• - الموافق2026/04/19م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
عائدون نحو ضوء يتجاوز الركام

كيف تتحول تجربة العودة إلى غزة بعد الدمار إلى سرد إنساني عن البقاء وإعادة الإعمار، وما الذي تكشفه تفاصيل الحياة اليومية في البيت المهدّم عن قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى أمل، والركام إلى بداية جديدة تحمل معنى الوجود والاستمرار بعد رحلة فقد طويلة جدًا؟


 

أنا بلال، أكتب هذه الحكاية بعدما أصبحت خطواتي تطرق أرضًا أعرفها وتعرفني. بعد أن خفَّ الدخان، وسكتت الطائرات، وعُدْنا نحمل السلام على أكتافٍ أنهكها النزوح، إلى غزة التي لم تفارقنا يومًا وإن غبنا عنها شهورًا. لم تكن العودة سهلة، كانت تشبه السير على جرحٍ مفتوح، لكن في كل خطوة كنا نلتقط من الأرض ما يُعيدنا إلى الحياة: حجرًا من بيتنا، رائحة خبزٍ قديم، أو صوتًا يهمس من بين الركام بأننا ما زلنا هنا.

حين اقتربت السيارة من الحي، بدا الطريق مألوفًا وغريبًا في آنٍ واحد. الأرصفة المهدّمة صارت تحكي قصصًا عن الأيام الماضية، والجدران السوداء تهمس بما لا يُقال. لكن خلف كل ذلك، كانت رائحة البحر تعود إلينا كما تعود الروح إلى الجسد. نظرتُ من النافذة أبحث عن شجرة التين التي كانت في زاوية شارعنا، فوجدت جذعها قائمًا، وإن غابت أوراقها. قلتُ في نفسي: حتى الأشجار تتعلم الصبر في غزة.

تقدمتُ بخطواتٍ حذرة، وأمي تمسك بيدي كما كانت تفعل في طفولتي، كأنها تخشى أن أضيع من جديد. نظراتها تختزل تعب السنين، لكنها تلمع بشيء يشبه الرجاء. كان أبي يسير أمامنا، يرفع رأسه عاليًا وكأنه يُعلن أننا عُدْنا أخيرًا. وقفنا أمام بيتنا المُهدَّم جزئيًّا. الجدران التي كانت تُحيط بنا يومًا أصبحت نصف ظلٍّ، ونصف حُلم. فتح أبي الباب الصدئ ببُطْء، وارتدّت إلينا رائحة التراب والذكريات. قالت أمي بصوتٍ مرتعش: «هذا بيتنا... لم يمت».

دخلنا نتحسّس المكان كما يتحسس الأعمى وجه حبيبٍ غاب عنه طويلًا. الأثاث مُغطَّى بالغبار، والمطبخ صامت إلا من صدى الماضي. وجدت في الزاوية دفتري المدرسي الذي أخذته معي في أول أيام الحرب ثم فقدته في الطريق. قلبتُ صفحاته فوجدت سطرًا كنت كتبته قبل النزوح: «غدًا سنزرع شجرة في الحديقة». ابتسمتُ دون قصد؛ لأن الغد عاد، ولو متأخرًا.

في الأيام الأولى، بدأنا نعيد ترتيب الأشياء. كنا نكنس الركام كأننا نزيل الحزن عن القلب. الجيران خرجوا بدورهم، بعضهم يحمل أدوات بسيطة، وبعضهم يحمل وردًا. كانوا يتبادلون التحية بنبرةٍ حارةٍ فيها وجَع، وفيها امتنان لأنهم ما زالوا أحياء. أحد الشباب فتح ورشة النجارة القديمة، وقال لي وهو يبتسم: «نُعيد الحياة بالمسامير والمطرقة، لا بالانتظار».

في السوق، عاد الباعة إلى أماكنهم. الأصوات نفسها لكن بنغمةٍ جديدة، فيها فرحٌ خجول. رأيتُ بائع الخبز الذي كان يُغنّي كل صباح، سألته: «أين كنتَ؟» قال وهو يضحك: «في الانتظار، مثل الخبز حين يختمر قبل أن يعود إلى الفرن». أدركتُ وقتها أن العودة ليست مجرد عودةٍ إلى البيوت، بل إلى الإيقاع الذي يجعلنا بشرًا.

وفي المدرسة التي رمَّمتها أيدي الشباب، جلس الأطفال لأول مرة منذ شهورٍ على مقاعدهم الخشبية. نظرتُ إليهم، إلى دفاترهم الجديدة التي تفوح برائحة الورق، وقلتُ في نفسي: هذه هي البداية الحقيقية للسلام. كانت أختي الصغيرة آمِنَة تركض في الساحة وتضحك، فسألتني: «بلال، هل سنبقى هنا هذه المرة؟» أجبتها وأنا أنظر إلى السماء التي صارت صافيةً أخيرًا: «نعم، يا آمنة. لن نرحل بعد اليوم».

كل مساء، كنتُ أصعد إلى سطح بيتنا، أنظر إلى المدينة وهي تتعافى ببطءٍ من جراحها. هناك عمال يُرمّمون النوافذ، ونساء يغسلن واجهات البيوت، وأطفال يملؤون الأزقة ضجيجًا كأنهم يُعلنون للعالم أن غزة بدأت تتنفس من جديد. كنتُ أسمع أبي يقرأ القرآن بصوتٍ خافت، وأمي تهمس بالدعاء، فأشعر أن الجدران المُهدَّمة تستعيد معنا إيمانها.

لم يختفِ الألم، لكنّه صار أكثر طراوة، كغصنٍ جفَّ ثم عاد يسقيه المطر. كنا نعلم أن الندوب ستبقى، لكننا أيضًا أدركنا أن الجراح يمكن أن تُصبح تربةً يُزرع فيها الأمل.

زرعنا شجرتين أمام البيت: واحدة لذكرى مَن فقدناهم، وأخرى لما ينتظرنا من حياة.

في الليلة الأخيرة قبل أن أكتب هذه السطور، جلست على الشاطئ أراقب الأمواج وهي تُلامس الحجارة برفق. البحر نفسه الذي شهد نزوحنا، صار الآن شاهدًا على عودتنا. نظرت إلى الأفق، ورأيت خيط نورٍ يتسلّل من خلف الغيم، فقلت في نفسي: «حتى الشمس تعود إلى غزة من جديد».

أدركتُ أن العودة لا تعني أن كل شيء عاد كما كان، بل أن لدينا الشجاعة لنبدأ من جديد. السلام الذي نحياه ليس هديةً من أحد، بل ثمرة تعبٍ طويل، وإصرارٍ لا يلين. نحن الذين عرفنا معنى الفقد، نعرف الآن قيمة الوجود.

الآن، حين يسألني أحدهم: من أين أنت؟ أقول بثقةٍ ودمعةٍ في العين: «أنا من غزة، المدينة التي تعبت كي تبتسم، والتي تعلّمت أن تنهض بعد كل سقوط».

وأؤمن، في أعماقي، أن ما بعد هذا الركام ليس سوى ضوء جديد، ضوء يتجاوز الألم، ويصنع منّا شعبًا يعرف أن الأمل لا يُمنَح، بل يُزْرَع، كما نزرع نحن اليوم بذور العودة في أرضٍ لم تفقد قلبها أبدًا.

 

أعلى