• - الموافق2026/09/07م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
اتفاقية مكة و«درع أخيل».. صراع على إعادة تشكيل أمن المنطقة

تكشف التحولات الأمنية المتسارعة في الشرق الأوسط وشرق المتوسط عن انتقال تدريجي من مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة تمثل مركز الثقل الرئيسي في ترتيبات الأمن الإقليمي، إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعدد فيها مراكز القوة وشبكات التحالف


البيان/القدس: تكشف التحولات الأمنية المتسارعة في الشرق الأوسط وشرق المتوسط عن انتقال تدريجي من مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة تمثل مركز الثقل الرئيسي في ترتيبات الأمن الإقليمي، إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعدد فيها مراكز القوة وشبكات التحالف. وفي قلب هذا التحول تتحرك تركيا باتجاه توسيع خياراتها الاستراتيجية، مستفيدة من علاقاتها مع السعودية وباكستان، ومن انفتاحها المتزايد على القوى الآسيوية، في مقابل تشكل منظومة دفاعية صهيونية–يونانية تعكس بدورها إعادة ترتيب موازين القوة في شرق المتوسط.

وتبرز «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» باعتبارها إحدى أهم العلامات على هذا التحول. فجمع تركيا والسعودية وباكستان في إطار دفاعي واحد يمنح أنقرة مجالاً أوسع لبناء ترتيبات أمنية خارج الإطار الغربي التقليدي، ويمنح الدول الثلاث إمكانية تطوير تعاون عسكري وأمني يستند إلى ثقلها السياسي والجغرافي والعسكري. ويمكن تفسير هذا التحالف كجزء من استراتيجية تركية تقوم على تنويع مصادر القوة والشراكات وعدم حصر الأمن القومي في مظلة واحدة.

وتبدو هذه النقطة مركزية في قراءة السياسة التركية الحالية؛ فأنقرة لا تتجه إلى القطيعة مع الغرب، ولا تتخلى عن عضويتها في حلف شمال الأطلسي، لكنها في الوقت ذاته تعمل على توسيع دائرة علاقاتها شرقاً. ويأتي انفتاحها على منظمة شنغهاي للتعاون في السياق نفسه، إذ ينظر إليه باعتباره محاولة لتوفير خيارات سياسية واقتصادية وجيوسياسية إضافية، بما يسمح لتركيا بممارسة قدر أكبر من الاستقلالية في اتخاذ القرار. وبالتالي فإن التحول التركي لا يقوم على استبدال تحالف بآخر بقدر ما يقوم على بناء شبكة متعددة الاتجاهات تستطيع أنقرة التحرك داخلها وفق مصالحها القومية.

ويكتسب هذا التوجه أهمية أكبر بالنظر إلى موقع تركيا الجغرافي ودورها في ملفات الطاقة والنقل والممرات الاستراتيجية. فتركيا تقع عند نقطة التقاء أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وهو ما يجعل استقرار المنطقة جزءاً من أمنها القومي المباشر. ومن هذا المنظور، فإن توسيع العلاقات مع السعودية وباكستان والقوى الآسيوية لا يمثل مجرد خيار دبلوماسي، وإنما محاولة لتأمين عمق استراتيجي جديد في بيئة إقليمية شديدة السيولة. كما أن امتلاك تركيا صناعة دفاعية متطورة وجيشاً كبيراً لا يلغي حاجتها إلى الشراكات، خصوصاً بعدما أظهرت التجربة السورية أن القوة العسكرية المنفردة لا تكفي بالضرورة لحسم الملفات الإقليمية المعقدة.

في المقابل، تتشكل في شرق المتوسط منظومة مختلفة تقودها الدولة العبرية واليونان تحت مسمى «درع أخيل». ويقرأ هذا التطور باعتباره انعكاساً لتصاعد المنافسة مع تركيا وتحول شرق المتوسط إلى ساحة أساسية لإعادة تثبيت موازين القوة. وإذا كانت أنقرة تعمل على توسيع دائرة نفوذها من الخليج إلى آسيا، فإن التعاون الصهيوني–اليوناني يضيف بعداً آخر للمنافسة يتمثل في بناء قدرة دفاعية متقدمة في المجال البحري والجوي لشرق المتوسط.

