• - الموافق2026/01/20م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
التحالف السني الجديد في لحظة الفراغ الإستراتيجي

هل ينجح التحالف السعودي-التركي-الباكستاني في ملء الفراغ الأمريكي وإعادة توازن الشرق الأوسط، أم يفتح الصراع مع المحور الإماراتي-الصهيوني مرحلة جديدة من إعادة هندسة النفوذ الإقليمي؟


في ظل تراجع الدور الأمريكي التقليدي في الشرق الأوسط، وتحوُّل أولويات واشنطن نحو آسيا؛ شرعت الرياض في إعادة هندسة موقعها الإستراتيجي عبر بناء تحالفات متعددة الأقطاب؛ بهدف إحداث نقلة نوعية في ديناميات السلطة الإقليمية، وفي الوقت نفسه مواجهة مخاطر بروز دور إماراتي - صهيوني متشابك يسعى لدعم مسارات انفصالية في دول عربية وإسلامية مؤثرة على الأمن القومي السعودي.

وتشير تحليلات متكررة -في مجلتي فورين أفيرز وفورين بوليسي- إلى أن السياسة الأمريكية باتت تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه ساحة لإدارة المخاطر لا ميدانًا للانخراط الإستراتيجي طويل الأمد، وهو ما عبَّر عنه مسؤولون أمريكيون سابقون بوصفهم لـ«تقليص الالتزامات العسكرية المباشرة دون الانسحاب الكامل».

وتنطلق الإستراتيجية السعودية من إدراك متزايد بأن غياب ضمانات أمنية أمريكية مباشرة يفرض البحث عن مقاربات بديلة تضمن الاستقرار دون الارتهان لقوة خارجية واحدة، خصوصًا في ضوء تصاعد تدخلات الإمارات والدولة العبرية في البحر الأحمر واليمن والصومال والسودان، التي تُهدّد إعادة هندسة التوازنات الإقليمية، وتُضعف الدولة المركزية في مناطق حيوية.

استنادًا إلى هذا الإدراك؛ اتّجهت المملكة إلى صياغة أُطُر تحالفية أكثر تماسكًا ومرونة تضم باكستان وتركيا، تعتمد على تنويع الشراكات الإقليمية والدولية، بما يضمن حماية أمنها القومي وسدّ الفراغ الإستراتيجي الذي خلّفه مقومات الانكفاء الأمريكي النسبي، ومنع قوى أخرى من فرض معادلات أمنية جديدة على حساب الدول المركزية في المنطقة.

وتقدّم المملكة، وفق توصيف عدد من مراكز التفكير الغربية، بوصفها ركيزة استقرار إقليمي تجمع بين الثقل الاقتصادي، والشرعية الدينية المستمَدة من رعايتها للحرمين الشريفين، والموقع الجغرافي الإستراتيجي في قلب الممرات البحرية العالمية، ما يجعل تحرُّكها مؤخرًا محاولة واعية لإعادة تعريف دورها كقوة توازن للعالم الإسلامي، وقاطرة لمنع انزلاق الشرق الأوسط نحو فوضى مفتوحة تهدّد أمن الطاقة العالمي واستقرار النظام الدولي الأوسع.

مقومات التحالف

يقف التحالف الذي يضم السعودية وباكستان وتركيا على ركائز متكاملة تُمثّل توازنًا بين القوة العسكرية، الشرعية الدينية، والقدرات الاقتصادية، في إطار رؤية إستراتيجية تشمل أيضًا المواقف المشتركة تجاه إيران والدولة العبرية، ما يجعله أكثر من مجرد اتفاق أمني تقليدي. ففي سبتمبر٢٠٢٥م، وقّعت السعودية وباكستان اتفاقية دفاع إستراتيجي مشترك تنص على اعتبار أي هجوم خارجي على الرياض أو إسلام آباد هجومًا على الطرفين، ما مثّل بُعدًا ردعيًّا واضحًا في بيئة إقليمية مضطربة.

