• - الموافق2026/04/20م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
تاريخ الطباعة: من جوتنبرج إلى بولاق

ما السر وراء رحلة انتقال الطباعة من أوروبا إلى إسطنبول ثم بيروت ومصر، وكيف ساهمت المطابع الأولى في إحياء التراث العربي، ولماذا كان دخول علامات الترقيم نقطة فاصلة غيّرت شكل النصوص العربية وأساليب القراءة والفهم عبر القرون حتى العصر الحديث بأسلوب غير متوقع


مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

أما بعد: ففي أثناء بحثي عن تاريخ إحياء التراث العربي، وبيان الجهود التي قامت بها دُور النشر والمطابع في ذلك؛ ظهر لي بدايات ظهور الطباعة في العالم، ثم دخولها للعالم الإسلامي، فكان هذا المقال هو تتبُّع لمراحل اختراع المطبعة في العالم، مع رصد بدايات الطباعة في العالم العربي والإسلامي، والحديث عن تاريخ علامات الترقيم، وإدخالها إلى اللغة العربية.

 تاريخ المطبعة

تعود بداية هذا النشاط الفكري، إلى القرن الخامس عشر الميلادي، الموافق للقرن التاسع الهجري، حينما اخترع الألماني يوهان أو يوحنا جوتنبرج المطبعة في سنة 1436م أو 1437م[1]، فكان أول كتاب طُبِعَ هو التوراة ذات الـ22 سطرًا في سنة 1450م، فيما نص كوركيس عواد على أن أول كتاب طُبِع في العالم، هو الكتاب المقدس في ثلاثة مجلدات، وكان ذلك في سنة (852هـ- 1450م)، وما زالت بعض نُسَخه موجودة حتى اليوم، وهذا يعني أن الطباعة عُرِفت في العصر الذي كان يعيش فيه بعض علمائنا المحققين، مثل الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-، المتوفى سنة 852هـ.

لم تظهر الطباعة العربية في ألمانيا إلا لاحقًا، فقد كان مهد الطباعة العربية الأول، في أوائل القرن السادس عشر الميلادي في إيطاليا؛ إذ ظهرت أول مطبعة عربية في مدينة فانو، بأمر البابا يوليوس الثاني، وافتتحها ليون العاشر سنة 1514م، فكان من أوائل ما طُبِعَ فيها سفر الزبور، ثم مطبعة البندقية، وفيها طُبِعَ القرآن الكريم للمرة الأولى، ثم صدرت نسخة وقُضِي عليها بدافع التعصب، ثم طُبعت أول ترجمة إيطالية للقرآن الكريم سنة 1547م، وذُكر أن أول كتاب طُبع باللغة العربية كان كتاب الآجرومية في علم النحو في روما سنة (1000هـ -1592م)، وفي سنة 1593م طُبعت بمطبعة روما بعض كتب ابن سينا، مثل: القانون، وعلم المنطق، وكتاب النجاة.

ثم تعددت المطابع العربية في أوروبا، وطُبع فيها مئات الكتب العربية، في لندن وباريس وليبزج وليدز وغوتنجن وروما وفينا وبرلين وبطرسبرج[2].

دخول المطبعة للعالم العربي والإسلامي

ظهرت الطباعة في العالم الإسلامي، في الأستانة (إسطنبول) بتركيا، فقد عرفتها قبل بلدان الشرق الأدنى والأقصى، بعد اختراعها بحوالي أربعين سنة، وذُكِر أن البدايات تعود إلى ما قام به أحد علماء اليهود، ويُدعى (الربى إسحق حرشون)، عندما أحضر معه مطبعة وحروفًا عربية؛ لينشر بها كُتب اليهود، فتصدَّى لها في أول الأمر سلاطين آل عثمان، فقد أصدر السلطان العثماني بايزيد الثاني سنة 1485م، أمرًا يحرم على غير اليهود استخدام المطبعة، وقد ظلت هذه المطبعة تعمل حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.

وفي بدايات القرن الثامن عشر الميلادي، تردد الناس في طباعة كتب الحكمة واللغة والتاريخ والطب والفلك، فلم يجرؤ أحد على طباعتها، إلا بعد ظهور فتوى شيخ الإسلام عبدالله أفندي، في سنة (1129هـ-1716م) بجواز ذلك عدا الكتب الدينية، ثم صدرت فيما بعد فتوى بجوازها، وكان من أشهر المطابع فيها مطبعة الجوائب لأحمد فارس الشدياق[3]، التي نشرت جريدة الجوائب، وهي من أوائل الجرائد العربية في السلطنة العثمانية؛ إذ سبقتها جريدة مرآة الأحوال لرزق الله الحلبي، كما اهتمت الجوائب بنشر التراث؛ فطبعت كثيرًا من الكتب الدينية.

