• - الموافق2026/04/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
العلاقة الزوجية وعظيم أثره

لماذا يحب الإنسان أشياء لا علاقة لها مباشرة بسعادته أو تعاسته؟ وكيف تكشف هذه الحقيقة النفسية سرّ قوة العلاقة الزوجية في بناء التماسك الأسري؟ وهل يمكن أن يكون غياب هذا الترابط العاطفي أحد أخطر أسباب التفكك الاجتماعي المعاصر؟

محمد فريد فرج فراج المصري(*)

[email protected]

 

ما أوضح معاناة العَالَم من الاكتئاب، والتَّعاسة، وسائر الأمراض النفسية، والجسدية! وهو عكس المتوقع كنتيجة لما وصل إليه العالم من طفرة غير مسبوقة في الرفاهية.

ألا وإن التناقض بين تعاسة البشر ورفاهيتهم غير المسبوقة ليدعو كل ذي مسكة من عقل للتفكير في سبب ذلك التناقض غير المتوقع. 

وهو موضوع المقال الذي يتناول «التلازم الشعوري» في «العلاقة الزوجية»، وعظيم دوره في الاستقرار المجتمعي، وازدهاره.

أما بالنسبة لاسم قاعدة «التلازم الشعوري» في «العلاقة الزوجية» فهو مِن كيسي أنا؛ أما عن حقيقة القاعدة فهي مأخوذة من تجربة قديمة في عِلْم النفس تسمى بتجربة «ألبرت الصغير»[1].

وخلاصة التجربة:

المرحلة الأولى/ جاءوا بطفل صغير معتاد على الاستمتاع بمداعبة الحيوانات الأليفة بدون أدنى خوف منها.

المرحلة الثانية/ جاءوا بعد فترة؛ وقرّبوا من الطفل ألبرت قطة، وفي الوقت الذي تقترب القطة من الطفل يقف رجل خلف الطفل يضرب عمودًا من الحديد بمطرقة؛ فيُصْدِر صوتًا مزعجًا.

فأصبح الطفل يخاف من القطة التي كان يستمتع باللعب معها مِن قبل.

وكرَّروا هذه التجربة مع الكلب الأليف، ومع القرد الظريف، ومع ارتداء الأقنعة الحيوانية.

وفي كل التجارب كانت النتيجة واحدة؛ وهي: خوف الطفل من أيّ حيوان أليف كان يستمتع باللعب معه من قبل، وخوفه ممن يرتدي الأقنعة!

المرحلة الثالثة/ قاموا بإلغاء الصوت المزعج، وعادوا إلى المرحلة الأولى، وهي ملاعبة الحيوانات الأليفة للطفل بدون الأصوات المزعجة.

ولكن النتيجة المذهلة: أن الطفل استمر في الخوف من هذه الحيوانات حتى بدون مزامنتها لأيّ أصوات مزعجة!

والأعجب من ذلك: استمرار خوف الطفل من أيّ حيوان ذي فرو؛ حتى وإن لم يكن سبق أن اقترن الاقتراب منه بأيّ أصوات مزعجة ألبتة.

والأعجب من هذا وذاك؛ أنه حتى بعد إنهاء التجربة فشلت الأم في إعادة ابنها إلى الوضع الطبيعي قبل التجربة، وهو الاستمتاع بمداعبة الحيوانات الأليفة، والتسلية معها!

وهنا نستخلص نتائج شديدة الأهمية من هذه التجربة؛ ومن أهم هذه النتائج ما يلي:

عند شعور الإنسان بأيّ مشاعر سلبية؛ فإنه يكره كل شيء كان موجودًا في أثناء هذه المشاعر، حتى وإن لم يكن سببًا في وقوع هذه المشاعر، ولا علاقة له بها ألبتة.

على سبيل المثال لا الحصر: إذا نزل إنسان في حقل بطيخ لأول مرة في حياته؛ ثم خرجت عصابة من المجرمين فقتلت أسرته أمام عينيه بين ثمار البطيخ. فإن هذا الإنسان سيصبح كارهًا للبطيخ كرهًا شديدًا؛ مع إن البطيخ في الحقيقة ليس سببًا في قتل أسرته، وليس له أيّ علاقة ألبتة بمسألة الاعتداء.

والكُرْه نفسه يحدث لليوم الذي حدَث فيه القتل، وإن كان هذا اليوم نفسه اشتمل على أحداث سعيدة جدًّا لمليارات البشر الآخرين.

والكُرْه نفسه يحدث للثياب التي يرتديها، والنعل الذي ينتعله الإنسان يوم وقوع الجريمة النكراء!

وكل شيء حفظته عين الإنسان في هذا اليوم سيصبح مكروهًا كرهًا شديدًا لديه؛ مع كونه في الحقيقة ليس سببًا في قتل أسرته، وليس له أيّ علاقة ألبتة بمسألة الاعتداء. وقِسْ على هذا في كل الأمور.

وفي المقابل: عند شعور الإنسان بلذة، أو مُتْعَة، أو سعادة؛ فإنه يحب كل الأشياء التي اقترنت بمشاعر اللذة، أو المتعة، أو السعادة؛ حتى وإن لم تكن سببًا مباشرًا في هذه المشاعر باللذة، أو المتعة، أو السعادة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر: إذا بُشِّر الإنسان بمولود انتظره عشرين سنة؛ فإنه يحب الخادم الذي نقل إليه الخبر، ويحب الغرفة التي سمع فيها الخبر، ويحب اليوم سمع فيه الخبر!

