طريق (أبراهام) وطريق غزة

معهد (بيغن السادات) المقرَّب من الحكومة الإسرائيلية ركَّز على أن أهم إنجاز حققته حماس هو ربط ملف القدس بصراعها مع دولة الاحتلال وهو الأمر الذي فشلت فيه السلطة الفلسطينية منذ عقود من المفاوضات، فقد جاء الهجوم الصاروخي بعد هتافات المصلين في المسجد الأقصى ت


لحسابات السياسية التي كانت قبل أشهر على الطاولة جاءت جُرأة المقاومة الفلسطينية على قصف (تل أبيب) بمئات الصواريخ مدة 11 يوماً ونسفتها. والرئيس الأمريكي جو بايدن - الذي لم يُخفِ لحظة دعمه لــ (حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها) منذ تسلُّمه منصبه - كان قد راهن على (اتفاقية أبراهام) لتخدير الوعي الجمعي العربي والإسلامي تجاه الصراع المركزي مع الكيان الصهيوني. لكن ما وصفه الإعلام العبري بــ (لسعة الوعي) التي سببتها الأحداث الأخيرة حول مستقبل وجود دولة لليهود في فلسطين المحتلة، أجبرت الإدارةَ الأمريكية على إعادة جدولة برنامجها السياسي. فبعد أن تجاهلت كلّاً من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو لأربعة أشهر، بدأت منذ اليوم الأول بإرسال فريق أمريكي رفيع المستوى لتحقيق وقفٍ لإطلاق النار برئاسة هادي عمرو، ثم تواصل بايدن هاتفياً مع نتنياهو والسيسي وعباس، ووَفْقاً لمعلومات كشف عنها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي؛ فإن الإدارة الأمريكية أجرت 60 اتصالاً مع مسؤولين في المنطقة للتوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار.

لم تراهن الإدارة الأمريكية على محور (التطبيع) لتحقيق وَقْف إطلاق النار؛ بل راهنت على حليفين اعتُبر الملف الفلسطيني من مهامهما في المنطقة، وهما الوسيط المصري التقليدي الذي فرضته الجغرافيا على الفلسطينيين والوسيط القطري الذي يتمتع بعلاقات قوية مع حركة حماس. وهذا الأمر يؤكد تقلُّصَ أهمية (اتفاقية أبراهام) في لعب تأثير على مستوى الصراع الفلسطيني، وإنزواءَها في سياق اتفاقاتٍ ثنائيةٍ غايتها الأساسية تحقيق الأمن الإقليمي بالنسبة لدولة الاحتلال، والسماح لها بتوسيع دائرة نفوذها الاقتصادي. ففي اليوم التالي لانتهاء الحرب كشف الصحفي الإسرائيلي يوسي ميليمان عن مشروعٍ استثماري ضخم يقوده رئيس الموساد السابق (يوسي كوهين) بالشراكة مع أحد عرابي (اتفاقية أبراهام) السفير الأمريكي السابق في دولة الاحتلال (ديفيد فريدمان)، ووزير الخزانة الأمريكي السابق (ستيفن منوتشين).

