كيف يمكن للتخريب الأيديولوجي أن يعيد تشكيل هوية المجتمعات، ويزعزع تماسكها الداخلي، عبر أدوات ناعمة واستراتيجيات طويلة الأمد، وما السبل الفاعلة لحماية الثوابت الفكرية وتعزيز المناعة الثقافية والسيادة الوطنية في مواجهة حملات التأثير الخارجي والتفكك الداخلي؟
التخريب الأيديولوجي (Ideological
Subversion)
عنوان مُقتبَس من مفكِّر روسي هو الباحث يوري بيزمينوف
Yuri Bezmenov[1]،
الذي غَاصَ في كشف صناعة مخاطر الانشقاقات الفكرية عالميًّا وآثارها الأمنية
والفكرية، وكَشَفَ عن أدوارها على الأمم والمجتمعات والدول، وذلك في دراسة
استقصائية بمقالات معنية في آليّات التخريب، وتمزيق الدول الوطنية، وتفكيك العقل
الجمعي للوحدة الفكرية أو الوطنية لأيّ دولة. وقد أوضح آليات التخريب الفكري
ومخاطره الحالية والمستقبلية على الدول المُستهدَفة، ومما قال عن هذا التخريب
وتمزيق الهويات للمجتمعات والدول: «تتساقط الدول الوطنية واحدةً تلو الأخرى، أو
تدخل في دوامة من الشلل المؤسّسي والاحتراب الأهلي، ممّا يطرح سؤالًا جوهريًّا
يتجاوز التفسيرات السطحية للأحداث اليومية، مفاده: هل ما يجري هو تآكل ذاتي، أم
عملية «هدم محكوم»
Controlled Demolition
خُطِّط لها بعناية فائقة؟»[2].
وكشف «بيزمينوف» عن مدى المخاطر وحجمها، في مقابلته المرجعية مع «جي إدوارد گريفين
G. Edward Griffin»،
وبيَّن أنّ 15 بالمائة فقط من ميزانية الاستخبارات وجهدها يذهبان للتجسّس
الكلاسيكي، في حين تُكرَّس الكتلة العظمى البالغة 85 بالمائة لعملية بطيئة وخبيثة
-بحسب تسميته- تُسمَّى (التخريب الأيديولوجي).
ويُعرِّف بيزمينوف التخريب الأيديولوجي، بأنّه ربما يكون عملية شرعية وعلنية وشديدة
البطء داخلة في الحريات الشخصية، لكنها تهدف إلى تغيير إدراك الواقع لدى كل مواطن
في الدولة المُستهدَفة، لدرجة لا يعود معها قادرًا على التوصّل إلى استنتاجات
معقولة تحمي مصالحه ومصالح مجتمعه وعائلته ووطنه، حتّى لو أُغرِق بالمعلومات
الصحيحة فيما بعد. وتكمن خطورة هذا السلاح في كونه لا يتطلّب جيوشًا جرّارة ولا
صواريخ عابرة للقارّات، بل هو سلاح يعمل على استغلال نقاط الضعف الكامنة في المجتمع
المُستهدَف، وتضخيمها، وتحويلها إلى أدوات انتحار ذاتي[3].
وهذا التخريب أو التمزيق وصناعة الانشقاق، يقتضي تبنّي وتسريب مفاهيم غريبة عن
النسيج الفكري للمجتمعات والدول وضخَّها تحت شعارات برّاقة، فلم يَعُد الدِّين أو
الأسرة أو الانتماء الوطني، ثوابت راسخة لدى الأجيال من خلال ضخّ هذه المفاهيم، بل
تحوّلت الثوابت الفكرية الدينية إلى موضوعات للنقاش والتشكيك والسخرية أحيانًا.
