البيان/متابعات: تكشف قراءة متأنية للتطورات المحيطة بأفغانستان، كما يعكسها تقرير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي حول «الصراعات التي تستحق المتابعة في العام ٢٠٢٦»، عن مفارقة لافتة تتمثل في التقليل من شأن الجبهة الأفغانية–الباكستانية، مقابل تضخيم بؤر توتر أخرى كإيران وقطاع غزة. غير أن الوقائع الميدانية والاقتصادية تشير إلى أن جنوب آسيا يقف على أعتاب أزمة ممتدة قد تتجاوز في آثارها حدود الدول المعنية لتصيب بنية الاستقرار الإقليمي برمّتها.
فمنذ أكتوبر ٢٠٢٥، توقفت حركة التجارة عبر الحدود الأفغانية–الباكستانية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في تجارة ثنائية تُقدَّر بنحو ملياري دولار سنويًا. هذا الانقطاع لم يكن إجراءً تقنيًا عابرًا، بل شكّل مؤشرًا على انسداد أفق التسوية السياسية والأمنية بين الجانبين، ورسّخ قناعة لدى كابول بأن الاعتماد على المسار الباكستاني لم يعد خيارًا مضمونًا. ونتيجة لذلك، بدأت أفغانستان فعليًا بإعادة توجيه تدفقاتها التجارية نحو الموانئ الإيرانية، وفتح مسارات برية وبحرية عبر إيران باتجاه الهند ودول آسيوية أخرى، في خطوة تحمل أبعادًا جيوسياسية تتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة.
هذا التحول يضع باكستان أمام معادلة خسارة مؤكدة، ليس فقط من حيث العوائد التجارية، بل أيضًا من حيث موقعها الاستراتيجي كممر إقليمي رئيسي، وهو موقع استثمرت فيه الصين بكثافة عبر مشاريع الموانئ العميقة والبنى التحتية المرتبطة بمبادرة «الحزام والطريق». ومع اتساع التجارة عبر ممرات لا تخضع للرقابة الباكستانية، تتآكل القيمة الجيوسياسية التي راهنت عليها إسلام آباد وبكين معًا، ما يجعل من الصعب تصور بقائهما في موقع المتفرج أمام إعادة تشكيل طرق التجارة والنفوذ في المنطقة.
في هذا السياق، يبرز احتمال لجوء قوى إقليمية إلى خيار أكثر خطورة، يتمثل في دعم فصيل أفغاني قادر على قلب موازين السلطة في كابول أو السيطرة على مفاصل حيوية، كبديل عن الانتظار في بيئة تتآكل فيها المصالح تدريجيًا. ويزداد المشهد تعقيدًا مع احتمال دخول الهند على خط هذه المعادلة، سواء عبر توسيع نفوذها الاقتصادي أو السياسي داخل أفغانستان، أو عبر توظيف التوتر القائم لإضعاف خصميها الباكستاني والصيني في آن واحد.
وعليه، تبدو كابول مرشحة للتحول إلى «برميل بارود» حقيقي، حيث تتقاطع مصالح متناقضة لقوى إقليمية كبرى، في ظل نظام سياسي هشّ وعزلة دولية نسبية، وغياب أفق واضح لتسوية شاملة. إن استمرار هذا المسار لا ينذر بصدام عابر، بل يفتح الباب أمام مواجهة دموية طويلة الأمد قد تعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب آسيا، وتحوّل أفغانستان مجددًا إلى ساحة صراع بالوكالة، ولكن هذه المرة بثقل اقتصادي واستراتيجي أكبر، وبكلفة إقليمية يصعب احتواؤها إذا انفجرت قبل فوات الأوان.