فلسطين ونظرية الخروج

فلسطين ونظرية الخروج

فلسطين كانت ولا تزال جوهر الصراع العربي الصهيوني، فلم يكن احتلال فلسطين من العصابات الصهيونية وقيام الكيان الصهيوني منذ 66 عامًا البداية، بل كان الانتداب البريطاني على فلسطين بعد هزيمة الدولة العثمانية ودحرها في عام 1917م ما شجع اليهود على الهجرة إليها وإقامة المستوطنات الزراعية وتكوين تجمعات في أطراف المدن الفلسطينية.

وإذا عدنا إلى العمق التاريخي نرى أن وعد بلفر لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين لم يكن الوعد الأول بل سبقه في هذا نابليون بونابرت أثناء حملته على مصر والشام وبالتحديد عام 1799م بعد فشله في غزو عكا بدعوته لليهود للانضواء تحت لوائه من أجل إعادة تأسيس أورشليم القديمة. في تلك الفترة وحتى منتصف القرن التاسع ظهر الاهتمام الفرنسي بمشروع توطين اليهود في فلسطين لتوظيفهم لصالح مخططاتهم التوسعية الاستعمارية في المشرق العربي.  وكان الممثل الرئيسي لهذا المشروع «أرنست لاران» السكرتير الخاص لنابليون الثالث، حيث وضع سنة 1860م كتابًا بعنوان «المسألة الشرقية وإحياء القومية اليهودية» أبرز فيه المكاسب الاقتصادية التي ستجنيها الدول الأوربية في حال إعادة اليهود إلى فلسطين، داعيًا أوربا كلها لانتزاع فلسطين من الإمبراطورية العثمانية ومنحها لليهود.

ويشير المؤرخ الصهيوني «ناحوم سوكولوف» إلى أن الحكومة الفرنسية نشرت رسالة بدون توقيع تحت عنوان «رسالة يهودي إلى إخوته» ظهرت مطبوعة في فرنسا وإنجلترا تتضمن خططًا لبعث أمة اليهود. كذلك رأت بريطانيا أهمية قيام دولة لليهود في فلسطين حتى تتمكن من وضع يدها على الشرق بأكمله والسيطرة الكاملة على طريق التجارة حينما قام اللورد البريطاني شافتسبري زعيم حزب الإنجيليين بتقديم مشروعه لاستيطان اليهود في فلسطين تحت الحماية الأوربية إلى اللورد «بالمرستون» وزير الخارجية البريطانية.

كان شافتسبري لا يرى إقامة اليهود في فلسطين تبنيًا لحقوقهم التاريخية بل كان كرهًا لليهود ووصفهم بأنهم شعب من الغرباء المنبوذين سود القلوب المنغمسين في الانحطاط الخلقي والعناد والجهل وهم ليسوا سوى خطأ جماعي؛ ولكل هذا عارض شافتسبري منح اليهود حقوقًا سياسية ومدنية في أنجلترا ودعا للتخلص منهم خارج بريطانيا.

وأظهر شافستبري حقيقة أقامة وطن لليهود في فلسطين في مقال له نشر في كتاب «رحاله إلى فلسطين»، عرض فيه مصالح إنجلترا وشرح نظرية «شعب عضوي منبوذ - نافع - ينقل خارج أوربا - لتوظيفه لصالحها».

كما روجت الصحافة البريطانية في تلك الفترة لهذه الدعوة، فظهرت مقالات عديدة في الصحف البريطانية مثل التايمز تحث على تنفيذ مشروع توطين اليهود في فلسطين ثم نشطت في تلك الفترة الجمعيات البريطانية العاملة لتحقيق هذا الغرض، وتأسس من أجله صندوق «اكتشاف فلسطين» بهدف تمويل دراسات وأبحاث عن فلسطين، كما قام السير «جين هنري دونانت» مؤسس الصليب الأحمر الدولي بتأسيس «جمعية استعمار فلسطين» ولعب دورًا أساسيًّا في تأسيس وتمويل جمعية «أحباء صهيون» التي نشطت بين يهود أوربا الشرقية ونظمت منهم أول هجرة صهيونية إلى فلسطين عام 1881م.

وكانت قبل ذلك عام 1870م تأسست أيضًا في بريطانيا جمعية «الآثار التوراتية»، وكان من أهدافها «البحث عن الآثار والتسلسل الزمني والتاريخ القديم والحديث لبلاد آشور والجزيرة العربية ومصر وفلسطين» وغيرها من المناطق التوراتية كما تراها.‏

ثم تأسست جمعيات أخرى في فرنسا وألمانيا مثل «المدرسة الفرنسية للدراسات التوراتية والأثرية» التي تأسست في فرنسا عام 1890م، أما في ألمانيا فكانت «الجمعية الألمانية للدراسات الشرقية» التي تأسست عام 1897م. 

أما المؤسس الحقيقي للصهيونية فهو «تيودور هرتزل» الذي كان منهجه يكمن في توظيف اليهود لحل مشاكل الغرب والنظر إلى المسألة اليهودية علي أنها مشكلة سياسية دولية غربية تجتمع كل الأمم المتحضرة الغربية لمناقشتها وإيجاد حل لها، والحل هو ببساطة «الخروج»، كالخروج من مصر، لكن هذه المرة سيتم بمراقبة الرأي العام الغربي وبمعاونة صادقة من الحكومات.

قاد هرتزل المنظمة الصهيونية باتجاه نوعين رئيسيين من النشاط: بناء المؤسسات الصهيونية المختلفة الضرورية لوضع الأفكار الصهيونية التوسعية موضع الممارسة، وإجراء الاتصالات مع كبار المسؤولين في الإمبراطوريات القائمة بهدف الحصول على الدعم الكامل لمشروع استعمار واستيطان فلسطين وإقامة الدولة اليهودية.

نتيجة لهذه الجهود التي قام بها هرتزل تم عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا سنة 1897م. وقد حدد المؤتمر هدف الصهيونية الأساسي وهو إقامة وطن لليهود في «أرض إسرائيل» معترفًا به وفقًا للقانون العام، وذلك عن طريق إجراءات أولها تطوير أرض «إسرائيل» بشكل منظم بواسطة توطينها باليهود المزارعين والحرفيين والمهنيين، كما قرر المؤتمر إنشاء المنظمة الصهيونية العالمية، وأقر لوائحها التنظيمية وانتخب هرتزل رئيسًا لها وللجنتها التنفيذية.

:: مجلة البيان العدد  344 ربـيـع الثاني  1437هـ، يـنـايــر  2016م.

أعلى