هل غزو نادر شاه للهند عام 1739 كان مجرد حملة نهب طاغية، أم أنه حوّل شبه القارة إلى فريسة سهلة للاستعمار البريطاني لاحقًا؟ وكيف أسهمت مذبحة دهلي وخراب السلطنة المغولية في تمهيد الطريق لشركة الهند الشرقية؟
عند إعادة قراءتنا للتاريخ، وتشخصينا لواقع شبه القارة الهندية في القرن الثامن
عشر، ومعرفتنا للأعاصير المزلزلة التي ضربتها قُبَيْل الاحتلال الإنجليزي لها؛
سنكتشف أن هذا الاحتلال لم يكن أمرًا خارقًا للعادة، وخاصةً إذا ما أخذنا في
الاعتبار: خبرة الإنجليز وأساليبهم الشيطانية وأنشطتهم الأخطبوطية كقوة إمبراطورية
استعمارية، وتفوقهم البحري والعسكري، وكثرة أعوانهم وحلفائهم في الداخل... إلخ.
وكان أعنف الأعاصير التي ضربت الهند، وأكثرها تدميرًا في تاريخها الإسلامي، هو
إعصار (نادر شاه) عام 1738- 1739م. فمن هو نادر شاه؟ ولماذا غزا الهند؟ وماذا حقَّق
من هذه الغزوة؟ وكيف ترك الهند فريسة سهلة للإنجليز؟
هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال، وبالله التوفيق!
مِن زعيم عصابة إلى إمبراطور!
في العقد الثاني من القرن الثامن عشر ثارت القبائل الأفغانية، ضد الصفويين، بعد
عقود من احتلالهم لأفغانستان وممارساتهم الطائفية المستفزة بها، ووصلت الثورة إلى
ذروتها، بدخول القبائل الأفغانية أصفهان عاصمة الصفويين، وقتل الشاه حسين (1722م).
بَيْد أن طهماسب ابن الشاه القتيل، هرب إلى خراسان ليحتمي بالقبائل التركمانية:
الأفشارية والقاجارية، المُوالية لأُسرته، وليستعين بهم في طَرْد الأفغان واستعادة
العرش، وكان هناك رجل يُدْعَى
«نادر»،
من قبيلة أفشار، يقود عصابة لقطع الطرق، فانضم هو وعصابته إلى طهماسب (1726م).
ونظرًا لجرأته، وما أظهره من مهارات عسكرية وولاء للصفويين؛ فقد ترقَّى في المناصب
بسرعة، حتى صار قائدًا لجيش طهماسب، فقاد نادر هذا الجيش، وألحق بالأفغان هزائم
متوالية وطردهم من الهضبة الإيرانية (1729م)، وتوّج انتصاراته بإعادة طهماسب إلى
العرش الصفوي (1730م)، تحت اسم (طهماسب الثاني).
ثم هاجَم نادر العثمانيين واستعاد منهم بعض المناطق، التي كانوا قد احتلوها. وفي
ذات الوقت، هاجمهم طهماسب لكنّه هُزِمَ هزيمة نكراء، واضطر إلى إبرام صلح معهم
بشروط مُخزية. عند ذلك غضب نادر، وقام بخلعه
«بسبب
سُكر الشاه وعدم كفاءته»،
ووضع ابنه الرضيع بدلًا منه تحت اسم (عباس الثالث)، وأعلن نفسه وصيًّا عليه
(1732م).
ثم هاجم نادر العراق للعبور منها إلى الأستانة عاصمة العثمانيين، ولكنه هُزم
(1733م)، فعاد لمحاربة العثمانيين في إيران، فطردهم منها تمامًا. وبعد ذلك وقَّع
معاهدة مع الروس استعاد بموجبها دربند والمقاطعات الإيرانية المطلة على بحر قزوين
(1735م). وفي عام 1736م، خلَع عباس الثالث، وتوَّج نفسه ملكًا على إيران، تحت اسم
(نادر شاه). ولما كان دخيلًا ولا يملك شرعية عائلية أو دينية، فقد ادَّعى أنه خليفة
لتيمورلنك القائد المغولي الدموي. وبعد ذلك استأنف حملاته التوسعية، فاحتل البحرين،
وغزا عُمان.
