البيان/وكالات: يشير تتبع مجريات الحرب التي اندلعت في 28 فبراير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة** والدولة العبرية من جهة أخرى، إلى أن طهران تكبدت خسائر واسعة على المستويات العسكرية والقيادية والاقتصادية، في إطار استراتيجية عسكرية اعتمدت على ضرب مركز القيادة السياسية والعسكرية وإضعاف البنية التحتية الداعمة للقدرة القتالية الإيرانية. وقد بدأت العمليات بضربات مركزة استهدفت مواقع القيادة والسيطرة داخل العاصمة طهران، حيث قُتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في غارة جوية استهدفت المجمع الذي كان يقيم فيه بعد توفر معلومات استخباراتية حول وجود اجتماع لعدد من القيادات العليا، وهو الهجوم الذي شكل صدمة سياسية كبيرة داخل النظام الإيراني نظراً لكونه أعلى سلطة في الدولة منذ عقود.
كما شملت الضربات سلسلة اغتيالات طالت قيادات عسكرية وأمنية بارزة، من بينهم الأدميرال علي شمخاني أمين مجلس الدفاع الأعلى، واللواء محمد باكبور قائد الحرس الثوري الإيراني، واللواء عبد الرحيم موسوي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، إضافة إلى وزير الدفاع العميد عزيز نصير زاده، كما قُتل العميد مجيد ابن رضا الذي تولى وزارة الدفاع لاحقاً لفترة قصيرة قبل أن يُستهدف في ضربة أخرى. وامتد الاستهداف ليشمل شخصيات مرتبطة بالبنية التقنية والعسكرية مثل العميد حسين جبل عامليان رئيس منظمة الابتكار والبحوث الدفاعية، والمسؤول الدفاعي رضا مظفري نيا، والعميد محمد شيرازي رئيس المكتب العسكري للمرشد، إضافة إلى العميد محسن درباغي المسؤول اللوجستي في هيئة الأركان، والعميد غلام رضا رضائيان قائد جهاز استخبارات الشرطة الإيرانية، والمسؤول الاستخباراتي محمد باسري، ورئيس مديرية الاستخبارات في مقر خاتم الأنبياء العسكري صالح أسدي، وهو ما يعكس حجم الضربة التي تعرضت لها البنية القيادية العسكرية والأمنية في إيران.
وعلى مستوى البنية التحتية العسكرية، ركزت الضربات على المنشآت التي تمثل العمود الفقري للقدرة القتالية الإيرانية، إذ تعرضت منشآت عسكرية ومراكز صناعية دفاعية وقواعد جوية لسلسلة ضربات مكثفة، من بينها مرافق عسكرية في محيط طهران إضافة إلى منشآت داخل مطار مهرآباد الذي يستخدم لأغراض مدنية وعسكرية، حيث دُمّرت طائرة كانت مخصصة لنقل كبار القادة العسكريين الإيرانيين، كما استهدفت الضربات مواقع مرتبطة بتطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما في ذلك منشآت إنتاج ومخازن صواريخ ومراكز أبحاث عسكرية، وهو ما استهدف تقليص القدرة الإيرانية على مواصلة الحرب الصاروخية لفترة طويلة. كما تعرضت منشآت خدمية وبنية تحتية مدنية للقصف، من بينها مرافق طبية ومنشآت خدمية ومحطات تحلية المياه في مناطق مختلفة، ما يعكس اتساع نطاق العمليات ليشمل البنية الداعمة للمجهود الحربي.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الخسائر البشرية داخل إيران تجاوزت 1332 قتيلاً وأكثر من 15 ألف جريح منذ بداية العمليات، فيما سجلت العاصمة طهران وحدها أكثر من 503 قتلى ونحو 5700 مصاب، معظمهم من المدنيين، في مؤشر على اتساع نطاق الضربات داخل المدن الكبرى.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد تكبد الاقتصاد الإيراني خسائر كبيرة نتيجة الدمار المباشر وتعطل القطاعات الحيوية، إذ تشير التقديرات الأولية إلى أن خسائر البنية التحتية المدنية، بما في ذلك الطرق والمباني العامة والمنشآت الخدمية والمطارات والموانئ، بلغت نحو 35 مليار دولار تقريباً حتى الآن، وتشمل هذه الأضرار تدمير آلاف الوحدات السكنية ومئات المنشآت الحكومية والخدمية. كما تعرض قطاع الطاقة لخسائر ضخمة نتيجة استهداف منشآت نفطية ومرافق صناعية مرتبطة بالطاقة، إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن إعادة تأهيل خمس مصافٍ نفطية متضررة قد تتطلب ما يقارب 30 مليار دولار، وهو ما يجعل قطاع الطاقة أحد أكثر القطاعات تضرراً نظراً لكونه العمود الفقري للاقتصاد الإيراني.
كما انعكست الحرب على الصادرات النفطية الإيرانية نتيجة التوتر العسكري في مضيق هرمز، حيث تراجعت قدرة إيران على تصدير النفط في بعض الفترات بما يقارب 1.5 مليون برميل يومياً، ما أدى إلى خسائر مالية كبيرة في الإيرادات النفطية، إضافة إلى اضطرابات واسعة في قطاعات النقل والطيران والتجارة الخارجية. وبالنظر إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لإيران يقدّر بنحو 375 مليار دولار تقريباً، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى استنزاف نسبة كبيرة من الناتج الاقتصادي السنوي للبلاد. وتشير تقديرات اقتصادية أولية إلى أن الخسائر الإجمالية المباشرة وغير المباشرة للحرب قد تتراوح بين 60 و 100 مليار دولار حتى الآن، مع احتمال ارتفاعها بشكل كبير في حال استمرار العمليات العسكرية أو تعرض منشآت الطاقة الكبرى لضربات إضافية.
و تعكس هذه المعطيات أن الاستراتيجية العسكرية التي اتبعتها الولايات المتحدة والدولة العبرية استهدفت ثلاثة مستويات رئيسية من القوة الإيرانية، هي القيادة السياسية والعسكرية العليا، والبنية الصناعية العسكرية المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، والبنية الاقتصادية الداعمة للمجهود الحربي، وهو ما أدى إلى إضعاف منظومة القيادة والسيطرة وإلحاق خسائر كبيرة بالبنية التحتية والاقتصاد الإيراني. ومع ذلك، تشير التقديرات العسكرية إلى أن إيران ما تزال تحتفظ بجزء مهم من قدراتها الصاروخية والعسكرية، ما يجعل الصراع مرشحاً للتحول إلى مرحلة طويلة من الاستنزاف العسكري والاقتصادي في المنطقة.