• - الموافق2026/04/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
منكرو السُّنة في الميزان

لماذا يُعد إنكار السنة النبوية خطرًا على فهم الإسلام نفسه، وكيف ردّ العلماء قديمًا وحديثًا على أبرز شبهاته؟ وما الذي تكشفه هذه المواجهة عن دور السنة في تفسير القرآن، وحماية الشريعة من التفكيك، وسط تصاعد دعوات الاكتفاء بالنص القرآني وحده؟


من الأقوال المتداولة هذه الأيام في الأوساط البحثية في سياق قضية محاورة مُنكري السُّنة النبوية الشريفة: القول بأنهم يعلمون ما يقولون، ويقصدون ما يفعلون، لا عن جهلٍ، بل عن قصد وتدبير، وليس علينا -إذا ناقشناهم- أن نُغفِل هذا المعنى.

فمَن ذا الذي يعلم قدر الرسول ويعلم حكمته، وما قاساه وتحمَّله من إيذاءٍ وطول عناءٍ في سبيل نصر دعوته وإبلاغها للعالمين، ثم يردّه في سُنته التي هي بعض أقواله وأفعاله الشريفة؟!

ومن ذا الذي يؤمن بالقرآن، ويؤمن بقدسيته وقدسية تنزيله، ثم يقبل أن يعاند بعض آياته؟ والله يقول: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]؟

  ومن ذا الذي يعلم فرضية الصلاة، ويعلم خطورتها في الإسلام، ثم يقبل أن يطعن في منبع بيان كيفيتها وشروطها وصحة أدائها؟

لذا فقد رأت بعض الأقوال أن هؤلاء عامدون وعاملون على ضلال غيرهم، ومما أيَّد ذلك أنهم -وفي غير موضع- استمروا في ترديد شبهاتهم هذه من غير أن يُظهروا معها ردود العلماء عليها.

وأقول لأصحاب هذا الرأي: إن كنا مأمورين بألّا نُقدّم سوء الظن تجاه إخواننا، وإن خالفونا؛ فإن تقديم الحكمة على الموعظة في هذا الموضع كان واجبًا؛ درءًا لهذا كله؛ لأن الأقلام الشرعية مدعوّة -بإلحاح الضرورة- إلى مواجهة مثل هؤلاء، وأن تبذل المروءة الشريفة لإنقاذ مَن يُغرَّر به من أبنائنا القاصرين الذين يحتاجون إلى مَن يبذل لهم النصح الرشيد والتوعية الواجبة.

الخطأ الكبير في وصف منكري السنة النبوية بـ«أهل القرآن»

من المعلوم أن تقرير الخطأ لأمرٍ من الأمور، أو في قولٍ من الأقوال، صغيرًا كان أم كبيرًا، من دون أن تنهض إلى جانبه حُجّته التي تؤكده وتدلّ عليه، أمرٌ لا يستقيم، ولكن، ألا تتفقون معي أن من الخطأ الكبير إطلاق كلمة «أهل القرآن» على الذين باتوا يُنكرون سُنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي نزل عليه القرآن، سواء في كل أو بعض أقواله وأفعاله؟

أي وربّي، إنه لخطأٌ كبيرٌ! إذ ما هو الخطأ في أعراف الناس، إن لم يكن الوصف جنايةً تُلحق التكريم بمن خالف ومارس المخالفة والإغواء؟

أي وربّي، وإنه لخطأٌ سيحاسبنا عليه النشء الذين نُعلّمهم حين يكبرون أن «أهل القرآن» الذين هم أهل الله وخاصته وصفوته الذين يحفظونه في صدورهم، ويعلمونه حق علمه، ويعملون بهديه، وبهدي نبيه -صلى الله عليه وسلم- الذي عليه نزل، وهم أولى النَّاس به، يُصلّون عليه ويهتدون بنوره، أبدًا ليس بينهم أقوامٌ اعتبروه ساعيًا للبريد -يصل بالرسالة ولا يزيد- مع الاعتذار لهذا العمل الحر الشريف.

