• - الموافق2026/05/18م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
مِن وَصايَايَ لوَلدي: أيْ بُنَي! لا أخاف عليك الباطل المحض!

كيف يوجّه الكاتب ابنه للحذر من الباطل الممزوج بالحق، موضحًا أساليب الشيطان في الاستدراج التدريجي، ومؤكدًا أن الثبات على الحق يتحقق بالإخلاص، والعلم الشرعي، واستحضار الوقوف بين يدي الله يوم القيامة دائمًا؟


هذه وصية أوصيتُ بها ولدي، ورأيتُ حقّ أبناء المسلمين عليَّ أن أَبُثّ لهم ما أَبُثّه لولدي من الوصايا؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الدِّين النصيحة». فقال الصحابة: لِمَنْ يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»[1]؛ عسى أن يكون عِلمًا يُنتَقع به يوم القيامة، وأن يكون عملًا يبقى لنا جريان أجره في قبورنا إلى يوم الدين بواسع رحمته، وجليل كرمه عز وجل.

أي بُنَي! يا فلذة كبدي! يا مهجة فؤادي! يا قُرّة عيني!

إني لا أخاف عليك الباطل المحض! فما أهون الباطل المحض؛ لنفور الفطرة السوية منه؛ فإن رائحته أنتن من أن تحتملها أنف سوية، وصورته أقبح من أن تطيقها عيون طيبة، وفوق هذا وذاك... فطنينه يصمّ الآذان، ويُصدّع الرؤوس الإنسانية، وبه من المُنفِّرات ما لا تحتاج معه إلى التنفير منه، كما عليه مِن المُقزّزات ما يُغْني عن التحذير من شرّه...

ولكن، أخشى ما أخشاه عليك؛ الباطل المُلبَّس بالحقّ، وكلما كانت نسبة الحق أكثر من الباطل في الشيء الواحد؛ كان التلبيس أشد، والإغراء أعظم؛ إذ هناك تناسب طردي بين نسبة الحق المُلبَّس بالباطل، وسرعة انتشار الباطل في أهل الحق.

فإن الباطل الذي تلبّس به 1% من الحق؛ تكون سرعة انتشاره 1%، بينما الباطل الذي تلبّس به 99% من الحق؛ تكون سرعة انتشاره 99%. وكأن الحق الذي تلبّس بالباطل هو وقود نَشْره، ومقياس سرعته!

وهكذا؛ فعلى قَدْر الحق الذي اشتمل عليه الباطل؛ تكون سرعة انتشاره بين أهل الحق والهدى والنور.

وبدون هذا التلبيس ما كان للئيم «إبليس» أن يُفلح في صيد فرائسه، وإيقاعهم في شباكه، وما كان له أن يُضِلّ قومًا بعد أن هداهم الله -سبحانه وتعالى-.

فلا أُحذّرنّك -يا بُنَي- من شيء تحذيري لك من أن تنخدع ببهاء الحق في أمرٍ عن ظُلمة ما فيه من الباطل،

أو أن تتدنّس بدَنس الباطل في شيء؛ فتنةً منك بطُهْر الحق المُلبّس به!

واعلم أنه كلما زاد إيمانك قوةً، واشتد الباطل خطرًا؛ زاد الشياطين من نسبة الحق المختلط بالباطل؛ حتى تعتاده النفس المُغرَّر بها، فإذا وقع الاعتياد؛ زاد الشياطين من نسبة الباطل، وأقلّوا من نسبة الحق،

ولا يزالون هكذا مع النفس المُغرَّر بها حتى تتقبَّل من الباطل الصريح؛ ما لو كان عُرِضَ عليها أول مرة لكان الموت الزؤام أهون من مجرد التفكير فيه!

ولكنها سهولة التدرج، ويُسْر الخطوات الشيطانية! وهذا عين ما حَذَّر منه الله -سبحانه وتعالى- قائلًا: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168].

جدير بالذكر أن الزمن بين أول مرة كانت نسبة الباطل أضعف ما تكون بالنسبة للحق، والمرة الأخيرة التي تقبل فيها الباطل الصريح القَفْر من ذرة حقّ؛ لا تتحقّق غالبًا في شخص واحد، أو جيل واحد، بل مع أجيال متعددة، وأشخاص متعاقبة؛ إذ يكتفي الشيطان مع كل جيل بزيادة نسبة الباطل بالقَدْر الذي يتحمّله منه! إذ في زيادة نسبة الباطل فوق ما تتحمّله النفس صدمة لها تكفيها للعودة السريعة إلى الحق الأبلج الذي كانت عليه في أول مرة!

فالشيطان عند تدرُّجه في رفع نسبة الباطل، وخَفْض نسبة الحق، يكون في تحاشيه لصدمة التلقّي أحرص منه على إضلاله؛ إذ صدمة الضحية تُعظّم احتمالية الإفاقة من غيبوبته، واكتشافه ما يتعرَّض له من الاستدراج الناعم، وما اكتسبه الإنسان من خبرة في خطير حِيَل الشيطان في استدراج الإنسان، وما يتبعه ذلك من صعوبة مهمة إبليس في محاولة البدء لاصطياده من جديد! كيف؟ وقد كشف خبيث حِيَله، وأدرك خَفِي شِرَاكه!