  كانت لبنان في طليعة البلدان العربية، التي ظهرت فيها الطباعة وذلك في سنة 1610م، وكان غالب القائمين عليها من النصارى بشتى فِرَقهم ونِحَلهم، وكان اهتمامها بطباعة أمهات كتب التراث العربي، من الكتب الدينية وبعض كتب الأدب والتاريخ والشعر، والكتب المدرسية، فظهرت أول المطابع  على يد رهبان دير قزحيا، وكان أول مطبوع عندهم المزامير بالسريانية والكرشونية، وأما المطبعة العربية فقد كانت عن طريق الشماس عبدالله زخريا (الزاخر)، حينما أنشأها في دير مار يوحنا الصابغ، وطبعت أول كتاب لها سنة 1733م، وهي تُعرف باسم مطبعة الشوير، وهناك مطبعة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في بيروت سنة 1753م، وكذلك المطبعة الأمريكية للمبعوثين الأمريكان، التي أُنشِئت في مالطا سنة 1822م، ثم نُقلت إلى بيروت سنة 1834م، وهناك المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين سنة 1854م، التي وُصِفَت بأنها «وَثَبَت بالطباعة العربية وثبة كبيرة»، حينما ابتعدت عن الصبغة النصرانية شيئًا ما، ونشرت كثيرًا من أصول اللغة والأدب، والمطبعة السورية لخليل الخوري في سنة 1857م، ومطبعة المعارف لبطرس البستاني 1867م التي نشرت دائرة المعارف.

جاءت سوريا بعد تركيا ولبنان في الطباعة، وكان ذلك في مدينة حلب، وهي أول مدينة سورية عَرفت الطباعة، حينما أنشأ البطريرك (إثناسيوس دباس) مطبعة في سنة 1706م، وطُبِع فيها كتاب المزامير، كما طبع الإنجيل وبعض كُتب النصارى، ولم تستمر هذه المطبعة سوى سبع سنين، ثم تلا ذلك مطبعة حجرية لرجل يُدْعى بلفنطي، كما كان في دمشق مطبعة الحروف باسم مطبعة الدوماني، وهناك أيضًا مطبعة حلب المارونية، ثم أنشأت الحكومة العثمانية أول مطبعة لها بسوريا، في سنة (1281هـ -1864م).

أما مصر فقد تأخرت في مجال الطباعة، وكان ذلك في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر؛ إذ كانت أقدم مطبعة في مصر، هي مطبعة الحملة الفرنسية، التي أحضرها نابليون سنة 1798م، لطبع المنشورات السياسية والأوامر باللغة العربية، وكانت تعمل على ظهر سفينة في البحر، في قبالة شواطئ الإسكندرية، وقد جهَّزها بحروف عربية وتركية وفرنسية ويونانية، ثم نُقِلَت لاحقًا إلى القاهرة، وأطلق عليها المطبعة الأهلية، فطبعت كتاب الهجاء باللغات العربية والتركية والفارسية، وكان يُوضَع على الغلاف مطبعة الجمهور الفرنساوي، واستمرت في عملها حتى انسحاب الاحتلال الفرنسي سنة 1801م.

بقيت مصر مدة عشرين عامًا دون مطبعة، حتى استقر الأمر لمحمد علي باشا، فأنشأ في سن (1819م أو 1821م)، مطبعة على أنقاض المطبعة الأهلية الفرنسية، وسماها المطبعة الأهلية، ثم نُقِلَت إلى بولاق وعُرِفَت بمطبعة بولاق، وقد استمرت لمدة 90 عامًا، طبعت خلالها مئات الكتب العربية في مختلف الموضوعات، وقد كان محررو المطابع من طلبة العلم الأزهريين، وأما المشرفون على الطباعة فكانوا من علماء الأزهر، وعلى رأسهم نصر الدين الهوريني، كما كان من المصححين الذين اشتهروا في تلك الأثناء، الشيخ محمد بن عبدالرحمن الشهير بقطة العدوي، ولهذا نَدر في مطبوعات بولاق التحريف والتصحيف.