وكان نادر شاه طاغية جبارًا عنيدًا أنانيًّا، سفَّاكًا للدماء، لا يبالي بمن قتل في
سبيل تحقيق طموحاته السياسية، مُحِبًّا للشهرة، وكان يتبجح قائلاً:
«إنني
أربعة ملوك في ملك واحد: ملك إيران والأفغان وتركستان والهند».
وهكذا بعد أن أثبت نادر شاه نفسه كقائد كبير، وحوَّل إيران إلى إمبراطورية قوية
تمتد من القوقاز إلى جنوب أفغانستان؛ حوَّل اهتمامه لغزو سلطنة المغول في الهند؛
أغنى سلطنة في العالم، آنذاك.
السلطنة المغولية غداة الغزو
وصلت السلطنة المغولية في الهند إلى ذروة عظمتها وقوّتها وازدهارها في عهد أورنجزيب
(1658- 1707م)، ذلك السلطان الزاهد العابد المُجاهد، الذي شمل حُكمه شبه القارة
الهندية كلها، ولكنّ وفاته خلَّفت فراغًا لم يستطع أن يَسُده أحد من بعده، وزاد
الأمور سوءًا، الصراعُ الذي احتدم بين أبنائه وأحفاده على السلطة، وإراقتهم لدماء
بعضهم البعض، وخيانات الوزراء، فقد توالى على العرش بعد أورنجزيب عددٌ من السلاطين،
الذين خالفوا سيرته في الالتزام بالثوابت الشرعية، وانغمسوا في حياة البذخ والمتعة
والفجور، وإدمان الخمر والأفيون، والولع بالموسيقى والغناء والرقص والمظاهر
التافهة، وعدم الاهتمام بإدارة الدولة، مع عودتهم لتأليه أنفسهم، باعتبارهم ظل الله
على أرضه، كما كان عليه أسلافهم قبل أورنجزيب، وإن لم يكن هؤلاء رجال دولة مثل
أولئك.
ولما استقرت الأمور، فيما بعد، للسلطان محمد شاه (1718- 1748م)، الذي كان يفتقر إلى
رؤية وقوة شخصية السلاطين السابقين، وكان يقضي معظم وقته في الصيد وشرب النبيذ
والاستمتاع بالرقص والموسيقى، والانغماس في أنشطة تافهة.
ونتيجة لكل ذلك، ولأسباب أخرى عديدة، ضعفت السلطنة المغولية، وأهمل الجيش، ورفع
المتمردون من هندوس المراثا والسيخ رؤوسهم من جديد، وأصبح توسُّع هندوس المراثا في
وسط وغرب الهند في ثلاثينيات القرن الثامن عشر علامة على انحدار السلطنة المغولية،
بعد ربع قرن فقط من بلوغها ذُروة مَجْدها. هكذا كان حال السلطنة المغولية عندما
استقرت الأمور لنادر شاه في بلاد فارس، وهو ما رأى فيه فرصة لتحقيق طموحاته وتوسيع
نفوذه شرقًا، كما أن نادر شاه كان مُدركًا لانقسام الوزراء والحاشية في البلاط
المغولي في دهلي، وتراجُع سلطة السلطان وهيبته؛ وذلك أن العديد من كبار رجال
السلطنة المغولية، كانوا من أصول فارسية، وكان بعضهم على اتصال دائم بنادر شاه،
فكان على اطلاع من خلالهم على أسرار السلطنة ونقاط ضعفها. وقد عزَّزت الصراعات
الداخلية ومؤامرات البلاط، إلى جانب تقارير عن كنوز وثروات طائلة في دهلي، قرار
نادر شاه بغزو الهند، لنَهْب تلك الكنوز والثروات، لتمويل حملاته المستقبلية لغزو
العالم، كما كان يزعم.