إن ما حققته المواجهة الأخيرة لا يتعلق بالخسائر المادية بين الطرفين، بل إن الأهمية الأكبر لتأثيره حدثت خارج قطاع غزة؛ فبقدر ما حاولت وسائل الإعلام الإسرائيلي تفسير الهجوم الصاروخي لحماس على أنه جاء ردَّ فعل على إلغاء الانتخابات الفلسطينية ومِن ثَمَّ حرمانها (أي حماس) من فرصة ذهبية لتوسيع نفوذها إلى الضفة المحتلة؛ إلا أن معهد (بيغن السادات) المقرَّب من الحكومة الإسرائيلية ركَّز على أن أهم إنجاز حققته حماس هو ربط ملف القدس بصراعها مع دولة الاحتلال وهو الأمر الذي فشلت فيه السلطة الفلسطينية منذ عقود من المفاوضات، فقد جاء الهجوم الصاروخي بعد هتافات المصلين في المسجد الأقصى تطالب محمد الضيف (القائد العام لكتائب القسام الذراع العسكري لحركة حماس) بردع هجمات المستوطنين والشرطة الصهيونية على المصلين في المسجد الأقصى والشيخ جراح، وما حدث بعد ذلك لم تكن النخب السياسية الإسرائيلية تتوقعه؛ إذ نشرت وسائل إعلام مقرَّبةٌ من (حماس) مقطعاً منسوباً للضيف وهو يتوعد الدولة العبرية، وبالفعل في اليوم التالي نفَّذ تهديده بأن أسقط مئات الصواريخ على (تل أبيب). هذا الأمر أغضب كثيراً نتنياهو الذي كان يرى أن انقسام الفلسطينيين حلٌّ عادلٌ بالنسبة للتوسع الاستيطاني الفلسطيني؛ فقد عززت الحرب تمسُّك الفلسطينيين بأرضهم وأظهرت حالة ردعٍ لم تكن سابقاً موجودةً تتعلق بالمساس بالمسجد الأقصى ومدينة القدس، كذلك فإن المواجهة أوقعت خسارة سياسية كبيرة بالنسبة للسلطة الفلسطينية؛ فبدلاً من أن تتولى قيادة المفاوضات على غرار ما جرى في عام 2014م تم تجاهلها بشكل واضحٍ من قِبَل الحكومة الإسرائيلية التي طالبت بأن يقتصر دور السلطة على المشاركة في ملف الإعمار، وهو دور مرتبط كثيراً بالاتفاقات الأمنية بين السلطة ودولة الاحتلال، وقد شكلت هذه النقطة عقبة في المفاوضات بين المقاومة والحكومة الإسرائيلية بسبب رفض الفصائل في غزة أن تقوم شركات مصرية بتولي ملف الإعمار وهو رَفْضٌ فُسِّر في سياقٍ أمني بحت يتعلق بمحاولة الإدارة الأمريكية والإسرائيلية تحقيق اختراق للمقاومة من خلال هذا المنفَذ، وكذلك توصيات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي (أفيف كوخافي) بإبعاد قطر عن الملف الفلسطيني لاعتبارات تتعلق باستخدام (حماس) للأموال القطرية لتشييد بُنيَتها التحتية.

لا شك أن الضربة السياسية التي تلقَّتها السلطة الفلسطينية بسبب غياب تمثيلها في المرحلة الماضية مؤلمة جداً لها؛ لا سيما بعد سقوطها الكبير شعبياً في غزة والضفة ومناطق الـ 1948م؛ ولا سيما كذلك مع التزام الرئيس الفلسطيني محمود عباس الصمت طوال مدة الحرب، لكن ذلك بالطبع منحها فرصة كبيرة في الدور السياسي الذي ترسمه لها الإدارة الأمريكية لكونها الممثل الرسمي للفلسطينيين أمام الشرعية الدولية، فقد بذلت واشنطن جهداً كبيراً لترميم الخسائر السياسية الإسرائيلية مثلما تبرعت بـ 730 مليون دولار في أول أيام الحرب لترميم الخسائر العسكرية، وضغطت لتحقيق ائتلاف برلماني بين كتلة (يش عتيد) المحسوبة على اليسار الإسرائيلي بزعامة يائير لبيد، وكتلة (يمينا) التي يتزعهما اليميني نفتالي بنيت وإيليت شكيد، وبذلك يتم القضاء على طموح زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو بالاستمرار في رئاسة الوزراء وتحميله مسؤولية المحرقة السياسية التي تعرضت لها دولة الاحتلال في الأسابيع الماضية، وهنا يتم استثمار السلطة الفلسطينية سياسياً للعودة إلى المربع الأول وهو دوَّامة المفاوضات التي من خلالها يتم ترميم الموقف السياسي الإسرائيلي خارجياً بعد خطوات سياسية اتُّخذت في بلجيكا وإيرلندا وصفته بـ (نظام الفصل العنصري) وأقرت برلمانياً حق الفلسطينيين في دولتهم، وهذا الأمر لم يكن ضمن الأعراف السياسية الأوروبية، ورغم محاولة الزج باليسار الإسرائيلي للعب دور في ترميم الخسائر السياسية الإسرائيلية بعد تجاهله خلال العامين الماضيين في تشكيل الحكومات السابقة، إلا أن بنيت من أكثر المتطرفين اليهود تشدداً فيما يتعلق بمشروع الدولة الفلسطينية وضم الضفة المحتلة.