مع إن كل هذه الأمور ليست سببًا في هذا المولود؛ بل لا علاقة لها من قريب أو بعيد بهذا المولود؛ ولكنّ محبتها جاءت بسبب اقترانها فقط بمشاعر اللذة، والمتعة، والسعادة التي اعتملت في النفس!

وبعد كل هذه المقدمة!

نعود إلى سؤالنا: كيف تكون هذه «العلاقة الزوجية» سببًا في استقرار المجتمع وازدهاره؟

وبالعودة إلى الفطرة السليمة؛ والغريزة الصحيحة؛ فمن المعلوم أن «العلاقة الزوجية» سبب رئيس ومباشر في أعظم المشاعر الجسدية من اللذة، والمتعة، والسعادة!

فالإنسان السوي يجد من مشاعر اللذة، والمتعة، والسعادة في هذه العلاقة الزوجية ما لا يُحقّق أدنى منه بأيّ سبيل آخر من السُّبل الجسدية المعروفة!

بل إنّ البعض لا يقتصر على تحقيق مشاعر اللذة، والمتعة، والسعادة في هذه العلاقة الزوجية للجسد فقط؛ بل لروحه أيضًا!

وبناء عليه: فإن الإنسان السوي يرتبط ارتباطًا غير مباشر بكل الأمور التي اقترنت بهذه المشاعر من اللذة، والمتعة، والسعادة! حتى وإن كانت ليست السبب الرئيس لهذه المشاعر؛ أعني: «المنزل/ الغرفة/ الفراش/ الألوان/ الروائح/ ....».

وكل الأمور التي اقترنت بهذه المشاعر ستصبح محبوبة لدى الإنسان السوي؛ حتى وإن لم تكن هي السبب الرئيس لحدوث هذه المشاعر.

فإذا كانت هذه العلاقة سببًا في تعلُّق الإنسان ومحبته لأمور خارجة عن سببية مشاعر اللذة، والمتعة، والسعادة!

فكيف سيكون تعلُّق الإنسان السوي بمن كان سببًا رئيسًا ومباشرًا في حدوث هذه المشاعر من اللذة، والمتعة، والسعادة!

إن السبب الرئيس في حدوث هذه المشاعر من اللذة، والمتعة، والسعادة هو الطرف الآخر في العلاقة الزوجية!

وكون الطرف الآخر في العلاقة الزوجية سببًا رئيسًا ومباشرًا في حدوث هذه المشاعر من اللذة، والمتعة، والسعادة؛ فإن هذا يعني باختصار: أن الارتباط بين الزوجين سيزداد قوة شديدة عقب كل لقاء في «العلاقة الزوجية»!

وكلما زاد الارتباط بين الزوجين قوةً؛ زاد معه الاستقرار الأُسَري، وهو ما يُبْنَى عليه زيادة ارتباط الأولاد بأسرتهم.

ومِن ثَمَّ تتحقق قوة الارتباط بين جميع أفراد الأسرة؛ ويترتب على ذلك أن تكون هذه الأسرة مركزًا يَمُدّ المجتمع بالجيل الذي يحتاج إليه كي يكون النور الذي يضيء له الطريق، والتاج الذي يفخر به، والساعد الذي يبني به مستقبله الزاهر.

وعلى النقيض تمامًا: فإن عدم إنجاز هذه «العلاقة الزوجية» بصورة ناجحة؛ أو محاولة تحصيل هذه المشاعر خارج نطاق الحياة الزوجية؛ لن تجني الأسرة من ورائه إلا جحيم المشاكل، والذي سيؤدي إلى الانهيار الأسري، وهو ما يجعل الأسرة مصنعًا للقنابل الموقوتة بما تُخرجه للمجتمع من أبناء مشوّهين؛ يكون حرصهم على تدمير المجتمع بقَدْر ما تعرَّضوا له مِن تشويه داخلي في أُسَرهم المفكّكة.

ألا فما أجمل الكون إذا عاد إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها، وما أسرع الكون إلى صلاحه وسعادته متى عاد إلى الفطرة الإلهية؛ ولم يلتفت إلى نزغات الشيطان عدوّ الإنسان من قديم الزمان!

فوالله، لا صلاح للكون ولا سعادة له ولا استقرار إلا بعودته الحميدة إلى الفطرة الإلهية الحميدة بعيدًا عن الصور المشوّهة التي يُزيّنها الشيطان لأوليائه؛ بينما يراها ذوو البصيرة على حقيقتها من القُبح والبشاعة.

ألا فما أجمل العودة إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ والتمسك بها! وصدق الله إذ يقول: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

فإن التمسك بها سعادة الدنيا قبل الآخرة! وصدق الله إذ يقول: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

وما أقبح اتباع الشيطان في تصوُّره الكاذب، وخيالاته المزورة! ألا وما أقبح عاقبة ذلك! وصدق الله إذ يقول: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} [الأعراف: 27].

ووالله إنه لعذاب الدنيا قبل الآخرة؛ وصدق الله إذ يقول: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى  ﯿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 124، 126].

ومَن قلَّب طرفه حيث شاء مِن أرض الله، فلن يرتد إليه طرفه إلا بما أنبأ به العليم الخبير!

ولْينظر مَن شاء في الجحيم الذي يستعر به روّاد محاكم الأبوة في المجتمعات المنحرفة عن الفطرة الإلهية!

اللهم فاهدنا فطرتك السوية، وأسعدنا بها في الدنيا والآخرة؛ وأعذنا من نزغات الشيطان، وهمزه، ونفخه، ونفثه.


 


[1] راجع تجربة ألبرت في الروابط التالية:

https://2u.pw/1uGXPX

https://2u.pw/Pbt0BE    

أعلى