وبعد مرحلة الشكوك، يتحوّل المجتمع في مراحل الانشقاق الفكري والصراع العقدي إلى
كتل متصارعة، وتَبرُز حقوق الفئات الصغيرة على حساب المصلحة الوطنية العليا، فيبدأ
المواطن بالشعور بعدم الأمان النفسي والاجتماعي ممّا يجعله جاهزًا للانفجار. ويفقد
المجتمع في هذه اللّحظة مناعته تمامًا، ويصبح جاهزًا لأيّ منقذ خارجي أو داخلي، حتى
لو كان هذا المنقذ سيفرض أفكارًا أخرى مختلفة، وربما نظامًا استبداديًّا أشدّ وطأة[4].
ويتم هذا الهجوم المتكرر على الهوية الفكرية حتى يكون (التطبيع)
Normalization،
والشعور بأن هذا النقد المُوجّه للهوية الفكرية أو للإسلام بعقيدته الصحيحة مقبول
وطبيعي، وأنه وجهة نظر ورأي آخر! ولا تعني كلمة تطبيع هنا السلام، بل تعني (جعل
الوضع الشاذ طبيعيًّا مقبولًا). وهي مرحلة القبول بالأمر الواقع الجديد.
وتوضح المقالة البحثية لهذا المفكر الروسي، أن المرحلة التالية هي ظهور جيل تائه
وتافه، يرفض هويّته الفكرية، وينظر للغرب والشرق أو للنماذج المستوردة بانبهار، مع
احتقار عميق لكلّ ما هو محلّي أو ذاتي. وَوَصَف «بيزمينوف» هذا الجيل، بأنّه
(مُلوَّث) لدرجة أنّه لن يُصدّق الحقائق حتّى لو قُدّمت له بالوثائق والصور؛ لأنّه
فقد القدرة المعيارية على التمييز بين الحقّ والباطل وبين الصالح والفاسد.
ويأتي بعد هذا مرحلة (زعزعة الاستقرار
Destabilization)؛
إذ تنتقل الخطة بعد اكتمال عملية غسل الدماغ للجيل الجديد، إلى مرحلة أسرع وأكثر
عنفًا تستغرق بعض الأعوام اليسيرة، ولا يستهدف المُخطِّطون هنا العقول فحسب، بل
(الهياكل الأساسية) للدولة المُستهدَفة كالتعليم من خلال تحطيم وحدتها الفكرية
والثقافية أو أساسها التاريخي. وهو مخطط يُوضِّح مراحل إسقاط الأمم، بما في ذلك
التطبّع على أفكار أخرى، وقبول أو استسلامٍ لهذه الأزمة الثقافية، وما في هذا من
قبولٍ قسري لتقويض القِيَم والأخلاق[5].
ويتحقّق هدف زعزعة الاستقرار الأمني والسياسي هنا، دون أن يطلق العدوّ الخارجي
رصاصة واحدة؛ لأنّ المجتمع يمزّق نفسه بنفسه. يتحوّل المواطن إلى عدوّ لنفسه
ومجتمعه ووطنه، فلا عقيدة مُوجِّهة، ولا وحدة فكرية جامعة، ولا فكر موحَّد ولا
سِلْم اجتماعي مُتحقق. إن ما يجري من قبول الاستهداف أو التماهي معه، يجعل
المجتمعات الموحَّدة تعيش واقع مبدأ (فرّق تَسُد)، وتتحقق بهذا نظرية الباحث
«بيزمينوف» في إشغال الدولة بصراعات فكرية جانبية تحت مسميات التعددية الفكرية
والرأي والرأي الآخر، حتى حينما لا توجد تعدديات! وهو ما يستنزف قوتها ومواردها
ويمنعها من بناء أيّ مشروع نهضوي حقيقي[6].
