البيان/وكالات: لم تعد الدعوات داخل منظمة شنغهاي للتعاون إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والحد من الاعتماد على النظام المالي الدولي القائم مجرد مواقف سياسية، إذ قدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال قمة المنظمة في بيشكيك أرقاماً تعكس اتجاهاً متزايداً نحو استخدام العملات الوطنية في التجارة بين روسيا وشركائها.
وقال بوتين إن حصة التسويات التجارية بالعملات الوطنية بين روسيا ودول منظمة شنغهاي للتعاون تجاوزت ٩٨٪، فيما تخطى حجم التبادل التجاري بين الجانبين ٤٠٠ مليار دولار خلال عام ٢٠٢٥.
واعتبر الرئيس الروسي أن تعزيز التبادل التجاري بين دول المنظمة يمثل إحدى أولوياتها، مشيراً إلى أن استخدام العملات الوطنية يتوسع تدريجياً في المعاملات التجارية، بما يقلل الحاجة إلى العملات الأجنبية في تسوية المبادلات بين الدول الأعضاء.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية في ظل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، والتي دفعت موسكو إلى توسيع استخدام العملات الوطنية وتطوير قنوات مالية بديلة عن النظام المالي الغربي.
لكن بوتين طرح المسألة باعتبارها توجهاً أوسع لمنظمة شنغهاي، داعياً الدول الأعضاء إلى مواصلة تعزيز الروابط التجارية والتعاون في مجال الطاقة.
كما دعا إلى أن يكون بنك التنمية التابع للمنظمة مستقلاً «إلى أقصى حد» عن الدول التي تستخدم التمويل كأداة للضغط، في إشارة إلى أهمية إنشاء أدوات تمويلية قادرة على خدمة مشاريع دول المنظمة بعيداً عن الاعتبارات السياسية الخارجية.
وتنسجم تصريحات بوتين مع ما تضمنه «إعلان بيشكيك» من دعوة إلى إصلاح الهيكل المالي الدولي وتعزيز دور الدول النامية في المؤسسات المالية العالمية.
وبذلك، يتجاوز النقاش داخل المنظمة مسألة استبدال عملة بأخرى في التجارة، إلى محاولة تطوير منظومة أوسع تشمل التمويل والطاقة والتجارة الإلكترونية والبنية التحتية الاقتصادية.
وفي هذا السياق، قال بوتين إن منظمة شنغهاي للتعاون تحولت خلال ٢٥ عاماً إلى مركز مؤثر في عالم متعدد الأقطاب، مشيراً إلى أنها أصبحت أكبر تجمع إقليمي في العالم من حيث عدد السكان، إذ تضم دولاً يعيش فيها نحو نصف سكان العالم.
ومع ذلك، فإن ارتفاع نسبة التسويات بالعملات الوطنية بين روسيا وشركائها لا يعني بالضرورة قيام نظام مالي موحد داخل المنظمة؛ فالدول الأعضاء تختلف في اقتصاداتها وسياساتها النقدية وأنظمتها المالية، كما أن حجم الاعتماد على العملات الوطنية يختلف من علاقة تجارية إلى أخرى.
لكن الاتجاه الذي تحدث عنه بوتين يعكس تحولاً واضحاً في طبيعة النقاش الاقتصادي داخل المنظمة، من زيادة التجارة بين الأعضاء إلى البحث عن آليات مالية تقلل تعرضها للضغوط الخارجية.
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع مواقف سياسية تضمنها «إعلان بيشكيك»، دعت إلى تعزيز التعددية ورفض الإجراءات الأحادية وإصلاح المؤسسات المالية الدولية.
وبينما لا تزال منظمة شنغهاي بعيدة عن امتلاك منظومة مالية موحدة تنافس النظام القائم، فإن أرقام التجارة واستخدام العملات الوطنية التي عرضها بوتين تشير إلى أن بناء أدوات اقتصادية مستقلة أصبح جزءاً متزايد الأهمية من أجندة المنظمة.
فإذا كانت نسبة ٩٨٪ تمثل واقع التعاملات الروسية داخل المنظمة، فإن السؤال المقبل سيكون حول قدرة بقية الأعضاء على الانتقال بالاتجاه نفسه، وتحويل التعاون الاقتصادي من مجرد زيادة في حجم التجارة إلى منظومة مالية أكثر استقلالاً.