ومن هنا يصبح «درع أخيل» أكثر من مجرد ترتيبات عسكرية بين دولتين؛ فهو، جزء من إعادة تشكيل للبيئة الأمنية المحيطة بتركيا. وفي الوقت الذي تحاول فيه أنقرة بناء شبكة أوسع من العلاقات مع القوى الإقليمية والإسلامية، تعمل الدولة العبرية واليونان على ترسيخ شراكة دفاعية يمكن أن تحد من هامش الحركة التركي في شرق المتوسط، بما يجعل المنطقة واحدة من أهم ساحات التنافس على النفوذ خلال المرحلة المقبلة.

ويظهر «العامل الصهيوني» في هذا السياق بوصفه أحد المحركات الأساسية للتحرك التركي. فاستمرار الصراع في فلسطين وغزة ولبنان، لا يُنظر إليه في أنقرة باعتباره ملفاً بعيداً عن الأمن القومي التركي، بل باعتباره جزءاً من بيئة أمنية يمكن أن تنعكس تداعياتها على تركيا ومصالحها الإقليمية. وفي ظل صعوبة الدخول في مواجهة مباشرة مع الدولة العبرية بسبب تداعيات ذلك على علاقات تركيا مع واشنطن وأوروبا، يصبح بناء شبكة من الشراكات الإقليمية وسيلة لتوسيع الخيارات التركية وتوزيع أعباء المواجهة السياسية والأمنية.

لكن التحرك التركي لا يمكن اختزاله في مواجهة الدولة العبرية وحدها. فالمشروع الذي تطرحه أنقرة أوسع من ذلك، ويقوم على فكرة تعدد الأقطاب وإعادة توزيع مصادر القوة في المنطقة. ولذلك تمتد الحسابات التركية إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط والمضائق الحيوية وطرق التجارة والطاقة، وهي ملفات تتقاطع فيها المصالح التركية مع المصالح السعودية والباكستانية وغيرها من القوى الإقليمية.

وتكشف هذه التطورات عن تحول مهم في مفهوم الأمن الإقليمي: فبدلاً من الاعتماد الكامل على تحالف مركزي واحد، بدأت دول المنطقة تبحث عن شبكات متعددة توفر لها هامشاً أوسع للحركة. وفي هذه البيئة تسعى تركيا إلى الجمع بين موقعها داخل حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها المتنامية مع الشرق، بينما تسعى السعودية إلى توسيع خياراتها الدفاعية، وتوفر باكستان بعداً عسكرياً واستراتيجياً مهماً للترتيب الثلاثي، في حين تعمل الدولة العبرية واليونان على بناء منظومة دفاعية مقابلة في شرق المتوسط.

وبذلك، فإن دلالة «اتفاقية مكة» و«درع أخيل» تتجاوز تفاصيلهما العسكرية المباشرة إلى صراع أوسع على تعريف شكل النظام الأمني المقبل في المنطقة. فتركيا تريد أن تكون طرفاً في صياغة هذا النظام لا مجرد دولة تتلقى تداعياته، بينما تحاول الدولة العبرية واليونان تثبيت ترتيبات جديدة في شرق المتوسط تحول دون احتكار أنقرة لمساحات النفوذ المتاخمة لها.

والنتيجة الأبرز هي أن المنطقة تتجه نحو نموذج أمني أكثر تعدداً وأقل اعتماداً على التحالفات التقليدية الثابتة. ووفق لهذا المنظور فإن تركيا تخوض عملية إعادة تموضع استراتيجية واسعة، لا تستهدف التخلي عن الغرب بقدر ما تستهدف امتلاك خيارات إضافية تحمي مصالحها القومية. وبين «اتفاقية مكة» و«درع أخيل»، يصبح التنافس الحقيقي على قدرة كل طرف على بناء شبكة تحالفات قادرة على إنتاج الردع والتأثير في القرارات الأمنية للمنطقة، بما يجعل تركيا لاعباً رئيسياً في إعادة صياغة المعادلة الإقليمية الجديدة.

 

أعلى