تطرق الباحث إلى مسألة تحديد المسؤولية عن التخريب الأيديولوجي وصناعة الهويات
القاتلة في العالم العربي والإسلامي، مشيرًا إلى أن أجهزة الاستخبارات والقوى
الدولية تتصدَّر قائمة المتهمين. فالتخريب الأيديولوجي لا يزال عقيدة راسخة لدى
القوى العظمى، سواء تمثَّل ذلك في روسيا بوصفها وريثة استخبارات الاتحاد السوفييتي
(KGB)،
أو الولايات المتحدة عبر وكالاتها الاستخبارية والأمنية وأذرعها الناعمة، وصولًا
إلى القوى الإقليمية الصاعدة التي تعمل كوكلاء لها؛ حيث يُوظِّف الجميع هذه الأدوات
لإضعاف خصومهم. وتكمن مصلحة هذه القوى في بقاء دول المنطقة العربية سوقًا استهلاكية
ومصدرًا للطاقة فقط! وليست كتلة حضارية مُنافِسة تسيطر على المضائق والطاقة، لذا
تُعدُّ الانفصالية وتغذية المظلوميّات، من تفتيت الوحدة الفكرية الجامعة، وفي هذا
استثمارٌ إستراتيجي للأعداء والخصوم، منخفض التكلفة وعالي المردود[7].
وفي قراءةٍ تحليلية عميقة أخرى عن التخريب الأيديولوجي في الحالة الجورجية كأنموذج؛
كان الهدف منها في العهد السوفييتي إدماج جورجيا داخل الاتحاد السوفييتي ومنع
خروجها، وبعد الاستقلال كان الهدف مَنْع اندماجها في الغرب وإبقاءَها ضمن النفوذ
الروسي؛ من خلال الفكر والثقافة التي عملت عليها روسيا، وعن هذا العمل الأيديولوجي
كَتَبَ السفير الجورجي شوتا غفينيريا
Shota Gvineria
مقالةً بعنوان (التخريب الأيديولوجي والمنطق الإستراتيجي للتأثير
Ideological Subversion and the Strategic Logic of Influence)،
والمقالة بتفاصيلها تستوجب القراءات من السياسيين والمفكرين ورجال الأمن عن مخاطر
الاختراق الفكري والتخريب الأيديولوجي للدول؛ من خلال صناعة التمرد الأيديولوجي
الذي أشار إليه الجنرال والفيلسوف الصيني سون تزو
Sun Tzu
في كتابه (فن الحرب
The Art of War)،
بأن أعلى أشكال الحروب، هي التي تُحقّق الأهداف السياسية دون قتال! وهي الفلسفة
التي استفاد منها جهاز الاستخبارات الروسي «الكي جي بي»، وعمل بها[8].
ومع أن هذه الدراسة التحليلية لهذا السفير عن هذه الإستراتيجية التي تتعلق بدولة
جورجيا، إلا أنها منهجية سياسية عامة لكثير من الدول في استهداف أعدائها وخصومها،
تعمل بها معظم الدول بقوى ناعمة في إسقاط الخصوم والأعداء على حدٍّ سواء، لا سيما
أن الاختراق الفكري يجعل من المُستهدَفين عدم إدراك المصالح التي يجب أن يُدافعوا
عنها، ولا كيف يدافعون عنها؛ حيث تؤدي هذه الإستراتيجية إلى أن يصبح الأفراد غير
قادرين على التمييز بين الحقيقة والدعاية، لا سيما حينما تصل عملية التخريب
الأيديولوجي إلى التشبع الكامل لدى السياسيين والشعوب، لتصبح الأفكار الوافدة غير
قابلة للنقد أو التصحيح. بل لا يمكن لأيّ حجم من الحقيقة أو البيانات الصحيحة أو
المقاوِمة لها، إعادة تأهيل المُستهدَف بعد استهدافه. فالتحول الفكري الجيلي عن
الهوية الفكرية لأيّ وطن، يُعدُّ من أخطر أنواع التحولات[9].