 وتجدر الإشارة إلى أن هذه المطبعة كانت نواة المطبعة الأميرية، وظهر إلى جانبها مطبعتان حكوميتان في طرة وأبي زعبل، ولا تزال مطبعة بولاق تقوم على طباعة المنشورات الحكومية، وبعض مطبوعات مجمع اللغة العربية، وتقع هذه المطبعة على ضفاف نهر النيل، بالقرب من مبنى الإذاعة والتلفزيون الشهير (بماسبيرو).

ظهرت بعد ذلك عدد من المطابع غير الأميرية، التي عُرفت باسم المطابع الأهلية، فقد أنشئت في سنة 1860م المطبعة الأهلية القبطية، والتي عُرفت لاحقًا باسم مطبعة الوطن، ثم أُنشئت في سنة 1866م مطبعة وادي النيل، ثم تعددت المطابع في عهد عباس أفندي فانتشرت في سائر المدن المصرية الكبرى، كما أن هناك مطابع عُنيت بطباعة المصحف الشريف، مثل: مطبعة عبدالرحمن محمد، ومطبعة الشمرلي.

وقد برزت بعض المكتبات الشهيرة في مصر التي ذاع صيتها، وكانت لها مشاركات وأدوار كبيرة في إحياء التراث ونشره، ونذكر على سبيل المثال:

المكتبة الميمنية:

أنشأها أحمد البابي الحلبي سنة 1858م، وهو عمّ كلٍّ من: مصطفى وعيسى وبكري ممن ينتمون لعائلة البابي الحلبي، وقد اشتهرت بطبع كتاب مسند الإمام أحمد بن حنبل، وكان العزو عليها، حتى ظهر تحقيق شعيب الأرناؤوط للمسند.

دار الكتب العربية الكبرى:

تُوفّي أحمد البابي الحلبي، واستمر عمل المكتبة على هذا الاسم الجديد؛ حيث تولّى إدارتها أبناء أخيه وقتًا طويلًا، وفي سنة 1928م، تفرعت إلى فرعين؛ الأول: (مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده)، وكان الآخر باسم (دار إحياء الكتب العربية) بإدارة عيسى البابي الحلبي، وكان لهما حظ وافر ونشاط ملموس في إحياء التراث. 

دار المعارف:

لم تأخذ دورها في إحياء التراث بصيغته الجديدة إلا في سنة 1942م، على يد الأستاذ عبدالسلام هارون والشيخ أحمد شاكر، حينما اقترحا على الدار نشر مجموعات من عيون الشعر، واستجابت الدار فنشرت ذخائر العرب، التي بلغت 39 كتابًا في أكثر من عشرة مجلدات.

خزائن الكتب في مصر:

كانت هناك مكتبات خاصة لبعض العلماء والوجهاء، من أبرزها:

1. الخزانة التيمورية، لأحمد بك تيمور باشا، وفيها 20000 مجلد.

2. الخزانة الزكية، لأحمد زكي باشا، وفيها 18000 مجلد[4].

3. مكتبة جلياردو بك رئيس مدرسة الطب، وفيها 9000 مجلد، أكثرها في اللغة الفرنسية وبعض لغات أوروبا.

4. المكتبة الآصفية، لمحمد بك آصف علي باشا، ابن أخت أحمد تيمور باشا، وفيها 6000 مجلد.

ظهور المطابع في بقية العالم الإسلامي

عرف العراق أول مطبعة حجرية في سنة 1830م، ثم ترسخت الطباعة في العراق سنة 1856م، على يد الرهبان الدومينيكان، حينما أسَّسوا مطبعة كاملة في الموصل، وفي السنة نفسها بدأت الطباعة في فلسطين، وفي عام 1877م أمر السلطان العثماني عبدالحميد الثاني، بإنشاء مطبعة عربية بصنعاء في اليمن، ثم أسَّست الحكومة العثمانية بعد خمس سنوات مطبعة في الحجاز، وقد تأخَّرت الطباعة في عمّان بالأردن إلى سنة 1922م.