 الإعجاز في حديث رسول الله فيمن قالوا بإنكار سُنته:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يوشِكُ الرَّجلُ متَّكئًا على أريكتِهِ يحدَّثُ بحديثٍ من حديثي، فيقولُ: بينَنا وبينَكُم كتابُ اللَّهِ -عزَّ وجلَّ-؛ ما وجَدنا فيهِ من حلالٍ استحلَلناهُ، وما وجدنا فيهِ من حرامٍ حرَّمناهُ؛ ألّا وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مثلُ ما حرَّمَ اللَّهُ»[1]

لم يشتمل هذا الامتلاء الدلالي على كلمةٍ واحدةٍ حاكمةٍ في وصف هذا النص الشريف تُحسِّن أداء معناه، ولا يُحسنه غيرها من الكلمات غير كلمة الإعجاز؛ لأن معنى الإعجاز -في حقيقته- هو هذا المعنى الذي يقوم على الإخبار بالغيب في وصف أقوامٍ ووصف قولهم الذي تفصل بينهم وبينه أزمانٌ بعيدة بدت كأنها بحساب السنين الضوئية، قبل أن يعرف الناس هذا الحساب أو أن يقوم بينهم هذا المقياس؛ فإذا به يقول ذات الكلام بنفس هيئته وعباراته التي حملت معانيه!

ثم إذا هي الكلمات نفسها تدور بينهم؛ فإذ بها تُقيم عليهم الحجة، بعد أن بيّنت وفسّرت بعض آيات هذا الكتاب؛ {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]؛ هذا الكتاب الذي أرادوا الاعتراف به وحده، وجعلوه بمفرده مقياسًا صالحًا للاحتجاج، فهل بعد هذا كله هم راشدون؟

 منكرو السُّنة وحالهم مع حادثة المعراج

تعهّدت عقول مفكري الأمة وعلمائها، وتناوبت في مواجهة قضية منكري السنة منذ ظهورها على مدى الأجيال، ويظل التعهد واجبًا إذا ما وُجِدَ الجديد الذي يستحق أن يُذْكَر ويُقال، أو إذا كان التناول سيتطرق إلى زاوية غير مسبوقة من قبل، أو سيأتي بالجديد غير المطروق.

والحقيقة أن أصحاب الإنكار قد أنكروا مشهدًا روحيًّا يتمناه كل دين، يُعنَى بالجانب الإنساني ويَعرف مناط السمو فيه، ومكانته التي يتفرد بها عن سائر المخلوقات. بأن أنكروا عمدًا حادثة المعراج ومشاهدها التي تجلّت فيها وفِي سياقها تلك المعالجة الروحية السامية لرسول الإسلام محمد، وذلك تسرية له عن عامٍ اصطلح العلماء على تسميته «عام الحزن»؛ إذ فقد فيه زوجته الرؤوم وعمَّه الرحيم؛ اللذين نصراه وأيداه بعد أن خذله الخاذلون.

والجديد الذي نقصده هنا ونمضي به جريًا على سنة سادتنا العلماء هو شهادة سيدنا أبي بكر؛ التي هي شهادة صدق وتسليم؛ إذ قال قولته الشجاعة التي تفيض بحسّ اليقين: «إن كان قال فقد صدق؛ إني لأصدقه بخبر السماء»[2].

 والمكتفون بالقرآن هنا غرباء؛ لأن أبا بكر رجلٌ مشهودٌ له بالخير، ومذكورٌ بالثناء والصدق غير مرة في آيات القرآن، وغرباء لأن كلمات أبي بكر المؤمنة الواثقة ردّت المشركين؛ لكنها لم تُفلح في رد هؤلاء المنكرين.

قال تعالى: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].

والذي يقول إن كلمة الصِّدِّيق هنا ماضية في حادثة الإسراء نقول: إن معناها يمضي أيضًا في معراج الرسول الذي أتى ذِكْر أحداثه في صحيح البخاري؛ أصح كتاب بعد كتاب الله عند أهل السنة من المسلمين، وفيه أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «بينما أنا في الحطيم... فحُمِلْتُ على البراق... فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا»[3]؛ هذا فضلًا عن احتجاج العلماء عليهم بما تناولته آيات القرآن الكريم من بيان لهذه الحادثة الكريمة.

 إنكار منكري السنة للمعراج[4]

إن لم تكن هذه الآيات البينات سردًا كريمًا لحادثة المعراج فلأيّ شيء تسرد إذن؟ { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 1- 18].

