• - الموافق2026/06/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
سَدّ الأَحْلَام

هل يهزم الفقر أحلام الآباء حقًا، أم أن بذور الأمل التي يزرعونها في قلوب أبنائهم قادرة على تجاوز ما عجزت عنه أيديهم، وصناعة مستقبل لم يتوقعوه يومًا؟


يَرَاه النَّاس رَجُلًا عَادِيًّا، بِمَلَامِح هَادِئَة وَصَمْتٍ لَا يُثِير الِانْتِبَاه.

يَمْشِي فِي الحَارَة الضَّيِّقَة كَظِلٍّ يَعْرِف طَرِيقَه جَيِّدًا، يَحْمِل عَلَى كَتِفِه حَقِيبَةً بَالِيَةً فِيهَا بَقَايَا أَدَوَاتِه الَّتِي يَعْمَل بِهَا.

وَدَاخِل ذَلِك الهُدُوء الصَّامِت، تَعِيش عَاصِفَةٌ مِن أَحْلَامٍ مُؤَجَّلَةٍ لَا تَهْدَأ، أَحْلَامٌ بَدَأَت مُنْذ صِبَاه، حِين كَان يَرْفَع وَجْهَه إِلَى السَّمَاء، فَيَرَاهَا قَرِيبَةً كَأَنَّهَا تُومِئ لَه لِيَرْتَقِي إِلَيْهَا.

كَان يَحْلُم بِبَيْتٍ مِن طُوبٍ أَحْمَر عَلَى أَطْرَاف المَدِينَة، وَسَاحَةٍ صَغِيرَةٍ يَزْرَع فِيهَا شَجَرَة جَوَافَةٍ، وَصَوْت أَوْلَادِه يَمْلَأ الأَرْجَاء.

قَال لِنَفْسِه يَوْمًا: «إِنّ الَّذِي يَحْلُم بِقُوَّةٍ، يَصِل».

وَلَكِنّ الزَّمَن كَان لَه رَأْيٌ آخَر.

بَدَأَت الحِكَايَة حِين هَبَط الفَقْر عَلَى بَيْتِه كَغَيْمَةٍ سَوْدَاء لَا تُمْطِر إِلَّا الحِجَارَة.

كُلّ حُلْمٍ كَان يُعَلِّقُه فِي سَمَاء الأَمَل، سَقَط حَجَرًا بَعْد حَجَرٍ، حَتَّى تَرَاكَمَت الحِجَارَة أَمَامَه، فَصَنَعَت سَدًّا هَائِلًا بَيْنَه وَبَيْن مَا يُرِيد.

لَم يَعُد يَسْتَطِيع العُبُور، وَلَا يَقْدِر عَلَى الهَدْم.

فَوَقَف خَلْفَه، صَامِتًا، يَتَأَمَّل مَا تَبَقَّى مِن الضَّوْء.

تَزَوَّج سُعَاد، بِنْت الحَارَة الَّتِي عَرَفَهَا مُنْذ الطُّفُولَة.

كَانَت بَسِيطَةً، تَعْرِف كَيْف تَضْحَك رَغْم الأَلَم.

قَالَت لَه يَوْم الخِطْبَة: «لَيْس المُهِمّ مَاذَا تُعْطِينَا الدُّنْيَا، بَل المُهِمّ أَن نَبْقَى سَوِيًّا».

فَأَوْمَأ مُبْتَسِمًا، وَهُو لَا يَدْرِي أَنّ البَقَاء مَعًا يَحْتَاج أَكْثَر مِن الحُلْم.

مَرَّت السِّنُون سَرِيعًا.

رَزَقَهُم الله أَرْبَع بَنَاتٍ كَزُهُورٍ تَنْبُت فِي صَحْرَاء أَيَّامِه القَاحِلَة.

فِي كُلّ مَرَّةٍ كَان يَسْمَع الطَّبِيب يَقُولُ: «مَبْرُوك... بِنْت!»

فَيَبْتَسِم ابْتِسَامَةً خَافِتَةً يُخْفِي خَلْفَهَا رَجْفَة الحُلْم القَدِيم الَّذِي مَات صَغِيرًا.