وهذا الأمر ظهر على شكل انقسامات سياسية عميقة عكسها الصراع بين الكتلة اليمينية اليهودية التي تزَّعمها الليكود خلال السنوات الماضية، وتسببت بتنظيم انتخابات برلمانية أربع مرات خلال عامين، وستلجأ لتنظيم الخامسة في حال فشل تحالف (لبيد - بنيت)، لذلك يسعى الموقف الأمريكي إلى تخطي مرحلة (اتفاقية أبراهام) التي وجَّهت صفعة قاسية للسلطة الفلسطينية التي راهنت على المفاوضات لتحقيق السلام، واستخدمها جاريد كوشنر (بصفته مستشاراً للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب) لمعاقبة السلطة ومنح الاحتلال الإسرائيلي شيكاً مفتوحاً، بعد أن أظهرت الأحداث عدم فاعليتها في احتواء الغضب الشعبي الفلسطيني والعربي والإسلامي الذي أظهرته وسائل التواصل الاجتماعي. فقد حدث مساس وجودي بمستقبل الاحتلال عقب خروج مظاهرات تحولت إلى مواجهات في حيفا وعكا ويافا واللد والرملة وكثير من المناطق التي يقطنها فلسطينيون داخل الكيان الصهيوني، وقد وصفها معهد الأمن القومي الإسرائيلي بأنها (إذلال لسيادة الأمن القومي الإسرائيلي)، ويفسر معهد (بيغن - السادات) ما جرى - في محاولة لاستدعاء التاريخ - بتكرار نموذج (خيبر)؛ إذ يقطن اليهود وسط تجمعات فلسطينية تحاول الانتصار لما حدث لها عام 1947م حينما صدر قرار التقسيم، وتحويل المظاهرات إلى معركة لطرد اليهود من كامل فلسطين.

خلال المواجهة الأخيرة حاولت دولة الاحتلال منع المقاومة في قطاع غزة من تحقيق إنجاز وقتِيٍّ خلال مفاوضات التهدئة ومارست ضغطاً كبيراً عبر الوسيط المصري لتحويل ما جرى ليكون في إطار معادلة الهدوء مقابل الهدوء، واستكمال المفاوضات لاحقاً سواء باشتراط شمولها عملية تبادل أسرى بين الطرفين أم بعدم تهجير العائلات الفلسطينية في حي الشيخ جراح، كذلك حاولت البروبوغندا الإسرائيلية السيطرة على الرأي العام الدولي وتصوير المقاومة الفلسطينية على أنها هي المعتدي الذي يستهدف المدنيين، لكنَّ استهداف برج الجلاء الذي يضم مكاتب وسائل الإعلام العالمية، وكذلك استشهاد 67 طفلاً فلسطينياً في الحرب وتبنِّي صحف مثل نيويورك تايمز وهآرتس العبرية أنسنة قضيتهم... كل ذلك قَلَب المعادلة على رأس دولة الاحتلال. ورغم تركيز الجيش الإسرائيلي على استهداف الصف الأول من قيادة الذراع المسلح لحركة حماس إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً في ذلك؛ ونجح فقط في استهداف البروفيسور جمال الزبدة حامل الجنسية الأمريكية الذي تقول الرواية الصهيونية إنه المسؤول عن تطوير الصواريخ، وكذلك على الرغم من استخدام الجيش الصهيوني لـ 160 طائرة حربية في شن غارات تستهدف ما يصفه بــ (مترو حماس) إلا أن عدم قدرة ذلك الجيش على التوغل بريّاً هذه المرة يؤكد فشله في القضاء على الأنفاق وخشيته من تكرار سيناريو عام 2014م.

