البيان/متابعات: تدرس بنجلادش إمكانية الانضمام إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس/آب الجاري، في خطوة قد تمنح الاتفاقية بعداً إسلامياً أوسع، لكنها في الوقت نفسه تضع السياسة الخارجية المتوازنة لداكا أمام اختبار صعب، خصوصاً في ظل حساسية علاقاتها مع الهند.
وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية البنجلادشي همايون كبير إن بلاده تنظر بإيجابية إلى فكرة المشاركة في الترتيب الأمني الجديد، مشيراً إلى أن قيادة بنجلادش، وعلى رأسها رئيس الوزراء طارق رحمن، تلقت دعوة للحضور والمشاركة.
وأضاف كبير أن وجود ترتيب أمني بين دول إسلامية في الشرق الأوسط يجعل من الطبيعي بالنسبة إلى داكا أن تبحث إمكانية المشاركة فيه، من دون أن يحسم ما إذا كانت بلاده ستنضم رسمياً إلى الاتفاقية.
وأكد مصدر في وزارة الخارجية البنجلادشية لوكالة رويترز أن السعودية وجهت بالفعل دعوة إلى داكا للانضمام إلى الاتفاقية، فيما لم تحدد الوزارة موعد صدور الدعوة أو طبيعة الالتزامات التي قد تترتب عليها.
وكانت السعودية وتركيا وباكستان قد وقعت في مكة المكرمة هذا الشهر اتفاقية دفاعية مشتركة تقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، بحيث يُنظر إلى أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث باعتباره هجوماً عليها جميعاً.
وتحمل الاتفاقية، بهذا المعنى، ملامح ترتيبات الدفاع الجماعي التي يقوم عليها حلف شمال الأطلسي، وإن كانت لا تزال في مرحلتها الأولى وتضم ثلاث دول فقط، لكل منها موقع جيوسياسي مختلف وثقل عسكري واقتصادي كبير في العالم الإسلامي.
ويمنح دخول بنجلادش المحتمل الاتفاقية وزناً سكانياً وجغرافياً جديداً؛ فهي دولة ذات أغلبية مسلمة سنية يتجاوز عدد سكانها ١٧٠ مليون نسمة، وتمتلك جيشاً كبيراً، كما ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع دول الخليج التي تستضيف ملايين العمال البنجلادشيين.
لكن قرار داكا لن يكون أمنياً بحتاً، إذ قد يحمل تداعيات مباشرة على علاقاتها مع الهند، التي تنظر بحساسية شديدة إلى أي ترتيبات استراتيجية تضم باكستان، خصمها التاريخي.
وتأتي الدعوة السعودية في وقت تشهد فيه العلاقات البنجلادشية الهندية توتراً متزايداً منذ الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة في أغسطس/آب ٢٠٢٤ ولجوئها إلى الهند، وسط مطالبة داكا نيودلهي بتسليمها.
وقد زادت قضية حسينة من تعقيد العلاقة بين البلدين، في وقت تحاول فيه حكومة رئيس الوزراء طارق رحمن الحفاظ على مساحة للمناورة بين القوى الإقليمية والدولية وعدم الانحياز بصورة صريحة إلى أي محور.
وهذه السياسة تحديداً هي التي تجعل اتفاقية مكة اختباراً استراتيجياً لداكا. فبنجلادش تعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الغربية لتصريف صادراتها من الملابس الجاهزة، كما تعتمد على تحويلات ملايين العاملين في الخارج، ولا سيما في دول الخليج، ولذلك فإن الانضمام إلى تحالف عسكري قد يفرض عليها حسابات جديدة مع شركائها التجاريين والاستراتيجيين.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على الهند. فالصين، التي تربطها ببنجلادش علاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية، وإيران، واليابان، وروسيا، ودول الخليج، والولايات المتحدة، كلها أطراف قد تراقب اتجاه داكا في حال تحول الاتفاقية من إطار دفاعي ثلاثي إلى تحالف إسلامي أوسع.
ويكتسب الموقف الهندي أهمية خاصة. فقد قالت نيودلهي إنها تتابع التطورات المتعلقة بالاتفاقية، فيما يرى محللون أن الهند لن تنظر بإيجابية إلى انضمام بنجلادش إلى ترتيبات دفاعية تضم باكستان، حتى لو أكدت داكا أن الخطوة ذات طبيعة دفاعية ولا تستهدف أي دولة بعينها.
لكن المسألة بالنسبة إلى بنجلادش تتجاوز الحساب الهندي. فالانضمام الرسمي سيجبر داكا، للمرة الأولى تقريباً، على التعامل مع سؤال الاصطفاف في نظام إقليمي يتجه نحو تشكل ترتيبات أمنية جديدة، في وقت تحاول فيه الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى المتنافسة.
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية الدعوة السعودية لا تكمن فقط في احتمال إضافة دولة إسلامية جديدة إلى الاتفاقية، وإنما في اختبار قابلية المظلة الدفاعية الجديدة للتوسع خارج نطاق دولها المؤسسة.
فإذا انضمت بنجلادش، فقد تتحول اتفاقية مكة تدريجياً إلى إطار أمني إسلامي عابر للأقاليم، يضم دولاً من الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويجمع بين القدرات العسكرية التركية والباكستانية والثقل الاقتصادي السعودي والقوة البشرية والجغرافية لدول إسلامية أخرى.
أما إذا فضّلت داكا الاكتفاء بالمشاركة السياسية أو الحوار الأمني من دون الالتزام بالدفاع المشترك، فقد يشير ذلك إلى أن الاتفاقية لا تزال تواجه حدوداً جيوسياسية أمام التحول إلى تحالف أوسع.