وقيل: إن السبب هو قيام السلطان المغولي بإهانة سفيره، وإيقافه تبادل السفراء معه،
إلى جانب تجاهله طلباته بإعادة المقاتلين الأفغان الذين هربوا إلى الهند.
الطريق إلى الهند ومعركة كارنال
في حزيران 1738م استولى نادر شاه على غزنة وكابول وجلال أباد، ثم وجَّه أنظاره نحو
الهند، وحشَد لذلك جيشًا قوامه مائة ألف مقاتل، من التركمان والفرس والأفغان
والكرج، ورغم عدم تجانُس هذا الجيش، وعدم سَعْيه لأجل مشروع مُعيَّن، سوى تحقيق
نزوات الطاغية ونَهَم الجيش نفسه للنهب، إلا أنه كان جيشًا مُنظَّمًا ومنضبطًا،
ومُدرَّبًا على الحرب الحديثة، ومُتمرِّسًا على القتال، بعد سنوات من الحملات، كما
كان مُجهَّزًا ببنادق ومدفعية متفوقة. وسار نادر شاه وعَبَر جبال هندوكوش، من ممر
خيبر، للسيطرة على بيشاور، وبدأ في التحرُّك داخل الأراضي الهندية، وقد حاول
الحُكّام المغول المحليون المقاومة، ولكن مقاومتهم لم تُجْدِ نفعًا، في مواجهة جيش
نظامي كبير ومنضبط، وبخاصة مع عدم وصول المدد من دهلي.
وفي مطلع 1739م، عبر نادر شاه وجيشه نهر السند إلى البنجاب، واستولى على لاهور،
التي استسلم حاكمها المغولي للشاه
«مُقدِّمًا
له هدية قدرها 20 مليون روبية وعدة فِيَلة».
وعندئذٍ استيقظ السلطان المغولي من سباته، فحشد جيشًا ضخمًا لرَدّ العدوان، بَيْد
أنّ هذا الجيش، رغم كثرته وتفوُّقه في العدد على جيش نادر شاه، كان يفتقر إلى
التنسيق والانضباط، ويعاني من المنافسات بين القادة، إضافةً إلى تقادم أسلحته.
والتقى الجمعان في سهل كارنال، على بُعْد 75 ميلًا شمالي دهلي، في 24 شباط 1739م؛
حيث استدرج نادر شاه المغول إلى مسافة قريبة قبل أن يُصْليهم نارًا حامية من
مَدافعه، ومُركِّزًا على الفِيَلة التي كانت أهدافًا سهلة، وقُتِلَ وأُسِرَ خلال
المعركة كبار قادة الجيش المغولي، مما أثار حالة من الذعر في صفوف الجنود، واكتظت
ساحة المعركة بأعداد القتلى المغول وحيواناتهم، مما زاد من حدة الفوضى.
وترتب على اعتماد المغول على حشود الفرسان والفِيَلة، وضعف الانضباط الناري،
وانعدام وحدة القيادة، عجزهم عن مواجهة التشكيلات المتماسكة، ونيران المدفعية
المنسّقة لجيش نادر شاه. ولذلك فقد لحقت بهم الهزيمة بعد ساعات قليلة، وقُتل الآلاف
من جنودهم، وأُهين قادتهم، وتحطَّمت معنوياتهم تمامًا، وعند ذلك خلع سلطان المغول
تاجه متَّبعًا نصيحة وزرائه الخونة، وتوجّه إلى معسكر نادر شاه ذليلًا كسيرًا،
واستسلم له، ووضَع مستقبل الهند الإسلامية بين يديه، رغم تظاهُر نادر شاه بمعاملته
كمَلِك، على اعتبار أنه مِن بيت الغورغاني التركماني؛ أي: بيت تيمورلنك، الذي ينتمي
إليه هو أيضًا.
