• - الموافق2026/09/03م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
بلوشستان.. الجبهة التي تستنزف باكستان وتقلق إيران والصين

لم تعد بلوشستان مجرد إقليم مضطرب على أطراف باكستان وإيران، بل تتحول وفقاً لدراسة نشرها معهد بيغن السادات الصهيوني، تدريجياً إلى واحدة من أكثر العقد الجيوسياسية حساسية في جنوب آسيا. فالتصعيد المتواصل خلال عام ٢٠٢٦ يكشف عن تغير واضح في طبيعة التمرد البلوشي، الذي انتقل من هجمات متفرقة تستهدف قوات

 

البيان/متابعات: لم تعد بلوشستان مجرد إقليم مضطرب على أطراف باكستان وإيران، بل تتحول وفقاً لدراسة نشرها معهد بيغن السادات الصهيوني، تدريجياً إلى واحدة من أكثر العقد الجيوسياسية حساسية في جنوب آسيا. فالتصعيد المتواصل خلال عام ٢٠٢٦ يكشف عن تغير واضح في طبيعة التمرد البلوشي، الذي انتقل من هجمات متفرقة تستهدف قوات الأمن إلى عمليات أكثر تعقيداً وتنسيقاً، تطال المنشآت الحكومية والطرق والقطارات والمصالح الاقتصادية، وتضع الاستثمارات الصينية الضخمة في الإقليم أمام اختبار أمني متزايد. وفي المقابل، تواجه إيران على الجانب الآخر من الحدود مشكلة مشابهة في سيستان وبلوشستان، بينما تضيف الحدود الأفغانية المتوترة طبقة أخرى إلى مشهد أمني شديد التعقيد. وهكذا لم تعد القضية شأناً باكستانياً داخلياً فحسب، بل باتت تتقاطع فيها مصالح باكستان وإيران والصين وأفغانستان، وتمتد تداعياتها إلى الحسابات الإقليمية الأوسع.

خلال الأشهر الماضية، أظهرت الجماعات البلوشية المسلحة، وفي مقدمتها «جيش تحرير بلوشستان»، قدرة متزايدة على تنفيذ هجمات متزامنة وضرب أهداف متعددة في مناطق متباعدة. وشهد عام ٢٠٢٦ هجمات دامية استهدفت قوات الأمن والمنشآت الحكومية وطرق النقل، من بينها هجوم على قطار في كويتا، في وقت كانت فيه القيادة السياسية الباكستانية تجري محادثات مع الصين بشأن التعاون الاقتصادي والأمني. وتقول تحليلات أمنية إن نمط الهجمات يعكس ارتفاعاً في قدرات الجماعات المسلحة وثقتها بقدرتها على تحدي الدولة، فيما تشير تقارير إلى أن استهداف الطرق والمنشآت المرتبطة بالممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني أصبح جزءاً من استراتيجية الضغط على إسلام آباد وبكين.

لكن المفارقة أن باكستان تمتلك تفوقاً عسكرياً كبيراً على المتمردين، ومع ذلك تجد صعوبة في إنهاء التمرد. والسبب أن المشكلة لا تتعلق بعدد الجنود أو حجم السلاح بقدر ارتباطها بجغرافيا المنطقة وتركيبتها الاجتماعية والسياسية. فبلوشستان هي أكبر أقاليم باكستان مساحة، والأقل كثافة سكانية، وتضم مناطق جبلية وصحراوية شاسعة وحدوداً طويلة مع إيران وأفغانستان، ما يمنح الجماعات المسلحة مساحة واسعة للمناورة والاختفاء وإعادة تنظيم صفوفها. وإلى جانب العامل الجغرافي، هناك تراكم طويل من المظالم المحلية المتعلقة بالتهميش السياسي والاقتصادي، وتوزيع عائدات الموارد الطبيعية، وطريقة تعامل الدولة مع الحركات الانفصالية. وتقول وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إن الحركات البلوشية المسلحة تتغذى جزئياً على تصورات محلية باستمرار تهميش السكان واستغلال موارد الإقليم، فيما ارتبط جزء من الاستياء أيضاً بالمشروعات التي ينفذها الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني.

وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات بلوشستان أهمية، فالإقليم فقير نسبياً رغم امتلاكه ثروات طبيعية هائلة. فهو يضم احتياطيات من النحاس والذهب والغاز والفحم ومعادن أخرى، كما يتمتع بساحل طويل على بحر العرب وموقع جغرافي يمنحه قيمة استراتيجية استثنائية. لكن السكان المحليين يرون أن الثروة والمشروعات الكبرى لم تنعكس بالقدر الكافي على حياتهم، وهو ما يمنح الخطاب الانفصالي مادة مستمرة لتعبئة السكان، ويجعل كل مشروع اقتصادي جديد قابلاً لأن يتحول إلى هدف سياسي وأمني.

وفي قلب هذه المعادلة يقع ميناء غوادر، الذي يمثل أحد أهم رموز الحضور الصيني في باكستان. فالميناء جزء من الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، الذي يربط غرب الصين ببحر العرب ضمن مبادرة «الحزام والطريق». ومن منظور بكين، لا يتعلق الأمر بميناء تجاري فقط، وإنما بموقع استراتيجي يوفر للصين منفذاً إلى المحيط الهندي، ويمنحها فرصة لتطوير شبكة من الطرق والطاقة والموانئ والموارد في منطقة ذات أهمية متزايدة. لكن من منظور الجماعات البلوشية، أصبحت الاستثمارات الصينية رمزاً لما تعتبره استغلالاً لموارد الإقليم وإقصاءً للسكان المحليين من عوائد التنمية. ولهذا تعرض الصينيون والمشروعات المرتبطة بهم لهجمات متكررة، ما جعل أمن الاستثمارات الصينية أحد أبرز الملفات في الأزمة.

وتزداد حساسية المسألة عندما نضع في الاعتبار أن العنف لم يعد يستهدف الأهداف الأمنية وحدها. ففي يونيو ٢٠٢٦، رُصدت سلسلة هجمات على الطريق الوطني N-40 الذي يربط كويتا بالحدود الإيرانية، واستهدفت بعض العمليات مركبات تنقل المعادن، فيما تعرضت جسور مرتبطة بالممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني للتخريب. وهذه التطورات تكشف أن المعركة بدأت تنتقل من استهداف الدولة إلى محاولة تعطيل البنية التحتية التي يفترض أن تحول بلوشستان إلى مركز تجاري واقتصادي.

ومن هنا تتحول المسألة بالنسبة إلى الصين من مشكلة أمنية باكستانية إلى مشكلة مباشرة بالنسبة إلى مصالحها الاستراتيجية. فكلما ارتفع مستوى المخاطر، ارتفعت تكلفة حماية العمال والمشروعات والمناجم والطرق، وتراجعت جاذبية الإقليم أمام الاستثمارات الجديدة. وقد أصبحت الهجمات على المصالح الصينية اختباراً لما تسميه بكين شراكتها الاستراتيجية مع إسلام آباد، في وقت تحاول فيه باكستان تقديم نفسها بوصفها بوابة للاستثمارات الدولية في قطاع التعدين والطاقة. وإذا عجزت الدولة عن تأمين هذه المشروعات، فإن الخطر لا يقتصر على خسارة استثمارات محددة، وإنما يمتد إلى مصداقية المشروع الاقتصادي الباكستاني بأكمله.

لكن الوجه الآخر للأزمة يوجد في إيران. فعلى الجانب الإيراني من الحدود تقع محافظة سيستان وبلوشستان، التي تشهد بدورها نشاطاً لجماعات مسلحة بلوشية. وقد سبق أن أدت اتهامات متبادلة بين طهران وإسلام آباد بشأن وجود جماعات مسلحة على أراضي كل منهما إلى توتر عسكري مباشر بين البلدين في عام ٢٠٢٤، في واحدة من أخطر الأزمات التي مرت بها علاقاتهما خلال السنوات الأخيرة. وهذا يعني أن الحدود التي يفترض أن تفصل بين مشكلتين منفصلتين قد تكون في الواقع مساحة واحدة تتداخل فيها شبكات المقاتلين والتهريب والسلاح والمصالح المحلية.