القرآن وضرورة البيان الخارجي: حجة على منكري السنة

إن من تمام بلاغ القرآن وقوة إعجازه أنه لم يُحدّد نصه بتفسيرٍ واحدٍ، وإنَّما ترك عطاءه يُلهم العقول من العلماء الثقات، الذين هم ورثة الأنبياء والرسل على مر العصور والأزمان، وإلا لكان رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي نزلت عليه هذه الآيات وخُوطِبَ بها، أحق النَّاس وأولى بتفسيره.

ومن تمام البلاغ أيضًا واكتمال نعمة عطائه: أنَّه ترك بعض النصوص لتُفَسَّر بمصادر أخرى محكمة وفق منهج وضعه العلماء الثقات، وهو ما شذَّ عنه وخالفه أصحاب أفكار إنكار السنة. وقد ردهم العلماء القدماء والمعاصرون بما سبق، وجمّلناه بتعريف بعض الفروض والعبادات وبيان هيئتها، وهي الشروط التي تقوم عليها كل عبادة، وبدونها لا تصح.

ومن النصوص التي وضَّحت ذلك: قول الله تعالى في سورة يوسف: { قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]؛ فلم يتحرج هنا العلماء الثقات من الاستئناس بالروايات الواردة في قصة عمة يوسف «السيدة راحيل» التي ادعت سرقة ابن أخيها المحبوب يوسف لبعض أثر إبراهيم الموروث «حزام إبراهيم»، وذلك حيلة منها لإبقائه معها؛ إذ كان هذا الجزاء المتعارف عليه في ذلك الزمان، ولذلك كان قوله تعالى: {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [يوسف: 75].

وقد أخذ بهذه الرواية مفسرون كبار مثل الطبري وابن كثير، مقررين قاعدة شرعية بجواز الاستدلال في التفسير بما هو خارج النص القرآني، مع التأكيد على أنها من الإسرائيليات التي لم يتحرّج العلماء من ذكرها؛ لأنها لم تُستخدم لنفي أو إثبات حكم شرعي، وإنَّما لبيان سياق الحدث وفهم أقوال الإخوة، والتي يصح -كما قالوا- أن تكون محض كذب وافتراء.

 حَصْر الشبهات التي قال بها منكرو السنة وردود العلماء عليها:

إنَّ من الوسائل البحثية المهمة التي تسير عليها المقالات، والتي تنشد بها فضيلة الاكتمال فيما تتضمنه من أفكار وآراء، أن تستأنس بآراء تؤيد بها وجهتها التي تسير عليها، وذلك بالرجوع إلى المراجع المعتبرة عند أهل العلم والسادة العلماء الثقات.

ولعل هذا الاستشهاد المنقول -بغير تصرف منا- يفيد أيضًا من جهة كونه يحصر الشبهات التي جاء بها منكرو السنة النبوية الشريفة، ويعرض ردود العلماء عليها، مع تضمّنه الإشارة إلى المراجع التي ذكرت فيها ونقلت عنها.

 

الشبهة عند منكري السنة

مضمون الشبهة

أبرز من قرر الرد

ردّ العلماء بإيجاز

القرآن وحده كافٍ للتشريع

القرآن كامل ولا يحتاج إلى السنة

محمد بن إدريس الشافعي - ابن تيمية

القرآن نفسه أمر بطاعة الرسول واتباعه، وجعل بيانه للشريعة لازمًا، مثل قوله: {وأطيعوا الرسول}، وقوله: {لتبيّن للناس ما نُزّل إليهم}.

السُّنة ليست وحيًا

السنة اجتهاد بشري وليست ملزمة

 محمد بن إدريس الشافعي

ثبت بالنص القرآني أن ما جاء به الرسول في التشريع وحي، وأن السنة بيان للقرآن وتشريع تابع له.

تأخُّر تدوين الحديث يُضْعِف الثقة به

الأحاديث كُتبت بعد زمن طويل

ابن الصلاح - ابن حجر العسقلاني

السنة حُفِظَت بالرواية والإسناد قبل التدوين، ونشأ علم الجرح والتعديل لضبط النقل بدقة تاريخية غير مسبوقة.

وجود أحاديث ضعيفة أو موضوعة

وجود الخطأ دليل على سقوط السُّنة

البخاري، ومسلم بن الحجاج

العلماء ميّزوا الصحيح من الضعيف، ووجود الموضوعات دليل على قوة منهج النقد لا على بطلان السنة.