من جانب آخر نجح الفلسطينيون في السيطرة بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي وفضح أكاذيب الرواية الإسرائيلية، وقد تمكنوا بمهارة عالية من تجاوز وسائل الإعلام الدولية باستخدام خدمات البث الفوري للتأثير على الاحتلال وعرض تفاصيل العدوان اليومي الإسرائيلي على منازلهم ومدنهم وقراهم، وهذا الأمر تحول إلى سردية يومية تشغل منصات الإعلام الرقمي وتسببت في تحول مواقف الكثيرين في العالم إزاء دولة الاحتلال الصهيوني. كذلك وحدة الفلسطينيين في الضفة وغزة والداخل المحتل والشتات أوصلت رسالة واضحة بأن الصراع الديموغرافي هو الحاسم مهما حاولت كُنُس التطبيع تهميش الحق الفلسطيني والإضرار به وتجاهله، وهذا الأمر ربما يفسر الخطابات الأمريكية في الكونغرس التي نادت بمعاقبـة الاحتلال على جرائمـه وهي لأول مرة تحدث في تاريخ الصراع الفلسطيني مع الصهاينة، ورغم أن مثل هذه المطالبات التي قادتها شخصيات مثل التقدمي بيرني ساندرز لا يمكن التعويل على جديتها إلا أنها تمثل حلقة من حلقات التأثير في الوعي الجمعي الأمريكي وخطوة مهمة في نسف الرواية الصهيونية.

مصير (اتفاقية أبراهام):

اعتقد بعض المحللين أن المسار الذي رسمته الإدارة الأمريكية السابقة بزعامة دونالد ترامب للصراع الفلسطيني مع اليهود المتمثل في (اتفاقية أبراهام) هو الحلقة الأخيرة من حلقات الصراع، لكن ذلك المسار تلقَّى ضربة عنيفة على عدة مستويات، أولها حالة الوعي الإسلامي والعربي التي شكلت أحد أبرز حصون التضامن مع الفلسطينيين، وكذلك الهبَّة الديموغرافية التي أكدت أن قرار الحرب والسلم في فلسطين يخضع فقط لإرادة الفلسطينيين أنفسهم وليس حتى لزعاماتهم السياسية، وكذلك أظهر التضامن الجماهيري في بقاعٍ مختلفة من هذا العالم أن الرهان على الصمت السياسي الرسمي العربي لن يكون يوماً حصان طروادة لنجاة الصهاينة من المصير الحتمي بالرحيل عن فلسطين؛ بل إن الانتكاسة العربية تسببت في توسيع دائرة فضح الفصل العنصري للاحتلال الإسرائيلي وجرائمه في الأرض المحتلة؛ فقد فسَّر مقال لمجلة فورين آفير (اتفاقية أبراهام) في سياق العلاقات الاقتصادية بين الدول المنظِّمة لهذه الاتفاقية ودولة الاحتلال، وبيَّنت أن الترويج لها على أنها ظاهرة سياسية يمكن الانتشاء من نتائجها يجب أن يكون بعد الأحداث الأخيرة في حالة صامتة. فقد ولدت كما يشير المقال بـ (الخطيئة) في عهد الإدارة الأمريكية السابقة، ولم تكن نتاج إجماع من النخب السياسية الأمريكية، ورغم أن إدارة بايدن تدعم التطبيع بين دولة الاحتلال والنظم السياسية العربية والإسلامية إلا أنها ترى أن ذلك لا يجب أن يكون على حساب حل الدولتين؛ وذلك ليس إنصافاً منها للحل الفلسطيني، بل لأن الديموغرافيا السكانية في فلسطين تتطلب حلّاً عادلاً يقبل به الطرفان لأن فرض الأمر الواقع سيؤجج الصراع ويُفشِل أي جهد سياسي أمريكي في المنطقة.

ومن الأمور التي أكدتها الأحداث الأخيرة أن تطبيعَ الدول العربية ومحاولتَها تشويه المسار النضالي للشعب الفلسطيني، واستخفاف آخرين بحقوقه: لن يكون الطريق الأسلم لإضفاء الشرعية على وجود الاحتلال وتجاوز الشعب الفلسطيني، كما فرضت حقيقة واحدة تتعلق بأن ميزان الردع الإسرائيلي الذي أخلَّ به الفلسطينيون وقاموا بتعريته أمام المنظومة المطبِّعة بأسرها كشف عن وَهْن الجيش الإسرائيلي باعتباره قوة ضاربة يمكن الرهان عليها ضد (إيران)، كما كان يروج سابقاً لذلك تبريراً للانخراط في (اتفاقية أبراهام)، وهذا الأمر قد فسَّره بعض التراجع في الخطاب السياسي العربي خلال أيام الحرب.

