العلمانية... والرموز الدينية!

فأساس الخلاف متعلق بأن العلمانية تريد أن تجعل رسالة الإسلام علاقة روحيـة بين العبد وربه، يقتصر على الجانب الفـردي الخاص، يؤدي شعائر دينه حسب حريته، كخيار من خيارات الفرد ليختار الطريقة التي يدير بها شأنه الخاص بما لا يعارض السياق العلماني العام.

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

كان لافتاً ما صاحبَ حفلَ (تنصيب الرئيس الأمريكي) من حضورٍ بارزٍ للمعاني والرموز الدينية، قد أبدى كثير من الناس تعجُّبهم من الدولة العلمانية الغربية التي يحضر فيها الدين بمثل هذه الطريقة، كما قام آخرون بتوظيف هذا الحضور الديني في نقد الخطاب العلماني الذي يتحسس من حضور الدين في العالم العربي والإسلامي، بينما ليس في هذا أي حساسية في العلمانية الأمريكية.

هذا الحضور الديني في المشهد العلماني، وطريقة تعاطي كثير من الناس معه يحتم ضرورة التأكيد على حقيقة العلمانية، وطبيعة الخلاف معها.ذلك أن حضور بعض الكلمات الدينية أو الإشادة بها أو التذكير بها في الفضاء العام لا ينافي العلمانية، وليس في هذا ما يتعارض مع أصول العلمانية، أو يخالف أسسها المركزية، نعم! قد يرفضها بعض متطرفي العلمانية لرفضه للدين كليّاً، لكن هذا في الأصل ليس هو أساس الخلاف بين العلمانية والإسلام؛ فالأصل أن لا يثير مثل هذا المشهد أي إشكال.

فأساس الخلاف متعلق بأن العلمانية تريد أن تجعل رسالة الإسلام علاقة روحيـة بين العبد وربه، يقتصر على الجانب الفـردي الخاص، يؤدي شعائر دينه حسب حريته، كخيار من خيارات الفرد ليختار الطريقة التي يدير بها شأنه الخاص بما لا يعارض السياق العلماني العام.

فالعلمانية تقوم على فصل الدين عن الدولة أو عن النظام؛ بمعنى أن لا يكون للدين أي سلطة في فرضٍ أو منعٍ، وإنما هو خيار فردي خاص، فالعلمانية في الأصل لا تعارض التدين الفردي، ولهـذا فلو استشهد بكلام ديني، أو أقسم على كتاب مقدس، أو أشاد بأمر ديني... فكل هذا لا يعارض العلمانية، لأن هذا ما يزال باقياً في محيط الاختيار الفردي ولم يترتب عليه أي تأثير على القانون العام، ولم يستند إليه في فرض قوانين وأنظمة على من لا يعتنق هذا الدين.

فحقيقة الأمر أن حضور مثل هذه الرموز الدينية لا يعارض العلمانية، ولا يصح أن تُتَّخَذ دليلاً ملزماً ضد العلمانية ليقال لهم باستنكار: (انظروا إليهم كيف يتقبلون دينهم أو لا يعادونه!)، لأن هذا هو شأن العلمانية ومنهجها.

وليس هذا فحسب؛ بل إن الرموز والمعاني الدينية قد تكون مؤسِّسة لمشروعية العلمانية، وليس أنها لا تخالف العلمانية فقط، فالعلمانية قد تستند في مرجعيتها إلى نصوص دينية، كما أنها ممتنة في تجربتها التاريخية لمواقف دينية ساهمت في نشأتها، فهي تجربة غريبة تأثرت بعوامل كثيرة، منهـا العامل الديني الذي أسس لمشروعيتها؛ فالموضوع إذن يتجاوز مجرد عدم المعارضة، بل قد يصل إلى الاستناد إليه في المشروعية.

لماذا يجب علينا أن نحرص على إظهار مثل هذا الأمر؟

هذا التأكيد مهمٌّ لأمرين أساسيين:

الأمر الأول: أن الصراع مع العلمانية صراع طويل، فالمصطلح بقي قبيحاً كريهاً منبوذاً عند جمهور واسع من المسلمين، مع قصورٍ ظاهر في فهم حقيقته، ونشأت أجيال من المسلمين ربما لا تعرف سبب الخلاف ولا دوافعه.

فيجب أن يحافَظ على توضيح المعنى الذي من أجْله كانت العلمانية قبيحة؛ فالعلمانية قبيحة في وعي المسلم لأنها تقصي الدين عن النظام العام، وتُبْعِد شريعة الله عن الحكم، وتضع نفسها مرجعية موازية تحكم في دماء الناس وأموالهم وأعراضهم بعيداً عن نور الوحي.

هذا هو جوهر العلمانية الصلب، وهي تتفاوت بطبيعة الحال في درجة إبعادها عن الدين، لكن القدْر المحكَم، والأصل الثابت في إقصاء الدين هو أن لا يكون حكَماً بين الناس، لأن الدين هو خيار خاص، وحرية فردية.

الأمر الثاني: أن كثيراً من مفاهيم العلمانية قد تسربت إلى بعض المسلمين عبر أوعية ومفاهيم جديدة؛ فمَن لم يكن واعياً بحقيقة العلمانية ومنطلقاتها الأساسية فإنه قد يتأثر ببعض مضامينها من حيث يظن أنه معادٍ لها، فحتى لا تتحول الخصومة مع العلمانية إلى خصومة مع مصطلحات فنية أو قضايا تاريخية، يجب أن تبقى الأسباب الحقيقية للخلاف ظاهرة بيِّنة.

فالتأكيد على حقيقة العلمانية، وبيان محل خلافها الحقيقي بهذه الطريقة ضروري لئلا يشوَّه وعي المسلم المعاصر فيتصور أن الخلاف مع العلمانية متعلق بأمر لا تعارضه العلمانية، بل قد تشجعه، وتراه أحد تنوعاتها المميزة لها؛ فحضور الدين في الفضاء العام في المساحة التي لا إلزام فيها هو من التنوع الديني الذي تتفاخر العلمانية المعاصرة بأنها تحتمله، وأن ما يقع داخل العلمانية من اختلاف في ذلك هو عندهم من التنوع المثري للفكرة العلمانية، فلا يصح أن يكون وعي المسلم بالعلمانية قاصراً إلى حدٍّ يفهم فيه العلمانية على معنى هي تراه من محاسنها!

 

 

أعلى