السُّنة تخالف العقل أو العلم

بعض الأحاديث غير مقبولة عقليًّا

الغزالي - ابن تيمية

التعارض وهمي؛ بسبب سوء الفهم أو ضعف الحديث أو قصور المعرفة، ولا يصح ردّ النصوص القطعية بالعقول الظنية.

السُّنة مصدر للتفرق الفقهي

اختلاف الأحاديث سبب اختلاف المسلمين

ابن عبد البر

الاختلاف واقع في فهم النصوص لا في حُجيتها، والسُّنة نفسها وضعت منهجًا للتعامل مع الاختلاف.

العبادات يمكن فهمها من القرآن وحده

تفاصيل الشريعة موجودة في القرآن

محمد بن إدريس الشافعي

القرآن جاء بالأصول، والسُّنة جاءت بالتفصيل (الصلاة، الزكاة، الحج)، وبدون السنة تتعطل الأحكام.

اتباع السنة شرك في التشريع

طاعة الرسول تجعله شريكًا لله تعالى

ابن تيمية

طاعة الرسول من طاعة الله؛ لأنه مُبلِّغ عنه، والقرآن صريح في ذلك.

 

الرد على شبهات أحد منكري السُّنة المعاصرين:

من أقوال أحد منكري السنة النبوية المعاصرين أن مقام الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومنزلته التي يقوم عليها دوره، يقتصران على مهمة التبليغ فحسب، مستدلًا على قوله هذا بالآية الكريمة: { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [النور: 54].

ويستطرد ذلك الأستاذ في كلماته بأن من صفات الله سبحانه كمال المعرفة، ومن المحال -في زعمه- أن تحتاج كلماته إلى مُفسِّر أو مُبيِّن.

ثم يضيف رأيًا يعكس نظرته إلى العصر الحديث؛ إذ يرى أننا قد تجاوزنا القرن الحادي والعشرين، فكيف يُحتكَر فَهْم القرآن وتفسيره والدين وأحكامه عند عبد الله بن عباس وغيره ممن عاشوا في القرون الهجرية الأولى، ونحن نعيش اليوم عصر التكنولوجيا والرقمنة التي ترفع درجات الاستفادة إذا ما استُخدمت الوسائل الحديثة؟

ويعلم ذلك الأستاذ أن الأمة الإسلامية قد تفرّدت عن غيرها بالعلم الشرعي الذي قامت أصوله على المتن والسند المتصل، بدءًا بالحافظين للنصوص والرواة، وانتهاءً بالرسول -صلى الله عليه وسلم- نفسه؛ فالقرآن الذي في أيدينا الآن، وكذلك صحيح الحديث النبوي الشريف، هو بالضبط ما كان في يد الرسول وقت النزول، لفظًا ومعنًى. فأيُّ عِلمٍ من العلوم الحديثة حظي بمثل هذه الدقة والأمانة في النقل والتبليغ؟

علمًا بأننا لا نصادم الوسائل الحديثة، بل نستخدمها فيما ينفع العلم الشرعي ويحفظه، كما هو معمول به في غير موضع ومكان، والأمر نفسه يتضح في الجامعات والمراكز البحثية الشرعية؛ حيث لا يُمنَع أيّ باحثٍ أو طالبٍ أو أستاذٍ من تناول أيّ موضوعٍ أو مبحثٍ، أو نصٍ دينيٍّ، سواء بعرض رأيه موافقًا أم مغايرًا، أو منتقدًا لآراء السابقين، شريطة الالتزام بالمنهج العلمي والمعايير والضوابط البحثية، وأن يكون الباحث مؤهلًا علميًّا بما يكفي للبحث والإدلاء برأيه.

ومن الأمثلة العملية على هذا الانفتاح والابتكار في الفقه: مشروع «الوصية الواجبة» التي أضافها بعض العلماء والفقهاء في مصر عام 1946م، ضمن المعايير الفقهية الحديثة، ووافقت عليه المؤسسات الشرعية، وجرى العمل بها وتطبيقها، رغم أنها لم تُعرَف من قبل في المصادر التراثية أو الفقهية، مما يعكس قدرة الشريعة على التجدُّد بما يخدم الناس ضمن الأصول والأدلة الشرعية.

فالمتتبع لحركة البحث في الجامعات والهيئات الشرعية يجد أن النشاط العلمي للطلبة والأساتذة والباحثين مستمر دون توقف، وهو ما يعكس حرص الأمة على الجمع بين الأصالة العلمية والدقة في النقل من جهة، والانفتاح على وسائل العصر الحديثة من جهة أخرى.

