البيان/القدس: تشير المعطيات المتوافرة إلى أن الشرق الأوسط يقف عند عتبة تصعيد خطير تقوده الولايات المتحدة بالتنسيق الوثيق مع الكيان الصهيوني، في سياق تتداخل فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية مع إعادة اختبار شبكة التحالفات الإقليمية والدولية. فالتسريب الصهيوني الأخير حول استعداد كل من الأردن والإمارات لتقديم دعم سياسي ولوجستي لأي هجوم أميركي محتمل على إيران لا يمكن فصله عن حالة الحشد العسكري غير المسبوق الذي تقوده واشنطن في المنطقة، ولا عن المناخ السياسي الذي أوجدته إدارة الرئيس دونالد ترمب، والقائم على سياسة الردع بالتهديد المباشر واستخدام القوة كأداة ضغط أكثر منها كخيار محسوم.
يعزز هذا التقدير توقيت نشر التقرير في صحيفة «إسرائيل هايوم» المعروفة بقربها الشديد من الرئيس الأميركي وداعميه، وتزامنه مع وصول قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة وعقده اجتماعات مكثفة مع القيادات الأمنية الصهيونية. هذا التزامن يوحي بأن التسريب يؤدي وظيفة سياسية مزدوجة، من جهة توجيه رسالة ردع لإيران مفادها أن أي مواجهة لن تكون ثنائية بل متعددة الأطراف، ومن جهة أخرى ممارسة ضغط غير مباشر على أطراف إقليمية مترددة لدفعها نحو الاصطفاف، أو على الأقل منعها من عرقلة المسار التصعيدي. ويعكس الحديث عن مستوى غير مسبوق من التنسيق العسكري، شمل تبادل معلومات استخباراتية عالية الحساسية وربط أنظمة الدفاع الجوي وتعزيز التعاون اللوجستي، استعدادًا عمليًا لسيناريو مواجهة واسعة، حتى وإن لم يُتخذ قرار الحرب بعد.
في المقابل، تكشف ردود الفعل الإقليمية عن حالة انقسام عميقة. فبينما يُنسب إلى الأردن والإمارات استعداد لتقديم دعم سياسي ولوجستي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا على أرض الواقع، خصوصًا في ما يتعلق بالإمارات التي تتسم إشاراتها بالتناقض بين خطاب علني حذر وانخراط غير معلن في ترتيبات أمنية تقودها واشنطن. في الوقت نفسه، تعبر دول الخليج الأخرى عن قلق بالغ من تداعيات أي ضربة أميركية–صهيونية، انطلاقًا من إدراكها أن أراضيها وقواعدها العسكرية ستكون في مرمى الرد الإيراني المباشر، خاصة في ظل تعهدات طهران الصريحة باستهداف المصالح الأميركية والكيان الصهيوني إذا تعرضت لهجوم. هذا القلق يفسر الجهود الدبلوماسية المكثفة التي تقودها السعودية وسلطنة عمان وقطر لثني واشنطن عن خيار الحرب، إدراكًا منها أن أي مواجهة قد تتجاوز سريعًا حدود الضربة المحدودة وتخرج عن السيطرة، بما يعيد رسم خريطة الاستقرار الهش في الخليج.
على المستوى الدولي، يلف الغموض موقف حلفاء غربيين تقليديين للولايات المتحدة، وفي مقدمتهم بريطانيا، التي بدت مترددة في تقديم أي التزام واضح. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى الخطاب الأميركي نفسه، بعد أن قلل الرئيس ترمب من دور الحلفاء في تجارب سابقة مثل الحرب في أفغانستان، ما أثار شكوكًا عميقة حول مدى جدوى الانخراط في مغامرة عسكرية قد تتحمل دول أخرى كلفتها السياسية والأمنية دون ضمانات واضحة.
أما الحشد العسكري الأميركي، الذي يشمل مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» وسربًا من مقاتلات F-15 وأنظمة دفاع جوي متقدمة، فيؤشر إلى رغبة واشنطن في توسيع هامش الخيارات أمامها، سواء لتنفيذ هجوم أكثر شمولًا أو لاحتواء أي رد إيراني محتمل. غير أن هذا الحشد يعيد إلى الأذهان سيناريوهات سابقة، حين اقتربت الإدارة الأميركية من إصدار أمر بالضربة ثم تراجعت، بعد قناعة متزايدةعززها رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بأن إسقاط النظام الإيراني بالقوة غير مضمون، وأن كلفة الانزلاق إلى مواجهة طويلة قد تفوق مكاسبها السياسية والعسكرية. ومع ذلك، فإن تعزيز الوجود العسكري يظل أداة ضغط فعالة، تتيح للإدارة الأميركية المناورة بين التصعيد والاحتواء وفق تطورات الميدان وردود الفعل الإقليمية.
يتوازى هذا التصعيد العسكري مع تشديد الحرب الاقتصادية على إيران، من خلال فرض عقوبات جديدة على تسع سفن يُشتبه في نقلها نفطًا إيرانيًا خاضعًا للعقوبات، وتوسيع الإجراءات لتشمل مصادرة ناقلات نفط فنزويلي. وتدل هذه الخطوات على أن واشنطن تتبنى مقاربة شاملة تقوم على استنزاف الخصم اقتصاديًا بالتوازي مع التلويح بالقوة، في محاولة لفرض وقائع سياسية دون الاضطرار إلى خوض حرب مفتوحة. غير أن هذه المقاربة، القائمة على الجمع بين الردع والاستعراض، تفتقر إلى رؤية واضحة لما بعد الضغط، وتترك الباب مفتوحًا أمام سوء التقدير والتصعيد غير المقصود.
في المحصلة، يعكس المشهد الراهن حالة هشاشة استراتيجية تتسم بتضارب المواقف الإقليمية وتآكل الثقة في التحالفات التقليدية، في وقت تُدفع فيه المنطقة نحو حافة مواجهة قد لا يرغب بها معظم الفاعلين، لكن قد تنفجر بفعل خطأ في الحسابات أو قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر. وبينما تسعى بعض الدول إلى الاحتماء بالمظلة الأميركية أو الاستفادة منها، تعمل أخرى على كبح جماح التصعيد خشية أن تتحول إلى ساحات صراع بالوكالة. هذا الواقع يجعل أمن المنطقة رهينة توازنات دقيقة وقابلة للانهيار، ويحوّل سياسة «حافة الهاوية» إلى مقامرة مفتوحة قد تفضي إلى مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنها تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية بعيدة المدى على استقرار الشرق الأوسط بأكمله.