وهنا تكمن المفارقة السياسية الأكبر، فإيران وباكستان، اللتان تختلفان في ملفات عديدة، وتتنافسان على النفوذ الإقليمي، تواجهان في هذه المنطقة تهديداً أمنياً متشابهاً. لكن هذا التشابه لا يعني بالضرورة تعاوناً مستقراً؛ إذ يمكن أن يتحول بسهولة إلى مصدر جديد للتوتر إذا اتهمت كل دولة الأخرى بالسماح للمسلحين باستخدام أراضيها. وكلما تصاعدت الهجمات، يصبح ضبط الحدود أكثر إلحاحاً، لكن تنفيذ ذلك في منطقة جبلية وصحراوية واسعة يكاد يكون مهمة مستحيلة من دون تعاون أمني واستخباراتي طويل الأمد.

وتدخل أفغانستان بدورها في هذه المعادلة باعتبارها ضلعاً ثالثاً في مثلث جغرافي شديد الحساسية. فالحدود الباكستانية-الأفغانية تشهد توتراً متزايداً بسبب نشاط حركة طالبان باكستان والجماعات المسلحة الأخرى، فيما تقع أجزاء واسعة من بلوشستان ضمن فضاء جغرافي قريب من الحدود الأفغانية. وهذا يجعل إسلام آباد أمام أكثر من جبهة أمنية في الوقت نفسه، ويحد من قدرتها على تركيز مواردها العسكرية والسياسية في مواجهة التمرد البلوشي وحده.

وفي الثالث من سبتمبر ٢٠٢٦، أعلنت السلطات الباكستانية مقتل ١٥ مسلحاً قالت إنهم حاولوا العبور من أفغانستان إلى شمال وزيرستان، في مؤشر إضافي على تعدد الجبهات الأمنية التي تواجهها إسلام آباد.

ومن هنا يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل هذه الأزمة. الأول هو أن تتمكن إسلام آباد من احتواء التمرد عبر عمليات عسكرية وأمنية أكثر دقة، بالتوازي مع تقديم تنازلات اقتصادية وسياسية محدودة، بما يسمح بخفض مستوى العنف من دون إنهاء جذوره. والثاني هو استمرار حرب الاستنزاف، بحيث تنفذ الجماعات المسلحة هجمات متقطعة ومركبة، بينما ترد الدولة بعمليات واسعة، من دون أن يتمكن أي طرف من تحقيق نصر حاسم. أما السيناريو الأخطر فهو تحول بلوشستان إلى أزمة إقليمية مفتوحة، إذا تزامن تصاعد التمرد مع تدهور العلاقات الباكستانية-الإيرانية، واستمرار التوتر مع أفغانستان، وازدياد استهداف المصالح الصينية.

في هذه الحالة لن تكون بلوشستان مجرد منطقة متمردة في دولة نووية، وإنما عقدة جيوسياسية تقع عند تقاطع ثلاثة خطوط استراتيجية، حدود باكستان وإيران وأفغانستان، الممر الاقتصادي الصيني نحو بحر العرب، والثروات المعدنية التي أصبحت محوراً متزايد الأهمية في المنافسة الاقتصادية العالمية. ولهذا فإن مستقبل بلوشستان لا يتوقف فقط على قدرة الجيش الباكستاني على ملاحقة المقاتلين في الجبال، بل على قدرة الدولة على إعادة صياغة العلاقة بين المركز والإقليم، وتحويل الموارد والاستثمارات من مصدر للصراع إلى أداة للتنمية، وإقناع الصين بأن مصالحها يمكن حمايتها، وإقناع السكان المحليين بأنهم شركاء في الثروة وليسوا مجرد سكان على أرض غنية.

 

أعلى