البيان/ متابعات: تكشف تطورات الحرب الحالية حدود الشراكة الصينية الإيرانية، وتظهر أن العلاقة التي كثيرًا ما تُقدَّم على أنها تحالف إستراتيجي متين، هي في الواقع ارتباطٌ غير متكافئ تحكمه اعتبارات الطاقة والاستقرار الإقليمي أكثر مما تحكمه المصالح الجيوسياسية المشتركة. فبينما تعتمد طهران بشكل شبه كامل على السوق الصينية لتصريف نفطها في ظل العقوبات، تبدو بكين حريصة على إبقاء ارتباطها بإيران ضمن سقف لا يهدد علاقاتها الأكثر أهمية مع دول الخليج أو مصالحها الأساسية في أسواق الطاقة العالمية.
البيانات تشير بوضوح إلى اختلال ميزان الاعتماد المتبادل؛ فالصين تمتص أكثر من ٨٠٪ من صادرات النفط الإيرانية، في حين لا يشكل هذا النفط سوى نسبة محدودة من وارداتها النفطية، مقارنة بإمدادات مستقرة تأتيها من السعودية والعراق والإمارات وعُمان. كما أن الاستثمارات الصينية الضخمة التي رُوّج لها في ٢٠٢١ لم تتحقق إلا بشكل محدود، ما يعكس تردّد بكين في الالتزام طويل المدى في بيئة عالية المخاطر.
ورغم استفادة الصين من إيران كورقة ضغط غير مباشرة على الولايات المتحدة، فإن بكين امتنعت عن أي دعم عسكري يصبّ في مصلحة طهران، وفضّلت الاكتفاء بخطاب دبلوماسي يدعو إلى التهدئة ويحمي مصالحها النفطية والتجارية. وحتى المؤشرات التقنية مثل احتمال استخدام إيران لنظام الملاحة الصيني أو حصولها على مسيّرات أو مواد مزدوجة الاستخدام تظل في إطار الدعم غير المباشر الذي لا يرقى إلى مستوى الشراكة العسكرية. كما تتجنب الصين التورط في أي اتفاقيات دفاعية رسمية، وتبتعد عن الاستجابة لمطالب إيرانية تمسّ أمن الممرات البحرية أو تصعيد الموقف في الخليج.
من زاوية التأثير، تبدو قدرة الصين محدودة؛ فهي توازن بين انتقاد المساس بسيادة دول الخليج وبين تجنّب إدانة إيران، ما يضعها في موقع دبلوماسي حساس يجعل تأثيرها الفعلي على سلوك طهران أقل بكثير مما توحي به الصورة المعلنة للعلاقة. ويتجلّى ذلك في عدم قدرة بكين على الضغط الفعلي لوقف عمليات إيرانية ضد دول متحالفة معها اقتصاديًا، رغم حرصها السابق على لعب دور الوسيط كما حدث في اتفاق استئناف العلاقات بين الرياض وطهران عام ٢٠٢٣.
وتواجه الصين مكاسب وفرصًا من جهة، ومخاطر من جهة أخرى؛ فاستنزاف الولايات المتحدة في أزمات مطوّلة يخدم مصالح بكين الإستراتيجية، لكنه يرافقه تهديد مباشر لاقتصادها من خلال ارتفاع أسعار النفط واضطراب الأسواق العالمية التي تعتمد عليها صادراتها. وفي هذا السياق، تفكر الصين بمنطق الحفاظ على الاستقرار أكثر من رغبتها في توسيع نفوذها عبر الاصطفاف مع إيران في مواجهتها الإقليمية.
في جوهر الصورة، تتعامل بكين مع إيران بوصفها شريكًا مفيدًا ولكن غير مريح، وتفضّل نظامًا مألوفًا في طهران، لكنها تحتفظ بالمرونة اللازمة للتكيف مع أي تبدلات داخل النظام الإيراني أو في موازين القوى الإقليمية. وضمن هذا الإطار، تبدو العلاقة الصينية–الإيرانية أقل من تحالف وأكثر من شراكة ظرفية محكومة بالبراغماتية، لا ترتقي إلى مستوى الالتزام الإستراتيجي المتبادل، لأن بكين تتجنب دومًا أن تدفع ثمنًا عسكريًا أو سياسيًا يتجاوز فوائد النفط والتوازنات.