ووفقًا للباحث الروسي «بيزمينوف»، وتعليقات شوتا غفينيريا، يعتمد التخريب
الأيديولوجي على أسلوب غير مباشر يقوم على التسلل الناعم والتأثير التدريجي بدل
المواجهة الصريحة، بهدف تفكيك المجتمع من داخله. ويركّز هذا النهج على إعادة تشكيل
القيم والمعتقدات الدينية والهوية الفكرية للمجتمعات والدول عبر مراحل، تبدأ
بالتكييف النفسي والفكري المتضمّن التنكُّر للهوية الفكرية الثقافية لتكون القابلية
للبديل، ثم تصل إلى إضعاف البنية الاجتماعية. وتُستخدم في ذلك أدوات مثل حملات
التضليل والدعاية لتشويه التاريخ والهوية، إلى جانب توظيف منظمات مُوجَّهة في
مجالات الإعلام والتعليم والمجتمع المدني. كما يشمل أحيانًا تدخلًا سياسيًّا عبر
دعم أطراف تُسهم في إضعاف الوحدة الوطنية لأيّ دولة، مما يؤدي في النهاية إلى إحداث
خلل واستبدال تدريجي في النسيج الفكري والمجتمعي كمقدمات للانشقاق السياسي[10].
وقد يؤدي التخريب الفكري بعد صناعته، إلى أحد سيناريوهين؛ بحسب الباحث شوتا: إما
تدخُّل فاعل أجنبي بشكل مباشر بعد التخريب الفكري، أو تصاعد الانشقاقات الفكرية إلى
احتكاكات محلية، ثم إلى مواجهة مدنية. وفي كلا السيناريوهين، يفقد المجتمع
المُستهدَف تماسكه الداخلي ووحدته وسيادته. وتكون الهزيمة ليست سياسية فقط، بل
كارثة جيلية[11].
ويُعلق الباحث «شوتا» عن الحالة الجورجية التي تكررت في أكثر من بلد، واصفًا الحالة
بأنها تآكلٌ في الأسس الأيديولوجية للمجتمع الجورجي بعمق. وصلت درجة الاستقطاب إلى
نقطة لم تَعُد فيها الوحدة الفكرية والثقافية قادرةً على تحقيق أبسط جوانب المصالح
الوطنية. كما يوضّح عن هذه التطورات الفكرية والثقافية للمجتمعات، كيف أن التخريب
الأيديولوجي في جورجيا لم يُفرَض فقط بالقوة الغاشمة والاحتلال، بل من خلال تآكل
بطيء ومنهجي في هزّ الثقة بالثوابت الفكرية لديه، تدعمه الثقة بالثقافات المؤسسية
الوافدة، التي تُسيطر على المشهد تدريجيًّا، لتتم صياغة أُسس المجتمع بطرق تخدم
النفوذ المطلوب، وما حدث في جورجيا حدث ويحدث في غيرها، فلم يَعُد التفوق العسكري
وحده قادرًا على ضمان الصمود الوطني. فتجربة عقدين في أفغانستان والحرب المستمرة في
أوكرانيا تُظهر أن القوة التقليدية -بدون التماسك الأيديولوجي والمقاومة المعرفية-،
غير كافية. هذا النوع من الصراع لا يمكن قياسه بسهولة بالدبابات أو القوة العسكرية.
إنما يتطلب الوعي المجتمعي والسياسي، والمعرفة القوية بأهمية التماسك بالانتماء
الفكري[12].
ومما نقلته المقالة البحثية في نظرية الباحث الروسي يوري «بيزمينوف»، قول أحد
الأعلام الفكرية في توصيف هذا الواقع: «ليس من الضروري أن تكون عميلًا لكي تخدم
عدوّك، يكفيك أن تكون غبيًّا»، فهل تعي الدول والمجتمعات المُستهدَفة؟! وهل يمكن أن
يعي بعض الأشاعرة والصوفية وغيرهم هذا التوظيف والاستغلال لهم، وما يُراد منهم بحق
إخوانهم؟! إن وصف الغباء يشمل فئات أخرى كذلك تعمل بغباء يخدم الأعداء والخصوم، كما
هو حال بعض الأكاديميّين الذين يتبنّون نظريات الاستشراق والمظلوميّات دون نقد،
ويعيدون إنتاجها في الجامعات. وعبر كثيرٍ من الإعلاميّين الذين يلهثون وراء الإثارة
والشهرة حتى لو كان ثمن ذلك إشعال فتنة أهلية. ومن خلال توظيف النشطاء الحقوقيّين
والمؤسسات البحثية والمراكز العلمية والمعرفية المشبوهة في أهدافها، ممن يستوردون
أجندات فكرية غربية لا تتناسب مع السياق المحلّي، ويصرّون على تطبيقها قسرًا! ممّا
يُحدث شروخًا فكرية في بنية المجتمعات والدول[13].