دهلي مدينة مستباحة
بعد تحطيم الجيش المغولي، وبوجود السلطان المغولي برفقته، سار نادر شاه نحو دهلي،
جوهرة السلطنة المغولية، وسمح نادر شاه للسلطان المغولي بدخول المدينة قبله بيوم
واحد، ليتمكّن من استقباله استقبال الملوك. ودخل نادر شاه دهلي في 20 آذار 1739م،
فجرت مراسيم الاستقبال كما أراد، وقدَّم نفسه لأهالي دهلي كضيف على السلطان
المغولي، وأقام معسكرًا في المدينة، واحتل المقر الملكي في القلعة الحمراء، وأعلن
نفسه شاهنشاه (ملك الملوك)، بعد أن أجبر سلطان المغول على الدخول في طاعته.
وبعد يومين، انتشرت شائعة بأن نادر شاه قُتِلَ، فانتفض أهالي دهلي وقتلوا أعدادًا
من جيشه، وفي صباح اليوم التالي توجّه نادر شاه إلى المسجد الذهبي (مسجد سنهيري)،
ووقف وعيناه تضطرم شررًا، وسلّ سيفه، في إشارة لجيشه لبدء الانتقام. فسلّ عساكره
سيوفهم وانطلقوا كالرعاع المسعورة يذبحون كل مَن صادفوه أمامهم من الرجال والنساء
والأطفال، وقاموا بعمليات نهب واسعة النطاق للمنازل والمتاجر والقصور، وأُضرمت فيها
النيران.
ولم تتوقف هذه الأعمال الإجرامية إلا بعد الظهر، عندما أعاد الشاه سيفه إلى غِمْده،
إشارة إلى انتهاء العملية، وذلك استجابة لتوسلات سلطان المغول، وكان ذلك بعد مقتل
عشرات الآلاف من الأبرياء، الذين تكدست جثثهم في الشوارع والأسواق والباحات، وغرقت
في برك من الدماء، ودُفِنُوا بعد ذلك في قبور جماعية (المسلمين)، أو أُحْرقوا في
محارق جماعية (الهندوس)، وبعد دمار مُروّع لأحياء دهلي، وشمل التدمير والنهب
المكتبات والمنتزهات والمنشآت الحضارية التي شيَّدها سلاطين دهلي، منذ افتتاحها
واتخاذها عاصمة للهند الإسلامية.
أحدثت تلك المذبحة جروحًا عميقة في نفوس أهالي دهلي، ظلت ذكراها راسخة في الوعي
الجمعي، لعقود. ونهَب نادر شاه ما في خزانة المغول، من سبائك ومجوهرات، بما فيها:
عرش الطاووس؛ رمز روعة المغول. والماستان العظيمتان: دارينور (بحر النور)، وكوهينور
(جبل النور). وفي 16 أيار 1739م، غادر نادر شاه دهلي، ومعه كنوزها محمولة على عربات
يجرّها 700 فيل، و4000 جمل، و12000 حصان، تاركًا السلطان المغولي على عرش أجوف،
لسلطنة متهالكة فاقدة لهيبتها ولهالة قوتها، ومُنهَكَة اقتصاديًّا، وفاقدة
المصداقية عسكريًّا، بعد أن كانت لا تُقْهَر، في عاصمة مُدمّرة ومحرومة من مواد
إعادة البناء، بعد أن كانت جوهرة متلألئة، فقد جرّدها الشاه من كل مقوماتها
الحضارية، حتى النجارين والحرفيين أخذهم معه إلى عاصمته أصفهان. ولو أنه وجد وسيلة
لحمل تاج محل والقلعة الحمراء لحملهما معه أيضًا.
تداعيات غزو نادر شاه للهند
لم يكن غزو نادر شاه للسلطنة المغولية في الهند كارثة عابرة، بل كان نقطة تحوُّلٍ
حاسمة في تاريخ الهند الإسلامية بأكمله. وإذا كان الغزو قد عزَّز مكانة هذا
الطاغية، كواحد من أقوى حُكّام عصره، ومَوَّلت المنهوبات الضخمة المزيد من حملاته
العسكرية التي رسَّخت سلطته، إلا أنها لم تُحقّق له استقرارًا دائمًا. فاستفادته من
غزو الهند ونَهْبه لثروات المغول الضخمة، كانت استفادة وقتية؛ لأنه كان فاشلًا
سياسيًّا وإداريًّا، وكان يزداد استبدادًا وبطشًا، كلما تقدم به العمر، حتى وصل إلى
درجة الجنون، ولهذا فقد اغتاله بعض رجاله عام 1747م، في نفس الليلة التي قصّ فيها
على زوجته الهندية أنه حلم بالإمام عليّ يتقدم منه غاضبًا، ويبصق في وجهه، وينعته
بالكلب.
