• - الموافق2026/07/04م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الشيباني في بيروت.. إعادة تموضع سوري أم إعادة إنتاج للدور الإقليمي؟

تمثل زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى بيروت الاسبوع الماضي وزيارة طرابلس، محطة سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي،

البيان/وكالات: تمثل زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى بيروت الاسبوع الماضي وزيارة طرابلس، محطة سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تعكس أول محاولة عملية من القيادة السورية الجديدة لإعادة تعريف العلاقة مع لبنان بعد التحولات التي شهدتها دمشق. وبينما حملت الزيارة عناوين التعاون الثنائي وفتح قنوات التواصل، فإن دلالاتها السياسية والإقليمية تبدو أعمق، خصوصاً في ظل ملفات شائكة تتعلق بالحدود، وحزب الله، والتوازنات الإقليمية، ومستقبل النفوذ السوري في لبنان.

الرسالة الأبرز التي سعت دمشق إلى إيصالها تمثلت في إعلان القطيعة مع النموذج الذي حكم العلاقات السورية اللبنانية لعقود، والقائم على النفوذ المباشر والتداخل الأمني والسياسي. فالقيادة السورية الجديدة تحاول تقديم نفسها بوصفها دولة تسعى إلى بناء علاقة مؤسساتية مع بيروت، تقوم على مبدأ السيادة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ويعكس هذا الخطاب إدراكاً سورياً بأن استعادة الثقة اللبنانية لا يمكن أن تتم عبر أدوات الماضي، بل من خلال إظهار استعداد للتعامل مع الدولة اللبنانية باعتبارها الشريك الوحيد في إدارة الملفات الثنائية. حرص الشيباني خلال زيارته على لقاء مختلف المرجعيات الرسمية، وفي مقدمتها نبيه بري، وهو ما فُسر على أنه تأكيد لرغبة دمشق في الانفتاح على جميع القوى السياسية وعدم حصر علاقاتها بطرف معين.

وفي الوقت ذاته، حملت تصريحات الوزير السوري بشأن استعداده للقاء مختلف الأطراف إذا اقتضت المصلحة رسالة مفادها أن دمشق لا ترغب في التحول إلى لاعب داخل الانقسامات اللبنانية، وإنما تسعى إلى الحفاظ على موقع الدولة التي تتعامل مع المؤسسات الرسمية دون الانخراط في الاستقطابات الداخلية.

أحد أكثر الملفات حساسية في الزيارة كان مستقبل العلاقة مع حزب الله. فدمشق وجدت نفسها أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبه الحزب في دعم النظام السوري السابق، ومن جهة أخرى تحاول القيادة الجديدة تجنب فتح مواجهة سياسية مع أحد أبرز الفاعلين في الساحة اللبنانية.

ولهذا اتسم خطاب الشيباني بقدر كبير من الحذر، إذ لم يغلق الباب أمام التواصل مع الحزب إذا اقتضت المصالح المشتركة، لكنه تجنب في الوقت نفسه تقديم أي إشارات توحي بعودة التحالفات التقليدية التي طبعت العلاقة خلال عهد النظام السابق.

وتشير هذه المقاربة إلى محاولة سورية للفصل بين الإرث السياسي للنظام السابق ومتطلبات إدارة العلاقات الإقليمية في المرحلة الحالية.

أظهرت أجندة الزيارة تحولاً في طبيعة الأولويات بين البلدين، إذ تصدرت ملفات ترسيم الحدود، وضبط المعابر، ومكافحة التهريب، وعودة التعاون الاقتصادي، والتنسيق الأمني، بدلاً من الملفات ذات الطابع السياسي والأمني التي هيمنت على العلاقات لعقود.

ويعكس ذلك إدراكاً متبادلاً بأن استقرار العلاقات لن يتحقق عبر الخطابات السياسية، وإنما من خلال معالجة الملفات اليومية التي تمس أمن البلدين واقتصادهما، خصوصاً مع استمرار التحديات المرتبطة بالحدود المشتركة وحركة التجارة واللاجئين.

لم تخلُ الزيارة من رسائل إقليمية، خاصة في ظل الحديث عن ترتيبات أمنية وسياسية تشهدها المنطقة. فقد بدا واضحاً أن دمشق تسعى إلى نفي أي انطباع بأنها بصدد لعب دور في إعادة تشكيل التوازنات اللبنانية ضد أي طرف، أو أنها ستكون أداة لتنفيذ أجندات خارجية.

كما حمل موقف الشيباني من أي اتفاق محتمل بين لبنان والدولة العبرية إشارة إلى أن دمشق لا تزال تنظر إلى هذا الملف باعتباره جزءاً من التوازنات الإقليمية الأوسع، وأن أي تحولات في المسار اللبناني ستكون لها انعكاسات مباشرة على الحسابات السورية.

ورغم الزخم السياسي الذي رافق الزيارة، فإن نجاحها سيظل مرهوناً بمدى ترجمة الرسائل السياسية إلى خطوات عملية. فإعادة بناء الثقة بين دمشق وبيروت تتطلب معالجة ملفات عالقة منذ سنوات، وفي مقدمتها ترسيم الحدود، وضبط المعابر غير الشرعية، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وتسوية القضايا الأمنية المشتركة.

وفي المقابل، يبقى الإرث التاريخي للعلاقات بين البلدين أحد أكبر التحديات أمام أي انفتاح جديد، إذ لا تزال ذاكرة مرحلة الوصاية السورية حاضرة بقوة في جزء من المشهد السياسي اللبناني، وهو ما يجعل أي تحول في العلاقة بحاجة إلى وقت وإجراءات ملموسة تتجاوز التصريحات الدبلوماسية.

خلاصة

تكشف زيارة الشيباني أن القيادة السورية الجديدة تحاول إعادة تموضع دمشق في لبنان عبر خطاب يقوم على الشراكة واحترام السيادة، بدلاً من النفوذ المباشر الذي طبع العقود السابقة. إلا أن نجاح هذا التحول سيظل مرتبطاً بقدرة الطرفين على تحويل النوايا السياسية إلى تفاهمات عملية، وبمدى استعداد القوى اللبنانية للتعامل مع سوريا الجديدة بعيداً عن إرث الماضي، في وقت تعيد فيه المنطقة بأسرها رسم خرائط تحالفاتها وأولوياتها.

 

أعلى