وتعقيبًا على التحالف الأخير؛ أكّد وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني «رضا حياة حراج» أن مسودة الاتفاق الثلاثي أصبحت جاهزة بعد عام من المفاوضات، مشيرًا إلى أن الاتفاقية ستُتيح للدول الثلاث توحيد المواقف الدفاعية والصناعية، وإدارة أيّ تهديدات إقليمية محتملة، بينما شدّد وزير الخارجية التركي «هاكان فيدان» على التزام تركيا بتعزيز التعاون مع السعودية وباكستان؛ لضمان الاستقرار الإقليمي ومواجهة أيّ محاولات لإضعاف المنطقة.

يتضح من ذلك أن التعاون العسكري بين الأطراف الثلاثة يتجاوز مجرد تفاهمات سياسية؛ فهو يتضمن تدريبات مشتركة واسعة النطاق تشمل القوات البرية والجوية والبحرية في سيناريوهات متعددة الأبعاد، وتبادلًا مستمرًّا للمعلومات الاستخباراتية والتقنيات الدفاعية في مجال الرصد الإستراتيجي وحماية الممرات البحرية الحيوية.

كما يشمل هذا التعاون مشاريع تصنيع عسكري مشتركة تمثل علامة فارقة في مسار التحالف؛ إذ دخلت شركة الصناعات العسكرية السعودية (SAMI) في اتفاقيات نقل تكنولوجيا وتصنيع مشترك مع شركات تركية متقدمة، مثل: نوول ماكينا لتصنيع المركبات العسكرية، و FNSS لنظم المدرعات، وأسيلسان لتوطين منظومات إلكترونيات القتال داخل المملكة، في إطار جهود السعودية لتقليل الاعتماد على الواردات الدفاعية وبناء صناعة عسكرية وطنية متقدّمة، وهو توجُّه يتماشى مع إستراتيجية رسمية سعودية تهدف إلى توطين نسبة كبيرة من الإنفاق الدفاعي قبل نهاية العقد الحالي.

في صيف ٢٠٢٣م، وقّع البلدان اتفاقيات مع شركة «بايكار» التركية المتخصّصة في تصنيع الطائرات المسيّرة، تشمل توريد وتشغيل منظومات الطائرة المسيّرة القتالية «بيرقدار أكنجي» ضمن القوات الجوية السعودية، وهي واحدة من أكبر صفقات التصدير في صناعة الدفاع التركية؛ وقد أكد المدير العام لشركة «بايكار» في تصريحات صحفية أن هذه الصفقة تُمثّل تحوّلًا في بنية القوة الجوية السعودية وتحديثًا لقدراتها على المراقبة والاستهداف بعيد المدى، مع اتفاقات لاحقة لتوطين أجزاء من هذه التكنولوجيا داخل السعودية.

تلعب تركيا دورًا مركزيًّا في هذا التحالف بفضل قدراتها العسكرية المتقدمة والعضوية في حلف شمال الأطلسي، ما يمنحها خبرة تنظيمية وتقنية يمكن توظيفها في تطوير منظومات التعاون الدفاعي الثلاثي. وقد أثبتت أنقرة خبرتها في ساحات متعددة مثل ليبيا وسوريا والصومال وأذربيجان؛ حيث نجحت في توظيف القوة العسكرية والسياسية لصناعة توازنات نفوذ إستراتيجية.

ومن جانبه، يُمثّل البُعْد النووي الباكستاني عنصرًا ردعيًّا إستراتيجيًّا مهمًّا في بنية التحالف؛ إذ تُعدّ باكستان الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي، ويضيف وجودها في هذا الإطار طبقة من التعقيد والردع في مواجهة أيّ تهديدات خارجية. وتشمل أبعاد التعاون العسكري كذلك بين السعودية وباكستان: صفقة شراء طائراتJF17 ، ومعدات دفاعية متقدمة؛ بهدف تقليل الاعتماد على الأسلحة الغربية، مع احتمال إرسال جزء منها لدعم الجيش السوداني وفق ترتيبات دبلوماسية سعودية باكستانية. ويعكس ذلك قدرة التحالف على تعزيز الردع الإستراتيجي.