لكنّ الثمن الذي دفعته السلطنة المغولية، جراء هذا الغزو الكارثي، كان فادحًا
جدًّا. فإن غزو هذا الطاغية للهند، حطَّم السلطة المركزية للمغول، ودمَّر ركيزتهم
المالية، وكشف عن ضعف السلطنة المالية عسكريًّا وإداريًّا، الأمر الذي شجّع المزيد
من الأمراء على الانفصال وتأكيد سلطتهم بعيدًا عن دهلي، وجعل القوى الهندوسية
والسيخية، ولاحقًا الشركة الإنجليزية، تُدرك أن وقت التحرُّك قد حان، فبدأت، في
توسيع مناطق نفوذها، وتسحب البساط من تحت أقدام المغول.
وأدَّى نهب نادر شاه للثروات والكنوز التي راكمها سلاطين المغول على مدى مائتي عام،
إلى تجريد السلطنة المغولية من عظمتها، وتركها ذليلة ومفتقرة، وذات سلطة رمزية، بعد
أن كانت القوة المهيمنة في شبه القارة الهندية، في حين انتقلت السلطة الحقيقية إلى
السلطنات غير الإسلامية المستقلة، وبخاصة سلطنات الهندوس والسيخ في شمال ووسط وغرب
شبه القارة الهندية.
وبدَّدت مذبحة دهلي ونَهْب كنوزها وتدمير أحيائها، هالة الحصانة والهيبة التي كان
يتمتع بها سلاطين المغول، وقوَّضت ثقة السكان في قدرة سلاطين المغول على حماية
شعبهم. وأدَّت سيطرة نادر شاه على الأراضي المغولية في غرب السند: قندهار والمناطق
المجاورة لبلاد فارس، إلى تقليص حدود السلطنة المغولية، وإلى جَعْلها عُرْضة لغارات
القبائل الأفغانية، والتي تصاعدت وتيرتها في العقود اللاحقة، ونهبت ما تركه نادر
شاه بدهلي، وزادت سلطنة المغول ضعفًا على ضعف. والخلاصة أن غزو نادر شاه للهند مثّل
النهاية الفعلية للسلطنة المغولية، وعزَّز طموحات كل طامع في خيرات الهند، وفي
مقدمتهم شركة الهند الإنجليزية[1]،
كما سيأتي في الفقرة اللاحقة.
صعود شركة الهند الشرقية
يُقال:
«لو
لم يَغْزُ نادر شاه الهند، لدخلها البريطانيون متأخرين، أو لم يدخلوها أصلًا».
فهل حقًّا لعبت غزوة نادر شاه للهند دورًا إضعافيًّا للسلطنة المغولية بما سهَّل
الأمور للاستعمار الأوروبي لاحقًا؟
الجواب:
«فيما
يتعلق بالسلطنة المغولية بالهند، فهي لم تخرج سالمة، بل خرجت متهالكة من غزوة نادر
شاه، والمذبحة الضخمة التي اقترفها جنوده، لكنّ النهضة الهندوسية- المراثية، وتعاظم
دور السيخ، وصولات الباشتون، وتباعد الحكام المحليين، كل هذا كان سابقًا لضربة نادر
شاه لأصل السلطنة المغولية. يبقى أن غزوة نادر شاه سرَّعت المسار الذي سيُفْضِي بعد
عقود قليلة عليه لبدء استعمار
«شركة
الهند الشرقية»
البريطانية، للهند، بدءًا من البنغال، ثم إجهازها على ما تبقى من سلطنة مغولية»[2].
