البيان/متابعات: تشهد العلاقات بين مصر وتركيا تحولًا متسارعًا خلال الفترة الأخيرة، في مسار يرى مراقبون أنه يتجاوز حدود المصالحة الدبلوماسية التقليدية نحو إعادة صياغة التوازنات الإقليمية في مناطق شديدة الحساسية، من ليبيا إلى شرق المتوسط.
وبعد سنوات من التوتر السياسي، تبدو القاهرة وأنقرة اليوم أقرب إلى مقاربة براغماتية تقوم على إدارة المصالح المشتركة، في ظل تحولات إقليمية متسارعة فرضتها تطورات حرب غزة، والتوتر في البحر الأحمر، والأزمات الممتدة في ليبيا والسودان وشرق المتوسط، إضافة إلى تداعيات التوترات المرتبطة بالملف الإيراني.
ويشير محللون إلى أن هذا التقارب لا يرتبط فقط بكونه بين قوتين إقليميتين بارزتين، بل بتوقيته أيضًا، إذ يأتي في مرحلة تعيد فيها دول المنطقة مراجعة تحالفاتها التقليدية بحثًا عن هوامش أوسع للحركة بعيدًا عن الاصطفافات السابقة.
وبحسب تقرير نشرته قناة I24 العبرية فإن كلاً من مصر وتركيا أدركتا خلال السنوات الأخيرة أن استمرار القطيعة السياسية يفرض كلفة مرتفعة، خصوصًا في ملفات ترتبط مباشرة بالأمن القومي لكليهما، وفي مقدمتها ليبيا وشرق المتوسط.
وفي هذا السياق، تبدو العلاقة الجديدة أقرب إلى "تقارب الضرورة" أكثر من كونها تحالفًا استراتيجيًا مكتملًا، إذ لا تزال هناك تباينات في عدد من الملفات، غير أن الطرفين باتا يميلان إلى إدارة الخلافات بدلًا من تحويلها إلى صدام مباشر.
ويشير التقرير إلى أن القاهرة تنظر إلى أنقرة باعتبارها لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاهله، في حين تدرك تركيا أن مصر تمثل مركز ثقل عربي وإفريقي ومتوسطي يصعب تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.ويؤكد خبراء أن الاقتصاد يشكل أحد أبرز محركات الانفتاح بين البلدين، في ظل حاجة تركيا إلى توسيع أسواقها الخارجية، وسعي مصر إلى جذب استثمارات جديدة وتعزيز قطاعات التصنيع والتصدير.
وتشير التقديرات إلى أن العلاقات الاقتصادية بين الجانبين مرشحة لنمو ملحوظ خلال المرحلة المقبلة، مع ما تمتلكه تركيا من خبرات صناعية متقدمة، وما تمثله السوق المصرية من بوابة استراتيجية نحو إفريقيا والعالم العربي.
ولا يقتصر التعاون على التبادل التجاري، بل يمتد إلى مشاريع استثمارية وصناعية مشتركة قد تسهم في خلق فرص عمل وتعزيز القدرات الإنتاجية لدى الجانبين. ويُعد ملف شرق المتوسط من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المصرية التركية، بعدما تحول خلال السنوات الماضية إلى ساحة تنافس إقليمي معقد.
غير أن مراقبين يرون أن استمرار التباعد السابق منح أطرافًا إقليمية أخرى مساحة أوسع لتعزيز حضورها في المنطقة، ما يدفع القاهرة وأنقرة اليوم إلى البحث عن صيغ أكثر مرونة لإدارة هذا الملف.ومع ذلك، تبقى أي تفاهمات محتملة محكومة بتشابك المصالح الإقليمية والدولية، ما يجعل مسار التسوية في هذا الملف بطيئًا ومعقدًا.
ولم يقتصر التقارب على المسارات السياسية والاقتصادية، بل امتد إلى المجال الدفاعي، في مؤشر على انتقال العلاقة إلى مستويات أكثر عمقًا.
وفي هذا الإطار، استأنف البلدان مناورات بحرية مشتركة في شرق المتوسط بعد توقف دام أكثر من ١٣ عامًا، كما برز اهتمام متزايد بالتعاون في الصناعات الدفاعية، بما في ذلك تقنيات الطائرات المسيّرة والأنظمة المتقدمة.
وتشير تقارير إلى احتمالات تعاون في التصنيع المشترك لبعض المنظومات الدفاعية، في خطوة يرى محللون أنها تعكس توجهًا نحو تنويع مصادر التسليح وتعزيز القدرات الذاتية لدى البلدين.
ويبدو أن هذا التقارب يثير متابعة حذرة في واشنطن وتل أبيب، إذ يرى مراقبون أن أي تنسيق مستقر بين القاهرة وأنقرة قد يعيد تشكيل بعض التوازنات في ملفات حساسة، من غزة إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر.
وتقول القناة العبرية إن الولايات المتحدة تتابع هذا المسار بحذر، خشية بروز هامش إقليمي أكثر استقلالية، فيما تخشى الدولة العبرية من تقلص المكاسب التي استفادت منها خلال سنوات التباعد بين القوى الإقليمية.
ومع ذلك، تستبعد أن يتحول هذا التقارب في المدى القريب إلى محور مناهض للولايات المتحدة أو الدولة العبرية، في ظل استمرار الارتباطات الاستراتيجية لكلا البلدين مع واشنطن. ويبقى السؤال المطروح، وفق تقديرات سياسية، حول ما إذا كانت القاهرة وأنقرة قادرتين على تحويل "تقارب الضرورة" إلى شراكة استراتيجية مستدامة، أم أن الضغوط الخارجية وحسابات الماضي ستبقي العلاقة ضمن حدود التنسيق الحذر دون الوصول إلى تحالف كامل.