البيان/متابعات: تشير التطورات المتسارعة في شمال مالي إلى تحول استراتيجي بالغ الحساسية، بعد خسارة المجلس العسكري بقيادة عاصمي غويتا لمدينتي كيدال وتساليت خلال أيام قليلة، في انتكاسة غير مسبوقة للقوات الحكومية وحلفائها الروس.
فسيطرة جبهة تحرير أزواد، بالتنسيق مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، لا تعني فقط خسارة مواقع عسكرية استراتيجية شمال البلاد، بل تكشف عن تغير في ميزان القوى الميداني لصالح تحالف متمرّد بات يمتلك قدرة هجومية عالية وتنسيقًا غير مسبوق.
اللافت في المشهد أن الانسحاب من قاعدة تساليت جرى دون معارك كبيرة، ما يعكس تراجعًا واضحًا في قدرة الجيش المالي و"الفيلق الأفريقي" الروسي على الصمود، خاصة بعد مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أبرز مهندسي الشراكة العسكرية مع موسكو.
وتزداد خطورة المشهد مع حديث تقارير ميدانية عن تمدد نفوذ الجماعات المسلحة إلى طرق الإمداد المؤدية إلى العاصمة باماكو، في إطار ما يصفه مراقبون بـ"استراتيجية الخنق"، والتي تهدف إلى إنهاك المجلس العسكري اقتصاديًا وعسكريًا قبل أي محاولة للتقدم نحو مركز السلطة.
بالنسبة إلى موسكو، تمثل الأزمة اختبارًا صعبًا لقدرتها على الحفاظ على نفوذها في منطقة الساحل، خاصة في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا، وعدم إظهارها استعدادًا واضحًا لزيادة قواتها في مالي، حيث تُقدّر أعداد عناصر "الفيلق الأفريقي" بنحو ألفي إلى ألفين وخمسمئة عنصر فقط.
كما أن طبيعة الحرب في شمال مالي تجعل من الصعب على موسكو تكرار نماذج التدخل العسكري التقليدي. وتزداد الضغوط على الكرملين مع طرح سيناريو يشبه ما حدث في سوريا، حيث قد تجد روسيا نفسها مضطرة للتفاوض على انسحاب سريع إذا انهار المجلس العسكري أو اقتربت الجماعات المسلحة من باماكو.
وفي حال استمر هذا المسار، فإن الأزمة الحالية قد لا تعني فقط تراجع النفوذ الروسي في مالي، بل قد تمثل بداية إعادة رسم خريطة النفوذ في منطقة الساحل بأكملها، مع انعكاسات مباشرة على بوركينا فاسو والنيجر، حيث يتصاعد الحضور الروسي أيضًا وسط بيئات أمنية هشة.