ومن أكبر الأضرار التي عرَّت (اتفاقية أبراهام)، غياب الرهان عليها خلال المواجهة الأخيرة بالنسبة للنخب الإسرائيلية باعتبارها جزءاً من الحل، فلم يتم تفسيرها من قبل آلة الإعلام الإسرائيلي سوى في سياق المواجهة بين النظام السياسي العربي وحركة حماس، فالاتفاقية فقط خط التقاء قائم على الاحتياجات المتبادلة بين الأطراف المشاركة، وتعزيز مصالح اقتصادية عميقة بينهم. ورغم أن صانع القرار الإسرائيلي يراهن على استخدام الملف الإيراني للحفاظ على الاتفاقية إلا أن التقارب الأمريكي الإيراني الذي يقوده بايدن من شأنه أن يفضح الموقف الإسرائيلي بصفته جزءاً من آلة الأمن القومي الأمريكي ولا يمكنه تخطي رغبة واشنطن، وبلا شك فقد شعرت واشنطن بالحرج الشديد من الصفعة الأخيرة التي تلقَّتها دولة الاحتلال بصفتها أحد أسلحة الردع الأمريكي في المنطقة وأظهرت القدرة العسكرية الحقيقية للجيش الإسرائيلي.

قد لا يغير الرأي العام العربي والإسلامي شيئاً في مسار (أبراهام) لكن المواجهة الأخيرة منحته فرصة كبيرة لإدراك الكثير من الواقعية السياسية التي تعيشها المنطقة، ورغم أن مبررات صنع هذه الاتفاقية الإعلامية كانت تتعلق بتمدد الاستيطان الصهيوني في الضفة المحتلة ومساعدة الفلسطينيين في استرداد حقوقهم إلا أن أطراف هذه الاتفاقية وقفوا في صف الحياد خلال المواجهة ولم يكن لديهم سعة من الوقت لإصدار بيانات تحفظ ماء الوجه، لكن الأجمل في هذا الأمر أنه فضح ما يمكن أن تقدمه دولة الاحتلال للعرب مقابل الكثير من التنازلات التي يقدمونها، فهذا الاحتلال عبارة عن سرطان يستهدف الخلايا الحية في جسد الأمة ويقتلها وليس للأمر علاقة بالصراع بين دولة الاحتلال والفلسطينيين. لذلك تعوِّل وزارة الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلية على (اتفاقية أبراهام) في تحقيق اختراقات تتعلق ببنية الأمن القومي العربي لتحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة للاحتلال؛ لا سيما في ملف التجارة بين الكيان والدول العربية، والممر الملاحي الإسرائيلي في البحر الأحمر بديلاً عن قناة السويس، لكن المقاومة الفلسطينية حينما قصفت ميناء عسقلان الذي يعدُّ أحد مشاريع الشراكة الاقتصادية بين دولة الاحتلال وشركة إماراتية وجَّهت رسالة مفادها أن الاستثمار مع الكيان الصهيوني غير آمن، فالكثير من الإشكاليات الأمنية التي أفرزتها المواجهة الأخيرة قد تعيد حسابات المطبِّعين، لكن التغطية الإعلامية للصراع من قبل وسائل الإعلام في الدول المطبِّعة تؤكد أن مثل هذا الاتفاق سيستمر لاعتبارات تتعلق بفرض بالسلام الإقليمي لدولة الاحتلال؛ فـ (إسرائيل) أصبحت هي التميمة التي تعلقها الأنظمة السياسية على صدرها في العالم الثالث للنجاة من العقوبات الأمريكية، وهذا الأمر أظهره بوضوح غياب المبادرة السياسية العربية والإسلامية؛ سواء عبر المؤسسات الجامعة للنظم السياسية العربية والإسلامية أم عبر مبادرة تتبناها تلك النظم، فقد التزم الوسطاء في مصر وقطر بالتحرك في سياق المسار الأمريكي للحفاظ على الهدوء وليس دعماً وإسناداً للهبَّة الفلسطينية، وحينما اتضح للجيش الإسرائيلي أن الأموال التي تُدخِلها قطر للقطاع تتحول لتشييد البنية التحتية للمقاومة طالب رئيس أركانه بلا تردد بإبعاد قطر عن الملف الفلسطيني.

 


أعلى