، فوُلِدَت الدولة العبيدية خلف ظهرها، وتمكّنت من الإجهاز
عليها.
ثم قامت الدولة العبيدية، بعد ذلك، بإشعال الحروب في ربوع المغرب كله، ونجحت في
القضاء على بقية الدويلات التي كانت قائمة في المغرب، في ذلك الوقت، كالدولة
الرستمية الإباضية (144- 296هـ)، والتي كانت عاصمتها «تاهرت» في المغرب الأوسط،
والدولة المدرارية أو دولة بني واسول الخارجية الصفرية (140- 349هـ)، والتي كانت
عاصمتها «سجلماسة» في جنوب المغرب، والدولة الإدريسية (172- 363هـ)، والتي كانت
عاصمتها «فاس» في المغرب الأقصى.
وقد كانت الدولة الأغلبية في إفريقية، ذات قوة بحرية ضاربة في الحوض الغربي الجنوبي
للبحر المتوسط؛ لسيطرتها على تونس القاعدة البحرية الإسلامية التي كانت موضع عناية
الخلافة الأموية منذ عهد الخليفة عبد الملك بن مروان (64- 86هـ)، وأيضًا موضع عناية
قادة الفتح الإسلامي في إفريقية من أمثال حسان بن النعمان (73- 86هـ)، وموسى بن
نصير (86- 95هـ)، وعبيد الله بن الحبحاب (115- 123هـ).
وانطلاقًا من هذه القاعدة البحرية الإسلامية الكبرى (تونس)، كانت الدولة الأغلبية
قبل قيام دولة بني عبيد، قد افتتحت جزيرة صقلية، أكبر جزر البحر المتوسط، كما غزت
وافتتحت العديد من الجزر الشهيرة في البحر المتوسط. وكانت صقلية، بالذات، مركزًا
للنشاط البحري البيزنطي، وقاعدة بحرية لبيزنطة، والتي كانت أكبر قوة بحرية في البحر
المتوسط، إذ ذاك، وكانت تُهدّد الوجود الإسلامي في إفريقية، فأصبحت صقلية، نتيجة
لذلك، جزيرة عربية إسلامية يحكمها ولاة أفارقة تابعون للأغالبة.
كما كانت الدولة الأغلبية قد غزت السواحل الإيطالية الجنوبية والغربية مرارًا،
وصارت لها السيادة على البحرين التيراني والأدرياتي، وهدّدت روما ذاتها، وفرضت
الجزية على البابوية بها. وكانت قد اتخذت صقلية مركزًا لفتوحاتها في هذه الانحاء.
بَيْد أن نفوذ الدولة الأغلبية في داخل إفريقية كان ضعيفًا، ولم تكن قوتها البرية
متناسبة مع قوتها البحرية الضاربة، ولذلك فقد سهل على جيوش العبيديين الذين جاءوا
من وراء ظهرها منحدرين كالسيل الجارف من جبال كتّامة، هزيمة جيوشها، والقضاء عليها
سنة 296هـ.
وكان قضاء الدولة العبيدية على الدولة الأغلبية، مغنمًا كبيرًا لها، وأهم عوامل
قوتها البحرية، فقد ورثت أساطيلها وقوتها البحرية الضاربة والمتطورة في البحر
المتوسط، وتحديدًا في ثغر تونس وجزيرة صقلية، كما ورثت نفوذها وأملاكها في حوض
البحر المتوسط الجنوبي وجزره. ونتيجة لذلك، فقد حقَّقت الدولة العبيدية قفزةً هائلة
في القوة البحرية وفي صناعة الأساطيل، لم يكن يحلم بها حكامها، ثم إنهم عملوا على
تنميتها وتطويرها والاهتمام بمراسيها ودُور صناعتها عنايةً كبيرةً؛ وذلك للاعتماد
عليها في تحقيق أهدافهم وطموحاتهم التوسعية، السياسية والعسكرية.
فقد كانت للعبيديين أهداف بعيدة المدى أعلنوا عنها منذ بزوغ دولتهم؛ أهمها: إقامة
خلافة إسلامية شيعية كبرى تشمل المشرق والمغرب معًا، وقد زرع الحُكّام العبيديون في
عقول أتباعهم الشيعة الإسماعيليين، بأنهم وحدهم أصحاب الحق الشرعي في الخلافة، على
اعتبار أنهم من ذرية علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، الذي أوصى له النبي -صلى الله
عليه وسلم- بالخلافة من بعده -بحسب زعمهم-، وأن الأمويين والعباسيين مُغتصِبون لها،
كما اغتصبها قبلهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان -رضي الله عنهم-؛
كما زعموا.
وهكذا، وبفضل قوتها البحرية الضاربة تلك، وأيضًا نتيجة لتدعيم وجودها في جزيرة
صقلية؛ فقد حققت الدولة العبيدية، السيادة على الحوض الأوسط للبحر المتوسط، وصارت
تُشكّل رقمًا صعبًا في حوضه الغربي الجنوبي. وقد سلكت الدولة العبيدية نفس مسلك
الدولة الأغلبية في الفتوحات والجهاد البحري في شمال البحر المتوسط، وبخاصة في شبه
جزيرة إيطاليا، لا لإيمانهم بهذه الفتوحات ونشر الإسلام في أوروبا -والله أعلم-،
ولكن لاكتساب المشروعية الدينية والمشروعية السياسية، ولإغراء المسلمين على
اتّباعهم والمُراهَنة على خلافاتهم الصاعدة.
وبالتزامن مع ذلك، ابتنى أول أئمتهم، وهو عبيد الله المهدي (297- 322هـ) مدينة
المهدية على شاطئ البحر المتوسط، واتخذها عاصمةً جديدة حصينة ومعقلًا بحريًّا
قويًّا لدولته الصاعدة، وذلك بين سنة 303 وسنة 308هـ، ولتكون هذه العاصمة أيضًا تحت
حماية أسطوله البحري القوي، وكذلك لتفادي أيّ تهديد قد يأتيها من الداخل مِن قِبَل
القبائل البربرية، سواء التي رفضت الدعوة الفاطمية وناوأتها، أو المنافسة لقبيلة
كتّامة، التي اعتمد العبيديون على زعمائها في حكم ولايات دولتهم وقيادة جيوشهم في
البر والبحر. وعندما انتهى عبيد الله المهدي من تشييد المهدية وانتقل للإقامة فيها؛
أطلق مقولته الشهيرة «الآن أمنتُ على الفاطميات».
ولكنّ كل ذلك لم يُقلّل من اهتمام الدولة العبيدية بالسيطرة على المشرق والأندلس،
بل ظلت هذه السيطرة هي محور نشاطها وشغلها الشاغل، ونجحت في السيطرة على مصر أيام
المعز -أقوى خلفاء بني عبيد (341- 365هـ)-، بعد محاولات عديدة، ثم اتخذتها قاعدةً
لتوجيه الحملات البرية والبحرية نحو الشام والحجاز، ولكنها فشلت فشلًا ذريعًا في
السيطرة على الأندلس؛ وذلك نتيجة لوجود حكام أقوياء على رأس الدولة الأموية في
الأندلس، حينذاك، وهم عبدالرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر، ثم المنصور محمد بن
أبي عامر المعافري، حتى إن أولئك الحكام الأندلسيين نجحوا في طرد العبيديين
وأتباعهم من ثغور المغربين الأقصى والأوسط.