كَان يَتَمَنَّى أَبْنَاءً ذُكُورًا يَحْمِلُون عَنْه تَعَب السِّنِين، وَلَكِنّ الله وَهَبَه قُلُوبًا أُنْثَوِيَّةً أَحَنّ مِن أَيّ سَنَدٍ رُجُولِيٍّ.

كُلّ بِنْتٍ كَانَت تَحْمِل فِي عَيْنَيْهَا حُلْمًا مُخْتَلِفًا:

الكُبْرَى تُحِبّ الكُتُب، وَتَقُول: إِنَّهَا سَتُصْبِح مُعَلِّمَةً تُعَلِّم الأَطْفَال كَيْف يَكْتُبُون أَحْلَامَهُمْ.

وَالثَّانِيَة تُدَاوِي عَرَائِسَهَا المَكْسُورَة وَتَقُولُ: «سَأُصْبِح طَبِيبَةً لِلْقُلُوب الصَّغِيرَة».

أَمَّا الثَّالِثَة، فَكَانَت تَبْنِي بُيُوتًا مِن الطُّوب فِي الحَوْش وَتَصِيحُ: «أَنَا مُهَنْدِسَة!»

وَالصُّغْرَى، بِشَقَاوَتِهَا، كَانَت تَرْفَع رَأْسَهَا إِلَيْه، وَتَقُولُ: «أَنَا، يَا أَبِي، سَأُصْبِح مُحَامِيَة، وَسَأُدَافِع عَن الفُقَرَاء مِثْلَك».

فَيَضْحَك وَهُو يَسْمَعهنّ، وَلَكِنّ ضَحكَه لَم يَكُن إِلَّا غِطَاءً لِوَجَعِه العَمِيق.

يَعْرِف أَنّ الفَقْر كَفِيلٌ بِأَن يَقْتُل الحُلْم قَبْل أَن يَنْطِق، وَأَنّ الكُتُب وَالطِّبّ وَالهَنْدَسَة تَحْتَاج إِلَى مَا لَا يَمْلِكُه.

فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، حِين نَامَت البَنَات، جَلَس إِلَى جَانِب سُعَاد فِي الغُرْفَة الضَّيِّقَة.

كَانَت تَرْفُو ثَوْبًا قَدِيمًا، وَالضَّوْء الأَصْفَر مِن المِصْبَاح البَاهِت يَرْسُم عَلَى وَجْهِهَا خُطُوطًا مِن التَّعَب.

قَال بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ:

«سُعَاد، أَنَا خَائِفٌ عَلَيْهِنّ... الحُلْم غَالٍ، وَنَحْن فُقَرَاء».

رَفَعَت رَأْسَهَا، وَنَظَرَت إِلَيْه طَوِيلًا، ثُمّ قَالَتْ:

«لَكِنّ الحُلْم، يَا حَسَن، لَا يُقَاس بِالْمَال، بَل بِالنِّيَّة وَالصَّبْر».

«وَالنِّيَّة، مِن غَيْر لُقْمَة عَيْشٍ، لَا تُعَلِّم وَلَا تُدَاوِي، يَا سُعَادُ».

«رُبَّمَا، وَلَكِنّ البَنَات رِزْقٌ، وَرُبَّمَا رِزْقُهُنّ سَيَفْتَح لَك بَاب رِزْقٍ جَدِيدٍ».

صَمَت طَوِيلًا، ثُمّ قَال كَأَنَّه يُحَدِّث نَفْسَهُ:

«طُول عُمْرِي أَحْلُم، وَلَكِنّ الحُلْم لَم يُطْعِم أَوْلَادِي قَطُّ».

نَظَر إِلَى يَدَيْهَا وَهِي تَرْفُو الثَّوْب بِخُيُوطٍ بَيْضَاء، فَتَذَكَّر أُمَّه وَهِي تَقُول لَه فِي طُفُولَتِهِ:

«الرِّزْق مَكْتُوبٌ، يَا وَلَدِي، فَلَا تَسْتَعْجِل رَبَّكَ».

يَوْمَهَا كَان يَظُنُّهَا كَلِمَاتٍ لِتَسْكِين الجُوع، وَلَكِنَّه الآن يَفْهَمُهَا تَمَامًا.