أمّا هذا الاحتجاج القديم المتجدّد بالآية الكريمة: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [النور: 54]؛ فالدفع عنه أن إثبات صفةٍ لشخصٍ في موضعٍ ما لا يمنع اتصاف الشخص نفسه بصفاتٍ أخرى في موضعٍ آخر، ولا تعارض بين ذلك؛ فالفرد الذي يُوصف بالصدق مثلًا- يجوز أن يُوصَف بالأمانة في موضع آخر، أو يُجمَع له بين الصفتين معًا، ولا تناقض في تعدُّد صفاته أو مهامه التي يقوم بها.

وعليه، فإنَّ إثبات صفة البلاغ للرسول -صلى الله عليه وسلم- في موضعٍ من القرآن لا يعني نفي غيرها من الصفات أو الوظائف التي ثبتت له في مواضع أخرى. وغنيٌّ عن البيان أن نقرأ آيات الله في بيان عمل نبيه في أُمّته لنُدرك تعدُّد مهامه ووظائفه، ويتضح ذلك من قوله تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151]؛ فهذه الآية تبين أنَّ دور نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- لم يقتصر على التبليغ فحسب، بل تعددت وظائفه؛ فكان:

معلِّمًا: يشرح القرآن ويبيّن أحكامه للصحابة والمجتمع.

مربّيًا: يزكّي النفوس، ويُعلّم الأخلاق، ويوجّه السلوك.

مبينًا للقرآن: يوضح معاني الآيات، ويبيّن كيفية تطبيق الأحكام.

فإثبات البلاغ له -صلى الله عليه وسلم- لا ينفي عنه التعليم والتزكية والبيان، بل هي وظائف متكاملة يشهد لها القرآن نفسه.

معذرةً يا رسول الله!

صحيح أن أولى الناس بالاعتذار مَن أخطأ، وهو يعلم قَدْر مَن أخطأ في حقه، وأولى منه مَن طالع سيرة المُخطَئ في حقه، فوجد صفحاتها حافلة بالمواقف والأعمال التي شملت بعطائها المنكرين له والتابعين سواء بسواء.

على مدار حياة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ودعوته أيامٌ وأيامٌ تتنافس في قسوتها وشدتها، فلا نعلم أيهما أولى بالتقديم فنقدمه؛ إذ إن شدائد دعوات الرسل لا تُقاس بطول الأيام، بل بعِظَم ما لاقوه من البلاء.

أفي يوم الطائف حين أغرى به المشركون غلمانهم وسفهاءهم فآذوه بما لا يُطاق؟ أم في يوم أُحُد حين أُدْمِي الجسد الشريف وهو يتلقَّى ضربات المشركين وطعنهم في المعركة؟ أم في يوم الهجرة حين خرج مكرهًا فرارًا بدينه حتى يُبلِّغ رسالة الإسلام إلى العالمين؟

لم يفعل النبي ذلك طلبًا لمَجْدٍ يَظفر به، ولا لمالٍ يكتسبه، بل تحمَّل ما تحمّل، وفعل ما فعل ليُبلِّغ للناس دينًا وسعت رحمته الجميع، المنكرين لسُنّته والمتبعين، بل شملت رحمته حتى ذلك الرجل المتكئ الذي يرد من الدين ما قاله الرسول، وقد أصم عينيه عما قاساه الرسول من أجل أن يبلغه -في متكئه هذا- هديه الشريف.

 


 


[1] أخرجه ابن ماجه (١٢)، وأحمد (١٧١٩٤) باختلاف يسير. وصححه الألباني.

 [2] كتاب المواهب اللدنية في المنح المحمدية. المقصد الخامس الإسراء، (رواه الحاكم في المستدرك؛ البيهقي في دلائل النبوة)، ص ٥٠٥.

[3] أخرجه البخاري في باب المعراج، حديث رقم (٣٦٧٤)، من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه.

[4] أنكر بعض المعاصرين حادثة المعراج أو يؤولونها تأويلًا رمزيًّا، ومن ذلك ما ذهب إليه محمد شحرور في الكتاب والقرآن، وما يقرره الاتجاه القرآني عند أحمد صبحي منصور في الاقتصار على القرآن ورفض روايات المعراج.

أعلى