إلى جانب التعاون العسكري، يُشكّل التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة مظلة إستراتيجية إضافية لهذا التحالف. ففي ٢٠٢٥م بلغ حجم التجارة بين السعودية وتركيا نحو ١٥ مليار دولار، بينما تجاوز حجم التجارة السعودية - الباكستانية ٣.٥ مليارات دولار، ما يُظهر التكامل بين النفوذ العسكري والقدرات الاقتصادية والسياسة الدبلوماسية.

يُمثّل هذا التحالف شبكة متماسكة أيضًا على مستوى المواقف الإستراتيجية الموحدة؛ حيث يتبنَّى موقفًا موحدًا تجاه الدولة العبرية، يسعى من خلاله لمنع أيّ محاولة للسيطرة الأحادية على الممرات البحرية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتبنّي سياسة ردع متوازن تجاه إيران تجمع بين القوة العسكرية، التنسيق الاستخباراتي، والحوار المحدود، مع رفض أيّ مواجهة عسكرية مفتوحة قد تؤثر على أسواق النفط واستقرار الملاحة.

بهذا الشكل يصبح التحالف بين السعودية وباكستان وتركيا شبكة مُعقّدة ومتعددة الأبعاد تتكامل فيها القوة العسكرية، الصناعات الدفاعية المحلية والمشتركة، النفوذ الاقتصادي، والشرعية الدينية؛ مما يؤكّد قدرة هذه الشَّراكة على مواجهة التحديات الإقليمية الراهنة وملء الفراغ الإستراتيجي الذي خلّفه تراجع الدور الأمريكي، مع إعادة توازن القوى في الشرق الأوسط بعيدًا عن الهيمنة الأحادية وتحقيق أمن إقليمي مستدام.

نفوذ خارج الحدود

في مقابل المسعى السعودي لبناء تحالف سُنّي توازني متعدد الأقطاب؛ يبرز ما يصفه المراقبون بـ«التحالف الإماراتي - الصهيوني» كقوة بديلة تعمل على إعادة هندسة مناطق النفوذ في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، وهي ليست مجرد سياسة إماراتية منفصلة، بل امتداد للمشروع الصهيوني بامتياز، يهدف إلى تمكين الدولة العبرية من النفوذ الإستراتيجي الدائم في الممرات البحرية والموانئ الحيوية، بما في ذلك البحر الأحمر، والبحر المتوسط، ومضيق باب المندب، عبر أدوات محلية ووكلاء إقليميين. وقد استغلت أبو ظبي مظلة التطبيع مع الدولة العبرية لتوسيع نفوذها العسكري واللوجستي والاستخباراتي، ما جعل تحرُّكها في المنطقة جزءًا من مشروع صهيوني أوسع لإعادة رسم الخارطة الإستراتيجية لصالح تل أبيب، على حساب المنطقة.

في اليمن، على الرغم من المشاركة في تحالف دعم الشرعية ضد الحوثيين، تبنَّت الإمارات سياسات انفصالية عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي للسيطرة على الجنوب، بما في ذلك الموانئ الحيوية، خارج إطار الدولة الشرعية، وهو ما اعتبرته السعودية تهديدًا لأمنها القومي وللممرات البحرية في البحر الأحمر.

وفي صوماليلاند؛ نجحت الإمارات في تطوير ميناء بربرة، وتحويله إلى قاعدة بحرية إستراتيجية، ما يسمح بمراقبة حركة السفن في مضيق باب المندب وربط الممرات البحرية من القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر، بما يخدم مصالح الدولة العبرية، ويضع السعودية أمام تحديات مباشرة في حماية موانئها الحيوية.

في السودان، دعّمت أبو ظبي مليشيات الدعم السريع بقيادة «حميدتي»، ووفَّرت لها أسلحة وطائرات مُسيّرة، لتعزيز نفوذها وسرقة مناجم الذهب في شرق السودان وتقسيم الدولة السودانية.