كما ظهرت مطابع عربية في بلدان غير عربية في الهند وباكستان، مثل: مطابع لاهور وكلكتا وبومباي ولكناو وحيدر آباد، وكانت هذه الأخيرة من أبرز المطابع عناية بنشر موسوعات التراث العربي[5]

رائد إحياء التراث العربي

حينما تُذكَر المطابع ودُور النشر، لا بد أن يَرِد ذِكْر رائد إحياء التراث العربي في تاريخنا المعاصر، وهو الأستاذ أحمد زكي باشا، يقول عنه أنور الجندي: «ومن هؤلاء النوابغ: أحمد زكي باشا، الملقب بشيخ العروبة، والرائد المصري الأول لإحياء الآداب العربية، والبحث عن ذخائر المخطوطات وجمعها أو تصويرها بالفوتوغرافيا وتحقيقها. والعلامة الباحث الذي حقّق عشرات القضايا والمواقف والمواقع، والأعلام وأسماء البلدان وكلمات اللغة، وهو أول مصري في العصر الحديث زار الأندلس، وأطلق عليها ذلك الاسم الذي اشتهرت به من بعد «الفردوس الإسلامي المفقود»، وصاحب المكتبة الزكية التي تضم 18 ألف مجلد، وسكرتير الجامعة المصرية القديمة، وأول مَن أدخل الترقيم في كتاباتنا العربية الحديثة، واختصر حروف الطباعة»[6].

أَوْلى أحمد زكي باشا اهتمامه بمجال تحسين المطبعة العربية، فكان له جهد ضخم ما يزال باقيًا حتى يومنا هذا؛ إذ كانت حروف المطبعة العربية 905 أشكال، فتمكن من اختصارها إلى 132 شكلًا، شاملة قواعدها في الرقعة والثلث، وهو جُهد شاركه فيه حمزة فتح الله وأمين سامي، فيما كانت مطبعة بولاق الأميرية آنذاك، ما زالت محتفظة بأشكال الحروف القديمة، التي ظهرت مع نشأة الطباعة.

سافر أحمد زكي باشا إلى الأستانة وأوروبا مع (شيلو بك) مدير المطبعة الأميرية للنظر في الوسيلة العملية، لاختصار حروف الطباعة وتسهيل جمع الحروف، فقام أحمد زكي بعمل تجارب واختبارات يومية، طيلة ثلاثة شهور في مطبعة بولاق، حتى تمكَّن من الاقتصار على 132 حرفًا و46 علامة، بدلًا من الحروف التسعمائة التي كانت تُستعمل بمطبعة بولاق، فكان باستطاعة تلك الحروف الجديدة؛ جمع أي عبارة عربية أو تركية أو فارسية، مهما كانت صعوبتها الخطية والمطبعية[7].

لم يكن دور أحمد زكي باشًا مقتصرًا على تطوير الطباعة، بل توّج ذلك بجهد رائع، حينما قام بإدخال علامات الترقيم على الكتابة العربية، وفق النسق المستعمل في كتابة اللغات الأوروبية، وفصّل ذلك في رسالة أصدرها عام (1330هـ/ 1912م)، ونسب الفضل في ذلك إلى حشمت وزير المعارف آنذاك، الذي طلب استنباط طريقة لوضع العلامات، ثم قدم أحمد زكي مشروعه للوزير، فهذَّبه وأكمل ما فيه من نقص، ورأى الاستئناس برأي أهل الفضل والأدب، فعرض أحمد زكي باشا هذا المقترح على جمهور كبير، فوافقوه عليه وأمدّوه ببعض المعلومات والإرشادات، نذكر منهم: أحمد تيمور باشا، والشاعر أحمد شوقي، وجرجي زيدان، ومحمد رشيد رضا، والدكتور يعقوب صروف، وغيرهم.

اصطلح أحمد زكي باشا على تسميته بالترقيم؛ لأن هذه المفردة تدل على العلامات والإشارات والنقوش، التي تُوضَع للدلالة على الرموز المخصوصة في الكتابة وفي تطريز المنسوجات، ومنها أخذ علماء الحساب لفظة رقم وأرقام؛ للدلالة على الرموز المخصوصة للأعداد، فنقلها للاصطلاح الجديد؛ لما بينهما من الملابسة والمشابهة.

كان الدافع لأحمد زكي باشا في ذلك أنه بعد ظهور الطباعة العربية، زادت الحال إشكالًا وتعقيدًا، فالكتاب من أوله إلى آخره مسود بالكتابة ومليء بالأسطر، بلا فاصل يستريح اللسان أو النظر عنده، فأضاف علامات إفرنجية ورموزًا أخرى، وكان بعض هذه العلامات مستخدمًا لدى النساخ المصريين، وكذلك استُخدمت مِن قِبَل الأتراك في مطبوعاتهم، وخصوصًا جرائدهم السيارة[8].