فإن سألتني -يا بُنَي!- أنَّى لي استخلاص نور الحق من ظلمة الباطل؟ وكيف أنتفع بطُهْر الخير بغير التدنُّس بدَنس الشر؟

قلت لك: سرّ ذلك -يا بُنَي- في أمرين لا ثالث لهما؛ فاحفظهما عني -حفظك الله بحفظه-:

أولهما: إخلاص نيتك لله؛ حتى يَطَّلع الله عليها في قلبك.

ثانيهما: مُواصلة الليل بالنهار في طلب العِلْم الرباني.

وليكن أعظم ما يذهب إليه همّك في طلب العلم! معرفة ربك -سبحانه وتعالى-، فإن معرفة الله -عز وجل- سيد العلوم، وأشرفها، وأقدسها.

ثم أَتْبِع ذلك بمعرفة جهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في تبليغ الإسلام، ثم واصِلْ تَعلُّمك بما كان من الصحابة الأجلاء من التضحيات العِظام في سبيل نُصْرة الإسلام.

وإياك أن يَحْجب شياطين الإنس والجن عنك بطولات الكرام، بالزلات والهنات؛ فإن الماء إذا فاض وجرى لم يحمل الخبث الذي يُفْسِد القناة الصغيرة. ولولا جهد الصحابة -رضي الله عنهم، بعد توفيق الله سبحانه وتعالى- ما كان للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يُحقّق ما حقَّقه في تبليغ الدعوة.

واعلم أنه لا سبيل لك إلى هذين الأمرين إلا أن تنعزل شعوريًّا عن هذه الدنيا، وما فيها من فِتَن متراكبة، ومِحَن متلاطمة. واعلم أنه لا سبيل لك إلى هذا الانعزال الشعوري إلا أن تتذكر هَوْل الوقوف بين يدي الله -سبحانه وتعالى- وحدك فردًا، حين لا ينفعك بين يديه -عز وجل- أبٌ، ولا أمّ، ولا أخ، ولا أخت، ولا مال، ولا ثروة، ولا أهل، ولا عشيرة، ولا قوم، ولا قبيلة، ولا دولة، ولا وطن، ولا منصب، ولا جاه، ولا ينفعك إلا ما كنت أخلصت نيتك فيه لله -سبحانه وتعالى-.

فهذا -يا بُنَي الحبيب- أخطر سُبُل المضلين في نَشْر ضلالهم، وأخفى سُبل المبطلين في بثّ باطلهم؛ وذلك أن الباطل -يا بُنَي- كالسُّمّ الزُّعَاف! فهل رأيت مُغتالًا مِن قبل يعطي زجاجة سُمّ للمقتول؟!

كذلك -يا فلذة كبدي- فلن ترى مُضِلًّا يُعطي ضلاله للمفتون في صورته الباطلة المستقلة عما عاداه؛ إذ الباطل في ظهور ضرره، ووضوح خطره مستقلًّا؛ أوضح من ظهور ضرر قارورة السُّم الزعاف. وكما أن المغتال بالسّم سيختار الطعام الذي يُحبّه المقتول ليضع به السم الزعاف؛ فكذلك -يا فلذة كبدي- فإن المُضِلّ يبحث عن الحق الذي يُحِبّه المفتون ليَخْلط به باطله قبل أن يُعطيه إياه!

وفي النهاية، يشهد ربي -سبحانه وتعالى- أني ما ادّعيت العصمة يومًا من دهري، ولا زعمت الكمال مرةً في نفسي، ولا رأيتني مثاليًّا في شيء من حياتي، ولكن عظيم حقك عليّ، وجليل مسؤوليتي عنك بين يدي الملك -عز وجل-؛ يُوجِب عليَّ أن أقوم لك مقام الراعي الشفيق، والولي الرفيق؛ إذ هذا غاية نَفْعي لك، ومنتهى إصلاحي لأمرك.

فإن أعرضتَ -أعاذك الله بواسع رحمته من الإعراض-؛ برئتْ ذِمّتي أمام الله -سبحانه وتعالى-، وتقطعت نفسي عليك حسرات! ولم يَطِب لي عيش، ولم تَصْفُ لي حياة!

وإن أخذت به -كما أدعو لك في سجودي قبل أن أراك-؛ كان فوزك الأبدي، ونجاتك في الدارين!

فهنيئًا لك ما أرجو به أن يجمعنا الله به في الفردوس الأعلى بواسع رحمته، وجليل كرمه -عز وجل-!

أنا بما نصحتُ، وأنت بما انتصحتَ!

والسلام عليك يا ولدي وعلى عباد الله الكرام أجمعين!


 


[1]  حديث صحيح؛ رواه الإمام أحمد (16940)، ومسلم (55)، وغيرهما.

أعلى