وفي ليبيا، عزّزت أبو ظبي دعمها لقوات شرق ليبيا بقيادة «خليفة حفتر»، بما مَكَّنها من السيطرة على قاعدة «الكفرة» التي تُعدّ أبرز قواعد إسناد مليشيات «حميدتي» في السودان، وكذلك تعزيز حضورها البحري في البحر المتوسط، ضمن مواجهة مباشرة لمشروع تركيا المعروف بـ«الوطن الأزرق».

ويكتسب المشروع الإماراتي-الصهيوني بُعدًا إضافيًّا عند النظر إليه بوصفه آلية تعويض إستراتيجي تسعى من خلالها الدولة العبرية إلى تقليص اعتمادها على الدعم الأمريكي التقليدي، في ظل مؤشرات على تآكل الإجماع السياسي والشعبي الأمريكي الداعم لها. فقد أشار السيناتور الجمهوري «ليندسي غراهام» إلى إمكانية إعادة النظر في المساعدات العسكرية للدولة العبرية في حال تعارض ذلك مع المصالح الأمريكية.

في هذا الإطار، تلعب أبو ظبي دورًا وظيفيًّا لا سياديًّا؛ حيث تُوفّر للدولة العبرية منصة لاختراق الأسواق والموانئ وشبكات المال والبنية التحتية الرقمية واللوجستية، بما يُعزّز اندماج «تل أبيب» في المنطقة على نحو غير مشروع جزئيًّا، ويُتيح لها تمديد نفوذها الاستخباري والاقتصادي بعيدًا عن التغطية الأمريكية التقليدية.

من زاوية سعودية، يُنظَر إلى هذا المسار على أنه محاولة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي العربي عبر تفكيك الدولة القومية واستبدالها بشبكات نفوذ عابرة للحدود، مع إبقاء الدولة العبرية في موقع متقدّم لتثبيت مصالحها. ولهذا، يُفسَّر الرفض السعودي للتطبيع والتحفظ على التصعيد العسكري الواسع في المنطقة ضمن رؤية أشمل تَعتبر أن تمكين الدولة العبرية من الاندماج غير المشروع سيقود إلى اختلالات إستراتيجية طويلة الأمد، تُهدّد الاستقرار الإقليمي.

يتضح من هذا التحليل أن المشهد الإستراتيجي في الشرق الأوسط يُعاد تشكيله عبر شبكة تحالفات وأُطُر توازن جديدة، مع السعودية في موقع مركزي يقود تحالفًا سنّيًّا متعدّد الأبعاد مع تركيا وباكستان، يوازن بين القوة الاقتصادية والشرعية الدينية والردع الإستراتيجي والقدرات العسكرية الفعلية.

في المقابل، يُمثّل التنسيق الإماراتي -المقترن بوجود صهيوني قوي في بعض المناطق-، نموذجًا منافسًا يحاول إعادة هندسة النفوذ عبر مسارات أضيق، وربما أكثر تصادمًا مع التطلعات السعودية بوصفها دولة مركزية.

في الختام، يمكن التأكيد على أن ضعف إيران أمام العقوبات والضربات الأمريكية أخرجها من القدرة على المناورة في مسار الهيمنة والسيطرة في المنطقة، وأسهم في ترك مساحة لظهور تحالف سُنّي تقوده السعودية على حساب الارتباك الأمريكي أمام إستراتيجية الرئيس الحالي «دونالد ترامب»؛ الذي يُحاول الاستدارة نحو آسيا وأمريكا اللاتينية؛ استجابةً لعقيدة «مونرو»؛ للتخلُّص من أزمة الوجود التي تعيشها «واشنطن» بسبب الصعود الصيني.

وكذلك فإن القلق الصهيوني من الفراغ الأمريكي والنبوءات السياسية المختلفة التي تشير إلى احتمالية قطع المساعدات الأمريكية عن الدولة العبرية، وتراكمات الحرب على قطاع غزة التي أنهكت البنية الداخلية للجيش الصهيوني والدولة العبرية على حدّ سواء؛ تجعل موازين القوى ترجح لصالح كتلة سُنية جديدة تقود المنطقة.

أعلى