يرى الأستاذ عبدالسلام هارون أن صاحب الجهد الأول، في توجيه إحياء التراث للوجهة الجديدة، هو العلامة أحمد زكي باشا؛ إذ كان أول مَن أشاع إدخال علامات الترقيم في المطبوعات العربية، وألَّف في ذلك دستورًا، سمَّاه: «الترقيم في اللغة العربية»، وقد طُبع ببولاق سنة 1913م، فقدّم باكورة هذا المنهج الحديث في تحقيق النصوص، عندما قام بتحقيق كتابَي «أنساب الخيل» و«الأصنام» لابن الكلبي، وطُبِعَا في المطبعة الأميرية سنة 1914م، وكانت هذه المطبوعات تابعة للجنة إحياء الآداب العربية، التي عُرفت لاحقًا باسم القسم الأدبي، وهي تندرج تحت دار الكتب المصرية.  

وفي السنة نفسها قدّم كتاب «التاج في أخلاق الملوك» للجاحظ، الذي يُعدّ مِن أوائل الكتب في المشرق العربي الذي صدرت بكلمة «بتحقيق»، مع توظيف المنهج الجديد؛ من خلال تقديم النص للقراء، وإلحاقه بالفهارس التحليلية المتنوعة[9].

علّق الأستاذ عبدالسلام هارون على العصر الذي جاء بعد وفاة أحمد باشا، ضمن حديثه عن الأثر البالغ للنهج الجديد في التحقيق والعناية بالتراث، الذي طرحته دار الكتب المصرية، فقال: «لقد أدركت زمنًا طويلًا، بعد وفاة أحمد زكي باشا إلى سنة 1938م، لم يكن في مصر من العلماء مَن يضع اسمه على كتاب مُحقّق، إلا جماعة محددة لا تكاد تعدهم أصابع اليدين، وهم سبعة على وجه التحديد: محب الدين الخطيب، أحمد شاكر، عبدالسلام هارون، محمد مصطفى زيادة، مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبدالحفيظ شلبي»[10].

كما كان له جهد مشكور إبَّان عمله مترجمًا منذ سنة 1892م؛ حيث بذل جهدًا كبيرًا في مجال الترجمة، وتهذيب لغة الدواوين وتخليصها من العبارات التركية، والألفاظ الأجنبية، والاصطلاحات القديمة؛ فأدخل عوضًا عنها عشرات الألفاظ العربية، فاقترح بدائل عربية لبعض المصطلحات الأجنبية، ومن ذلك: كلمة السيارة التي جعلها تحل بدلًا من (الأوتوموبيل)، وكلمة صحافة وهي تعريب لكلمة (press)، وصحافي للقائم بخدمة الجرائد، وكذلك كلمة الدراجة بدلًا من (البسكليت)[11].

الأولية في إدخال علامات الترقيم:

اشتهر أحمد زكي باشا بأنه أول مَن أدخل علامات الترقيم؛ إذ الكتب الموجودة عن علامات الترقيم، تذكر عمله فقط، وتمحو جزءًا كبيرًا من تاريخها، الذي بدأ قبل صدور كتابه بنحو عشرات السنين، ولكن هناك من كان له رأي مخالف لذلك؛ إذ يقول الباحث فهد بن محمد الدبوس، في كتاب له عن أحمد زكي باشا: «ويشير البحاثة الأستاذ أنور الجندي أنه أول من أدخل الترقيم في كتابتنا العربية الحديثة.. و(أقول): اجتهد أستاذنا الجندي فيما قال، ولكل مجتهد نصيب، وكما قال الشاعر القديم: ما حوى العلم جميعًا أحد... ولا أقول هذا تطاولًا على أستاذنا البحاثة، وإنما أذكر ما أعتقد صحته، وهو أن صاحب السبق في ذلك، الأديب الشاعر حسن حسني الطويراني، في كتابه المسمى «خط الإشارات»، المطبوع سنة 1310ه، قبل كتاب أحمد زكي بفترة، المطبوع سنة 1331هـ»[12].