فِي الصَّبَاح، خَرَج إِلَى عَمَلِه البَسِيط.

كَانَت الرِّيح بَارِدَةً، وَالشَّوَارِع رَطْبَةً مِن مَطَر اللَّيْل.

يَسِير بِخُطًى بَطِيئَة وَلَكِن ثَابِتَة، يُحَيِّي الجِيرَان، وَيُمْسِك بِيَدِه كِيسًا صَغِيرًا فِيه خُبْزٌ وَيَوْمِيَّاتٌ مِن الصَّبْر.

فِي الطَّرِيق، تَذَكَّر زَمِيلَه القَدِيم الَّذِي هَاجَر إِلَى الخَلِيج وَأَصْبَح غَنِيًّا، فَقَال فِي نَفْسِهِ:

«الفَرْق بَيْنِي وَبَيْنَه لَيْس فِي القَدَر، بَل فِي الفُرْصَة... وَأَنَا لَم تَأْتِنِي».

حِين عَاد عِنْد المَسَاء، اسْتَقْبَلَتْه البَنَات عَلَى البَاب، كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنّ تَحْمِل دَفْتَرَهَا الصَّغِير.

قَالَت الكُبْرَى بِحَمَاسٍ بَرِيءٍ:

«أَبِي، انْظُرْ! حَصَلْت عَلَى عَشْرَةٍ مِن عَشْرَةٍ فِي الحِسَابِ!»

فَضَحِك وَضَمَّهَا إِلَى صَدْرِه، وَهُو يَشْعُر بِشَيْءٍ دَافِئٍ يَتَسَلَّل إِلَى قَلْبِه.

قَالَت الثَّانِيَةُ:

«وَأَنَا رَسَمْت لَك مُسْتَشْفًى، سَأَبْنِيهَا حِين أَكْبُرُ!»

وَالثَّالِثَة قَالَت بِفَخْرٍ:

«انْظُرْ، يَا أَبِي، هَذَا البَيْت الَّذِي بَنَيْتُه مِن الطِّين، سَيَكُون بَيْتَنَا حِين نَكْبُرُ!»

أَمَّا الصُّغْرَى، فَقَفَزَت فِي حِجْرِه وَقَالَتْ:

«أَبِي، كَتَبْت فِي الإِنْشَاء عَنْكَ!»

فَابْتَسَم وَسَأَلَهَا:

«وَمَاذَا كَتَبْت، يَا نُور عَيْنِي؟»

فَقَالَتْ:

«كَتَبْتُ فِي دَفْتَرِي أَنَّك البَطَل الَّذِي لَا يَخَاف الفَقْرَ».

ارْتَعَشَت عَيْنَاه، وَابْتَلَع دَمْعَتَه صَامِتًا.

لَم يَكُن بَطَلًا، بَل كَان رَجُلًا يُحَاوِل أَن يَنْجُو.

وَلَكِنَّه، حِين نَظَر فِي وُجُوهِهِنّ، أَدْرَك أَنّ البُطُولَة لَا تَكْمُن فِي امْتِلَاك المَال، بَل فِي القُدْرَة عَلَى إِبْقَاء الأَمَل حَيًّا رَغْم الفَقْر.

فِي اللَّيْل، حِين أَطْفَأ المِصْبَاح، تَمَدَّد عَلَى سَرِيرِه وَتَأَمَّل السَّقْف.

هَمَس فِي نَفْسِهِ:

«رُبَّمَا لَم يَمُت الحُلْم، وَلَكِن غَطَّاه غُبَار الأَيَّام. رُبَّمَا هَؤُلَاء البَنَات سَيُكْمِلْن مَا أَوْقَفَه السَّدّ».

ثُمّ أَغْمَض عَيْنَيْه وَهُو يَبْتَسِم، كَأَنَّه يَرَى الحِجَارَة الَّتِي سَدَّت طَرِيقَه تَتَهَاوَى حَجرًا تِلْو الآخَر،

وَتَنْفَتِح مِن وَرَائِهَا سَمَاءٌ صَافِيَةٌ، تُمْطِر نُورًا... لَا فَقْرًا.

 

أعلى