الزلزال الكبير

قلم التحرير


الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على نبيِّنا محمّدٍ وعلى آلِه وصحبِه، وبعدُ:

شهدتْ فلسطين وما حولها أحداثاً متتالية، بدءاً من صفقة القرن التي خرج راعيها (ترامب) من المشهد، إلى انسدادٍ سياسيٍّ لدى كلٍّ من حكومتَي تل أبيب ورام الله، إلى إيغالِ اليهود في تسريع وتيرة تهويد القدس حتى وصلوا إلى محاولة تقاسُم المسجد الأقصى مكانياً وزمانياً وتصفية الوجود الفلسطيني حوله.

ولكنَّ الملفت للنظر أن الأمور انقلبت رأساً على عقب؛ فمع نشوة اليهود بمكاسب التطبيع الأوَّلية كُسرتْ هيبتهم بإثبات انكشافهم العسكري بمرور صاروخٍ مجهولِ الهوية فوق المنطقة من الجولان إلى قرب مفاعل ديمونا النووي على الحدود المصرية، ولم تنجح لا القبة الحديدية ولا الطيران الصهيوني في اعتراضه، وأُتبِع ذلك بدخول حماس على الخط نتيجة أحداث المسجد الأقصى وحيِّ الشيخ جراح، واستُكملَتْ عملية تعرية دولة الاحتلال الصهيونية عسكرياً في معركةٍ لم تتعدَّ 11 يوماً، تدخلت خلالها أمريكا سريعاً لإنقاذ (إسرائيل).

لقد سارت الأحداث في منحنيات خطيرة أهمها انهيار الصورة النمطية المرسومة عالمياً؛ فلم تعد (إسرائيل) واحة الديمقراطية بل دولة فصل عنصري مجرمة، ولم يعد الفلسطيني إرهابياً بل صاحبَ حقٍّ وقضية عادلة له حق الدفاع عنها. وتسرب هذا في وجدان الناس ونجح ما يمكن تسميته بـ (مناصري فلسطين) في حشد مئات الألوف من المتظاهرين من اليابان شرقاً إلى أمريكا غرباً حيث شهدت مدنها مظاهرات حاشدة رُفِعتْ فيها شعارات (فلسطين حرة) إلى جنب (إني أختنق) في رمزية لتحوُّلٍ في مزاج الشعب الأمريكي؛ خاصة الشباب منه، وانهيار تأثير الدعاية النمطية. فقد انخفض تأييد الشباب الأمريكي لـ (إسرائيل) من 75% عام 2018م إلى 33% فقط حالياً، ولم يعد بإمكان السياسي الأمريكي تكرار أسطوانة تبنِّي حق (إسرائيل) في الدفاع عن نفسها دون أن تنهال عليه أسئلة الصحفيين حول حق الفلسطينيين في الدفاع والمطالبة بموقف صريح من استهداف المدنيين الفلسطينيين وخاصة الأطفال.

إنها ظاهرة نابعة أساساً من بروز قوة نامية لفلسطين وانكشاف تراجع الردع الإسرائيلي وعبثيته. إنه زلزال نفسي هائل ستكون له آثار مفصلية على مستقبل الأحداث؛ فقد عادت قضية فلسطين إلى الوجدان الإسلامي وانكسرت نفسية اليهود، ويكفي قول أحد المحللين اليهود إنه اكتشف أن وجودهم في القدس حالياً يشبه الوجود الصليبي سابقاً؛ بمعنى أنه مؤقت.

وهنا نسأل: هل يمكن الاستمرار في الحصار الجماعي لغزة؟ بل هل يمكن الحدُّ من هجرة اليهود العكسية؟

والجواب: إن الزلزال كبير وشامل، ولذا فالصراع سيستمر بشراسة ولن تستطيع أمريكا الاستمرار بإمساك خيوط اللعبة؛ فقد بدأ الاصطفاف من جديد للجولة القادمة.

 

أعلى