البيان/متابعات: يعكس استقبال الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف لوزير خارجية الدولة العبرية جدعون ساعر يوم أمس، في العاصمة باكو مستوى متقدمًا من العلاقات السياسية والاستراتيجية بين الطرفين، ويؤكد أن هذه العلاقة لم تعد محكومة بالاعتبارات الظرفية أو التعاون المحدود، بل باتت تمثل خيارًا استراتيجيًا ثابتًا في السياسة الخارجية الأذرية. فاللقاء، الذي تناول سبل تعزيز التعاون في مجالات متعددة تشمل الزراعة وإدارة الموارد المائية والتقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، يأتي في سياق إقليمي بالغ الحساسية، يتسم بتصاعد التوترات وتداعيات العدوان المتواصل على الشعب الفلسطيني، ما يمنحه أبعادًا سياسية تتجاوز الإطار البروتوكولي المعلن.
وتستند العلاقات الأذرية–الصهيونية إلى قاعدة صلبة من المصالح المتبادلة، لا سيما في مجالات الطاقة والدفاع، حيث تشير تقارير دولية إلى أن قيمة صفقات السلاح التي حصلت عليها أذربيجان من الدولة العبرية منذ مطلع الألفية تراوحت بين ستة وثمانية مليارات دولار، وشملت طائرات مسيّرة هجومية واستطلاعية متطورة، وأنظمة رصد وتجسس وحرب إلكترونية، وذخائر دقيقة، لعبت دورًا محوريًا في تعزيز التفوق العسكري الأذري، خصوصًا خلال المواجهات مع أرمينيا في إقليم ناغورنو كاراباخ. وفي المقابل، تشكل أذربيجان أحد أبرز مزودي الدولة العبرية بالنفط، حيث تغطي الإمدادات الأذرية ما يقارب ثلث احتياجاتها النفطية، ما يمنح العلاقة بعدًا استراتيجيًا يصعب فصله عن حسابات الأمن القومي للطرفين.
ويتقاطع هذا التعاون الوثيق مع التحالف الاستراتيجي العميق الذي يربط أذربيجان بتركيا، والذي يقوم على شراكة عسكرية وسياسية وأمنية شاملة، تجسدت في اتفاقات دفاع مشترك، وتنسيق ميداني واسع، وتكامل في الصناعات العسكرية. ويضع هذا التشابك أذربيجان ضمن محور إقليمي يتمتع بعلاقات متينة مع الدولة العبرية، سواء بشكل مباشر أو عبر تقاطعات المصالح والتحالفات، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الدور الأذري في موازين القوى الإقليمية، وحدود استقلالية قرارها السياسي.
وفي هذا الإطار، يبرز الصمت الأذربيجاني إزاء الجرائم والانتهاكات الواسعة التي ترتكبها الدولة العبرية بحق الشعب الفلسطيني، ولا سيما خلال حرب الإبادة الأخيرة على قطاع غزة، باعتباره موقفًا سياسيًا محسوبًا يتسق مع عمق المصالح المشتركة بين الجانبين. إذ امتنعت باكو عن إصدار إدانات واضحة أو اتخاذ مواقف تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية، مفضلة الحفاظ على شبكة علاقاتها الاستراتيجية، الأمر الذي يعكس تغليبًا للمصالح الأمنية والاقتصادية على الاعتبارات الأخلاقية والقانونية، ويضعف في الوقت ذاته موقع أذربيجان داخل محيطها الإسلامي.
وتزداد حساسية هذا الخيار السياسي في ظل الاتهامات الإيرانية المتكررة لأذربيجان بالتواطؤ مع الدولة العبرية، ولا سيما عقب الهجوم الأخير الذي استهدف إيران، حيث تحدثت طهران عن استخدام محتمل للأراضي أو المجال الجغرافي الأذري في أنشطة استخباراتية أو لوجستية صهيونية. ورغم النفي الأذري الرسمي لهذه الاتهامات، فإن استمرار التعاون الأمني والعسكري الوثيق مع الدولة العبرية، إلى جانب التحالف القوي مع تركيا، يكرس حالة من الشك الإقليمي حيال الدور الذي تؤديه باكو، ويجعلها طرفًا غير محايد في صراعات تتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة.
وعليه، يمكن القول إن العلاقات الأذرية–الصهيونية تشكل أحد العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، ليس فقط في جنوب القوقاز، بل في محيط أوسع يمتد إلى الشرق الأوسط. وبينما توفر هذه العلاقة لأذربيجان مكاسب عسكرية واقتصادية ملموسة، فإنها في المقابل تفرض كلفة سياسية متزايدة، سواء على مستوى علاقاتها مع دول الجوار، وفي مقدمتها إيران، أو على مستوى صورتها في الرأي العام العربي والإسلامي، في ظل استمرار صمتها تجاه الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.