وباختصار عن التخريب الأيديولوجي: إن فيروس التخريب، لا يمكن له أن يفتِكَ بجسد ذي
مناعة فكرية قوية؛ إذ إن نجاح التخريب الخارجي والداخلي لأيّ مجتمع أو دولة، يعتمد
أساسًا على الفراغ العلمي والمعرفي أو الاضطراب الفكري، وأحيانًا على التسامح أو
التغاضي الداخلي تجاه هذا التخريب. وإن أخطر مراحل التخريب الأيديولوجي في الساحة
العربية والإسلامية هو: تعظيم خطر المنهج الصحيح للإسلام أو قبول تشويهه، مع تضخيم
المظلوميّات على الأقليات التي تنعم بحقوقها -والتي تَكَفَّلَ بحفظها الإسلام
بمنهجه الصحيح عبر قرون الإسلام-، وتحويلها من حقوق مشروعة إلى معاول هدم للكيانات
السياسية المُوحَّدة، ليكون هدم الأساس الفكري المُوحِّد والضامن لحقوق الأقليات
والآخرين، جزءًا لا يتجزّأ من مرحلة زعزعة الاستقرار الأمني والسياسي[14].
ويُعدُّ التخريب الأيديولوجي الذي قامت به دولة إيران في العقود الثلاثة الأولى من
هذا القرن في كثير من دول العالم العربي والإسلامي، أنموذجًا في صناعة الانشقاقات،
لكن هذا النموذج أصبح مكشوفًا وواضحًا، وقد أُشبع بحثًا بالكُتب والدراسات، خلافًا
للقوى الناعمة من مراكز ومؤسسات بحثية إقليمية ودولية تعمل بإستراتيجيات التخريب!
ولهذا، فهل ما تقوم به بعض المؤسسات الدولية مثل مؤسسة راند الأمريكية
Rand
من بحوث وتصنيفات عدائية للمسلمين، تزرع الانشقاق الفكري وتؤدي إلى التخريب
الأيديولوجي؟ وهل إبراز بعض الرموز الثقافية المثيرة للجدل والمُتصدرة للمشهد
الإعلامي، يدخل تحت مسمى (التخريب الأيديولوجي) كما هي إثارات كل من محمد شحرور،
وعدنان إبراهيم، وإسلام بحيري، ووسيم يوسف، وحسن المالكي، ويوسف زيدان، وعلي كيالي،
ومحمد فودة، رغم الاختلاف فيما بينهم في الأهداف والاتفاق في المخرجات؟ وهل إقفال
أو إلغاء المعاهد والمدارس الشرعية الدينية في اليمن والسعودية وموريتانيا وغيرها
جاء نتيجة سياسات التخريب الأيديولوجي المساندة للضغوط الغربية المعادية؟ ثم هل بعض
المؤسسات الإقليمية مثل المؤسسات الإماراتية العُلمائية والبحثية كما هي مؤسسة
طابة، ومؤسسة مؤمنون بلا حدود، ومركز المسبار للدراسات والبحوث، ومركز تكوين،
تُعدُّ في برامجها وندواتها وإصداراتها ومؤتمراتها، أدوات ووسائل فعَّالة في
التخريب الأيديولوجي بساحات الفكر العربية والإسلامية؟ لا سيما حينما أصبح كثير
منها مثار جدل إعلامي إقليميٍ واسع، كما حدث في دولة الأردن تجاه إحدى مؤتمرات
مؤسسة مؤمنون بلا حدود من مظاهرات واحتجاجات أدَّت الى إيقاف المؤتمر وعدم انعقاده[15].