وهذا يعني أن شركة الهند الشرقية، كانت المستفيد الأكبر من هذه الغزوة. فحتى 1738م
كان المغول يحكمون إمبراطورية تمتد من كابول إلى مدراس، وكانت الشركة تعتقد أن هذه
الإمبراطورية، لا تزال متماسكة وقادرة على إحباط أيّ محاولة قد تقوم بها لمدّ
النفوذ والسيطرة المباشرة، ولكن بعد هذه الغزوة، وما نجَم عنها من فراغ في السلطة،
انكسر الحاجز النفسي، وتنبّهت الشركة إلى الضعف الشديد الذي وصلت إليه
الإمبراطورية، وبدأت في التحرُّك لسدّ ذلك الفراغ، وتوسيع نفوذها من المدن الساحلية
إلى داخل شبه القارة، وصارت لاعبًا أساسيًّا فيها، وعزَّزت علاقاتها مع الأمراء
المستقلين المتصارعين، لتوسيع نفوذها التجاري وأنشطتها الأخطبوطية، وضخَّت الرشاوى
على الخونة من بطاناتهم وقادتهم، ليكونوا أعوانًا لها عند اللزوم، وشرعت في تجنيد
عشرات الآلاف من الهنود المُغفّلين، وزجَّت بهم في حروبها لإخضاع الأقاليم، مع
استعمارها للبنغال، أغنى ولايات الهند (1757م)، وطردها للشركة الفرنسية: منافستها
العنيدة على خيرات الهند (1764م)، وبدأت في ترسيخ مكانتها كقوة استعمارية في شبه
القارة، بأسلحتها الحديثة، وقواتها العسكرية المتنامية، وبالدعم المالي الضخم من
الصيارفة الهندوس، لتمويل آلتها الحربية وشراء ضمائر الخونة، وسيطرت على ولايات لم
يَعُد لسلاطين المغول المستضعفين قدرة على استعادتها. وهكذا، مهَّد انهيار سلطنة
المغول، الذي تسارع بفعل هذه الغزوة، الطريق للهيمنة الإنجليزية على الهند، تلك
الهيمنة الغاشمة، التي تطلبت أيضًا دهاءً هائلًا ومكائد وطغيانًا وابتزازًا ونكثًا
للعهود واستغلالًا بشعًا للخلافات الدينية، إضافة إلى قادة مغامرين ذوي قلوب متحجرة
وعقول ماكرة ووجوه صفيقة[3].
[1] استخدمت الحكومة الإنجليزية هذه الشركة كواجهة لاحتلال الهند، حتى تكون شماعة
لأنشطتها الإجرامية وممارستها السوداء المقززة. وهذا ما حدث فعلًا. فبعد الانتفاضة
الهندية الضخمة ضد الإنجليز (1857م)، وجهت الحكومة للشركة تهمة تدمير علاقة الشعب
البريطاني بالشعب الهندي، وأقصتها من الواجهة، وأمسكت الحكومة بملف الهند بصورة
علنية، مُبشِّرة بعهد جديد، استخفافًا وقحًا بعقول الهنود، وكأنها لم تكن تدري
باستعباد الشركة لهم وامتصاصها لدمائهم، ومسخها لهويتهم، والتسبب في فناء الملايين
منهم بالمجاعات والأوبئة.
[2] وسام سعادة، الكومنولث الإلزابيثي وما سلبه نادر شاه وما تبدَّد (مقال)، موقع
«القدس
العربي»
في 9-9-2022 رابط:
https://short-url.org/1pphq
[3] ولكن بينما كان الإنجليز مشغولين بفرض نير العبودية في الولايات الشمالية
والغربية، ظهر لهم في أقصى الجنوب قائدان عظيمان، حوَّلا وجودهم في الهند إلى كابوس
حقيقي، لمدة 40 عامًا، وهما حيدر علي خان سلطان ميسور، وابنه تيبو. ولكل منهما
وقفة؛ إن شاء الله تعالى!