وحتى يمكننا الوقوف على إجابة هذه التساؤلات، والتوفيق بين هذه الأقوال، والترجيح بين مختلف الآراء، لا بد من استعراض سريع وموجز، لتاريخ علامات الترقيم في العالم الإسلامي، فلقد استعملت بعض الطرق لتجزئة النصوص، أو لإبراز جزء معين من النص، وكان ذلك واضحًا في كتابة المصحف الشريف، فتجد علامات توضّح مواضع السجدات، وعلامات للوقف الواجب وغيره، وما لا يصح الوقف عليه، وتقسيم القرآن إلى أحزاب وأجزاء، إلى غير ذلك، وقد بدأ الاهتمام الفعلي لتجزئة النصوص غير الدينية في العالم العربي، إبّان القرن التاسع عشر الميلادي، فكان أحمد فارس الشدياق، أول لغوي عربي وضع علامات الترقيم، فقام في سنة 1839م بطبع كتابه «اللفيف في كل معنى طريف» في مالطا، وهو أول نص عربي مطبوع أُدخلت فيه علامات الترقيم الغربية، وشرح في مقدمة كتابه سبع علامات ووظائفها وطريقة استخدامها؛ درءًا لحدوث التباس لدى القارئ أو خطأ في فهم النصوص، ونادى بتطبيقها، ولكن يبدو أن هذه الفكرة كانت سابقة لعصرها فجُوبِهَت بالرفض، ولهذا حذف علامات الترقيم والقسم المتعلق بها في مقدمة الكتاب، في الطبعة الثانية الصادرة في إسطنبول عام 1881م عن مطبعة الجوائب.

ثم دعت الكاتبة والصحافية اللبنانية زينب فواز، إلى وجوب إدخال علامات الترقيم على النصوص العربية بصفة مستمرة، مستوحية ذلك من الكتابة الفرنسية، واقترحت أن تُضاف علامات الترقيم الأوروبية إلى الكتابة العربية، في مقالٍ نشرته في مجلة الفتى المصرية سنة 1893م، وعلى إثر هذا الاقتراح قام حسن حسني باشا الطويراني، مؤسِّس ورئيس تحرير جريدة النيل، بإيجاد علامات ترقيم مرادفة لعلامات الترقيم الأوروبية؛ حيث أخذ الطويراني بعين الاعتبار ما كتبته زينب فواز، فألَّف كتابًا بعنون «خط الإشارات» سنة 1893م، وذكر في مقدمته رسالة الكاتبة اللبنانية، التي اقترحت فيها ترسيخ علامات الترقيم، ثم حاول إيجاد علامات ترقيم مغايرة لتلك الأوروبية، ولكنّ محاولته ذهبت سدًى، وبات نظام الترقيم الذي ابتكره دون استخدام.

وأما أحمد زكي باشا فقد أشار إلى علامات الترقيم في مقدمة كتابه «الدنيا في باريس»، وكان ذلك سنة 1900م، ثم أدخل علامات الترقيم رسميًّا على اللغة العربية سنة 1912م، وأطلق عليها هذا الاسم في كتابه «الترقيم وعلاماته في اللغة العربية»، وسمَّى كل واحدة منها باسمها المتعارف عليه حاليًّا، معتمدًا على الاستخدام الفرنسي، كما استفاد من علامات الترقيم في اليونانية القديمة[13].

وإذا أردنا تلخيص ما سبق، فنقول: إن مِن المؤلفين مَن تطرق إلى علامات الترقيم، وطبَّقها في بعض كتبه مثل أحمد فارس الشدياق، ولكن قُوبِلَ ذلك الصنيع بالرفض، ثم جاءت بعده زينب فواز، التي طالبت بترسيخ علامات الترقيم في اللغة العربية، ولكن لم تجعل لذلك مقترحًا عمليًّا، فأتى بعدها مَن تأثر بما طرحته فابتكر حسن الطويراني، مقترحًا لعلامات الترقيم تحت مسمى الإشارات، ولكن ذلك لم يُكتب له التطبيق ولم يُعمل به، حتى اضطلع بهذه المهمة أحمد زكي باشا؛ فجعل لذلك دستورًا وأطلق عليها علامات الترقيم، وكُتب لها الذيوع والانتشار، فهو يَصْدُق عليه أنه أول مَن أدخلها على اللغة العربية، وهناك مَن يقول: إنه أول من أدخلها رسميًّا، ولعل عبارة الأستاذ عبدالسلام هارون أدق وأسلم، حينما قال: إن أحمد زكي باشا «أول مَن أشاع إدخال علامات الترقيم في المطبوعات العربية».

