البيان/وكالات: أثار رئيس الوزراء الكندي مارك كارني جدلًا واسعًا بعد اتهامه النظام العالمي القائم على القواعد بالفساد والزيف والظلم، في خطاب ألقاه الأسبوع الماضي خلال منتدى دافوس الاقتصادي، واعتبر فيه أن هذا النظام «يتلاشى» ويدخل مرحلة انقطاع لا رجعة فيها.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة الغارديان للكاتبة نسرين مالك، فإن تصريحات كارني،لم تكن مفاجئة لكثير من دول العالم خارج الدوائر الغربية، التي ترى أن هذا النظام انهار فعليًا منذ سنوات، لكن اللافت هو صدور هذا التشخيص الصريح عن زعيم دولة غربية منخرطة بعمق في بنيته.
ويتكوّن النظام العالمي القائم على القواعد، وفق التحليل، من ثلاثة عناصر رئيسية، أولها هيكلي يتمثل في شبكات المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية، التي أُنشئت لضبط العلاقات بين الدول الكبرى. وثانيها معياري يقوم على التزام الدول القوية بعدم الاعتداء على حلفائها أو التدخل في شؤونهم أو انتهاج سياسات عدوانية بحقهم. أما العنصر الثالث فهو الإطار الأيديولوجي الليبرالي الذي يروّج لقيم حقوق الإنسان والحريات الفردية وحق تقرير المصير.
غير أن كارني وصف هذه المثل الليبرالية بأنها «وهم مرضي»، في إشارة إلى التناقض بين الخطاب الغربي والممارسات الفعلية، حيث ارتكبت الولايات المتحدة وحلفاؤها انتهاكات متكررة للقانون الدولي، أو غضّوا الطرف عنها، بدعوى حماية النظام نفسه.
وترى الكاتبة أن «الحرب على الإرهاب» شكّلت أول تصدع كبير في هذا البناء، بعدما أظهرت استعداد القوى الكبرى لغزو دول واحتجاز أفراد لسنوات دون محاكمة، ما أفقد النظام أي مصداقية أخلاقية لدى الشعوب المتضررة.
لكن الانهيار الأوضح، بحسب التحليل، تجلّى في العدوان على قطاع غزة، حيث سقطت كل الادعاءات المتعلقة بتطبيق القانون الدولي والمبادئ الإنسانية بشكل متساوٍ. فقد منحت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى الدولة العبرية غطاءً سياسيًا وعسكريًا لمواصلة حربها، ما حوّل هذه الدول من داعمين إلى شركاء فعليين، وكشف الطبيعة الانتقائية لتطبيق «القواعد».
وأشارت الغارديان إلى أن هذا المشهد فجّر تناقضًا داخليًا داخل النظام نفسه، إذ اصطدمت الحكومات الغربية بمؤسساتها القضائية، ورفضت الالتزام بقرارات المحكمة الجنائية الدولية المتعلقة بملاحقة رئيس وزراء الدولة العبرية بنيامين نتنياهو، بل وذهبت واشنطن إلى فرض عقوبات على المحكمة، في سابقة عكست حدود استقلالية هذه المؤسسات.
ويخلص التحليل إلى أن خطاب كارني جاء بعدما وصل هذا الفساد إلى حلفاء واشنطن أنفسهم، في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب القائمة على الابتزاز التجاري وازدراء الحلفاء وتهديد أسس التحالفات التقليدية. وبالنسبة لدول مثل كندا، فإن التحول في السلوك الأمريكي لم يعد مسألة نظرية، بل تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
وتطرح الكاتبة سؤالًا جوهريًا في ختام التحليل، هل تستطيع الدول الغربية تفكيك هذا النظام وبناء بديل عادل فعليًا، أم أن القيم والهياكل التي قامت عليها الهيمنة القديمة ما زالت متجذرة فيها إلى حد يجعل القطيعة الحقيقية مستحيلة؟