وكما هي زخم المقالات الناقدة لأعمال وأنشطة هذه المؤسسات والمراكز في القاهرة
وغيرها[16].
والخلاصة: أن الصراع المعاصر، لم يعد مقتصرًا على الأدوات العسكرية أو السياسية، بل
أصبح الصراع الفكري والعقدي في مقدمة أدوات التأثير وبناء النفوذ بين الدول والقوى
المختلفة. فالعقيدة الدينية والفكرية تمثل الركيزة الأساسية في تماسك المجتمعات
وأمنها واستقرارها، وأيّ استهداف لها ينعكس مباشرة على وحدة الدولة السياسية
ومناعتها الداخلية.
وقد أظهرت نماذج بعض المؤسسات المطروحة في الساحات العربية والإسلامية، أن هناك
تَوجُّهًا مُنظَّمًا لتوظيف الدين، وإعادة تشكيله وخطابه بما يتوافق مع مصالح
سياسية وجيوسياسية إقليمية ودولية، من خلال دعم مراكز فكرية ومؤسسات بحثية تعمل على
إعادة تفسير الإسلام، أو تقديم نماذج بديلة له تحت شعارات التجديد والتسامح
والسلام. وفي هذا السياق برزت أدوار بعض المؤسسات الإقليمية التي تسعى إلى صناعة
«نسخ فكرية» جديدة، تُسهم -بحسب أدوارها العملية- في إحداث انقسامات فكرية
وانشقاقات ثقافية داخل المجتمعات الإسلامية.
وإضافةً إلى هذا، فإن المشروع الصليبي الصهيوني في عرض أو فرض (الديانة
الإبراهيمية) يدخل تحت محاولات التخريب الأيديولوجي، باعتباره مثالًا على محاولات
دمج الأديان أو تذويب الفوارق العقدية والتشريعية والأخلاقية، وفيه ما يوضح عن
أبعاد سياسية ودينية تهدف إلى طمس الخصوصية العقدية للإسلام. وقد أوضح هذا المقال،
أن ما يُعرَف بـ«التخريب الأيديولوجي» يمثل أداة إستراتيجية بعيدة المدى، تستهدف
تفكيك الهوية الفكرية للمجتمعات، عبر نشر الشكوك، وإضعاف الثوابت، وإثارة
الانقسامات الداخلية، حتى تصل المجتمعات إلى حالة من التنازع وفقدان التماسك
الذاتي، دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر.
وفي ضوء ذلك، فإن الحفاظ على الهوية العقدية والفكرية لأيّ دولة مسلمة، يُعدّ من
أهم مقومات الاستقرار والأمن، كما أن الوعي بمخاطر الصراعات الفكرية وأساليبها
الحديثة، يمثل ضرورة ملحّة لحماية المجتمعات من التفكك والانقسام. وعليه، فإن تعزيز
البناء العلمي الرصين، وترسيخ المرجعية المعرفية الأصيلة، مع الانفتاح الواعي على
العالم، يُعدّ من أبرز الوسائل لمواجهة هذه التحديات الفكرية المعاصرة.
ويخلص هذا المقال إلى أن أخطر ما تواجهه المجتمعات، ليس الهجوم الخارجي المباشر، بل
القابلية الداخلية للتأثر بهذه الطروحات الفكرية المؤدلجة، وأن الحفاظ على وحدة
الفكر والعقيدة يمثل الأساس الأمني وخط الدفاع الأول لدى أيّ دولة نابهة ضد هذه
التحديات.
كما يؤكد أن حالات صناعة الصراع الفكري المستمر، تتطلب وعيًا عميقًا، وقدرة على
التمييز بين الدعوات الإصلاحية الحقيقية، والمشروعات التي تستهدف تفكيك الهوية لأيّ
دولة تحت شعارات براقة.