الخاتمة

لئن كان اختراع المطبعة وإدخال علامات الترقيم، من الأسباب التي ساهمت في نشر التراث العربي في العصر الحديث؛ فلقد جاء بعدها بعض الأسباب التي زادت من ذلك؛ فقد كان لاختراع الحاسب الآلي، وبرامج النشر المكتبي والصحفي، وكذلك حفظ الملفات بصيغة الكتاب(pdf)، وعمل الموسوعات الإلكترونية للبحث، مثل موسوعة المكتبة الشاملة، كانت تلك الوسائل والأساليب، من أقوى عوامل نشر التراث على شبكة الإنترنت، فأصبحت أمهات الكتب في متناول أيدي الباحثين في مختلف أرجاء الأرض.

 


 


[1] تعددت الأقوال حول تاريخ بدء الطباعة، فقد أوصلها الأستاذ عبدالسلام هارون إلى 1450م، وكذلك جرجي زيدان، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن أولى محاولاته كانت في سنة 1436م، ثم وُضِعت موضع التنفيذ سنة 1450م، وطُبعت التوراة. انظر: تاريخ الطباعة، خليل صابات، (ص15)، تاريخ آداب اللغة العربية، جرجي زيدان، (1223- 1224).

[2] انظر: قطوف أدبية: دراسات نقدية في التراث العربي، عبدالسلام هارون، (ص35)، تاريخ الطباعة العربية، خليل صابات، (14- 18)، المستشرقون، نجيب العقيقي، (1/357)، صفحات مضيئة من تاريخ نشر التراث العربي، محمد المهنا، على الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=IzYMVHcuFJ4

بتاريخ 1/5/1447هـ.

[3] كان اسمه فارس يوسف الشدياق، وأصل هذا اللقب ديني يُطلَق على رجال الدين النصارى مثل لقب شماس. وُلِدَ في لبنان سنة 1807م، ونشأ نصرانيًّا، ثم تنقل في البلدان حتى وصل تونس، فأسلم وغيَّر اسمه إلى الشيخ أحمد فارس الشدياق، ثم استقر في إسطنبول، وفيها توفي سنة 1887م، ودفن في لبنان.

[4] هناك مَن ذكر أعدادًا أقل من ذلك، بالنسبة للخزانة التيمورية والزكية، ولعله وصَف ما كان في حياتهما، والآخر ذكر ما كان في أواخر عمرهما، أو بعد وفاتهما.

[5] انظر: قطوف أدبية: دراسات نقدية في التراث العربي، عبدالسلام هارون، (35- 47)، مدخل إلى تاريخ التراث، محمود الطناحي، (26- 49)، في اللغة والأدب دراسات وبحوث، محمود الطناحي، (2/626)، تاريخ الطباعة العربية، خليل صابات، (14 -27، 101- 106)، المستشرقون، نجيب العقيقي، (1/357)، تاريخ آداب اللغة العربية، جرجي زيدان، (1302- 1305)، (1459- 1472)، أحمد فارس الشدياق، محمد عبدالغني، (9- 10، 74، 154)، صفحات مضيئة من تاريخ نشر التراث العربي، محمد المهنا، على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=IzYMVHcuFJ4 ، بتاريخ 1/5/1447هـ.

[6] أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة، أنور الجندي، (ص4).

[7] انظر: الترقيم، أحمد زكي باشا، (ص47)، أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة، أنور الجندي، (68- 69).

[8] انظر: الترقيم، أحمد زكي باشا، (11- 13).

[9] انظر: قطوف أدبية: دراسات نقدية في التراث العربي، عبدالسلام هارون، (ص5).

[10] قطوف أدبية: دراسات نقدية في التراث العربي، عبدالسلام هارون، (55- 56).

[11] انظر: أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة، أنور الجندي، (74- 76).

[12] من مقالات أحمد زكي باشا في التاريخ والبلدان والسياسة، نايف الدبوس، (ص19)، هامش رقم (1).

[13] انظر: فارس الشدياق والانتقال من ثقافة النسخ إلى ثقافة الطباعة في الشرق الأوسط، جيوفري روبر، المطبوع ضمن كتاب: الكتاب في العالم الإسلامي، تحرير جورج عطية، (203- 204)، التأثير الغربي في تطوّر الكتابة العربيّة: علامات التّرقيم نموذجًا، دانه عوض، مجلة بدايات، على الرابط: https://bidayatmag.com/node/1032 ، بتاريخ: 21/6/1447هـ.

 

أعلى