وهو ما يتطلب إنشاء وإطلاق (مراكز دراسات وأبحاث) متخصصة معنية بهذا التخريب
الأيديولوجي الذي يستهدف وحدة الأوطان وبناء الإنسان، كما هي المراكز المعنية
بمعالجة التشدد والإرهاب؛ فكلتا الأيديولوجيتين قتل للبشرية وعائق للتنمية والنهضة
والانتماء والولاء، وهما خطران متساويان في الأثر على الأفراد والمجتمعات والدول.
[1] هو يوري ألكسندروڤيتش پيزمينوف
Юрий
Александрович
Безменов،
المنشقّ السوفييتي، وواجهة الاستخبارات السوفييتية، الذي كشف في عام 1984م عن
آليّات (التخريب الأيديولوجي). مع ربطٍ لهذه النظريّات بالواقع العربي المعاصر،
وتحديدًا القضايا الفكرية الموحدة للدول والمجتمعات، إضافةً إلى ظواهر تضخيم
«المظلوميّات» الإثنية والطائفية، كالسرديات الكردية والأمازيغية المتطرّفة،
وبالطبع الشيعية والصوفية في بعض البلدان الإسلامية ليتم انتهاك الأفكار الرئيسة
الموحّدة للدول بصناعة الانشقاق.
[2] مدونة البخاري، بعنوان: (هندسة الانهيار العظيم: تشريح آليّات التخريب
الأيديولوجي وتصنيع الهويّات القاتلة في البلدان العربية)، بتاريخ 3 فبراير 2026م،
الرابط التالي:
https://albukhari.com/87565/.
ويُعد هذا البحث خلاصة علمية عن التخريب الأيديولوجي من خلال خمسين مصدرًا من الكتب
والوثائق.
[3] المرجع السابق.
[4] المرجع السابق.
[5] المرجع السابق.
[6] المرجع السابق.
[7] المرجع السابق.
[8] شوتا غفينيريا، بعنوان: (التخريب الأيديولوجي والمنطق الاستراتيجي للتأثير
Ideological Subversion and the Strategic Logic of Influence)،
جيوبوليتكس
GEOpolitics،
بتاريخ 8 يوليو 2025م، الرابط التالي:
https://politicsgeo.com/ideological-subversion-and-the-strategic-logic-of-influence-2/
[9] المرجع السابق.
[10] المرجع السابق.
[11] المرجع السابق.
[12] المرجع السابق.
[13] مدونة البخاري، بعنوان: (هندسة الانهيار العظيم: تشريح آليّات التخريب
الأيديولوجي وتصنيع الهويّات القاتلة في البلدان العربية)، بتاريخ 3 فبراير 2026م،
الرابط التالي:
https://albukhari.com/87565/
[14] المرجع السابق.
[15] سي إن إن عربي، بعنوان: (السلطات الأردنية تعلن تفاصيل ما حدث مع مؤسس «مؤمنون
بلا حدود»)، بتاريخ 16 نوفمبر 2018م، الرابط التالي:
https://arabic.cnn.com/middle-east/are/2018/11/16/jordanian-authorities-details-founder-believers-without-borders
[16] انظر على سبيل المثال المقالات الناقدة التالية: سهام الدريسي، بعنوان
(المؤسسات الصوفيّة في الإمارات.. التوظيف السياسي الجديد)، مركز الفكر الإستراتيجي
للدراسات، 17 نوفمبر 2021م، الرابط التالي:
https://tinyurl.com/yhd62bne.
وانظر: الجزيرة نت بعنوان: (مؤمنون بلا حدود.. كيف تحاول الإمارات خلق إسلام على
مقاسها؟)، بتاريخ 19 نوفمبر 2018م، الرابط التالي:
https://tinyurl.com/rukhdwnh.
وانظر: إمارات ليكس، بعنوان (إمارات ليكس ترصد: أهداف استخبارية وراء تأسيس
الإمارات مركز المسبار)، بتاريخ21 ديسمبر 2020م، الرابط التالي:
https://tinyurl.com/57749vbn.