• - الموافق2026/01/18م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
واشنطن تنتزع إدارة غزة من الدولة العبرية وتفرض وصايتها المباشرة

تشير مجمل التطورات المتلاحقة في ملف غزة إلى انتقال نوعي في مقاربة الإدارة الأمريكية للصراع، من موقع الشريك المنسق مع الدولة العبرية إلى موقع الوصي المباشر على القطاع، في خطوة تعكس إعادة تعريف عميقة لموازين النفوذ ومساحات القرار

 

البيان/متابعات: تشير مجمل التطورات المتلاحقة في ملف غزة إلى انتقال نوعي في مقاربة الإدارة الأمريكية للصراع، من موقع الشريك المنسق مع الدولة العبرية إلى موقع الوصي المباشر على القطاع، في خطوة تعكس إعادة تعريف عميقة لموازين النفوذ ومساحات القرار. فقد جاء الإعلان الأمريكي عن تشكيل “مجلس السلام” والكيانات التنفيذية والأمنية التابعة له دون أي تنسيق مسبق مع حكومة بنيامين نتنياهو، وهو ما أكدته تسريبات وتصريحات لمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، قال أحدهم صراحة إن “غزة باتت شأنًا أمريكيًا وليست شأن نتنياهو”، في رسالة غير مسبوقة من حيث الوضوح والحدة.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل سبقه مسار تراكمي بدأ مع اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2803 في نوفمبر 2025، الذي أقر خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكوّنة من عشرين بندًا لإنهاء حرب الإبادة على غزة، وحدد إطارًا دوليًا لإدارة المرحلة الانتقالية حتى نهاية عام 2027. ومع الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة، فعّلت واشنطن عمليًا هذا التفويض عبر إنشاء أربعة كيانات متكاملة: مجلس السلام، والمجلس التنفيذي لغزة، واللجنة الوطنية الفلسطينية التكنوقراطية، وقوة الاستقرار الدولية.

في هذا السياق، يبدو “مجلس السلام” كأداة سياسية – إدارية فوق وطنية، تُدار مباشرة من واشنطن، وتُسند إليها صلاحيات تتجاوز الإشراف إلى التحكم الفعلي في مسارات الأمن، وإعادة الإعمار، والحوكمة، والتمويل. ويعزز ذلك تركيبة المجلس التنفيذي التأسيسي الذي يضم شخصيات أمريكية وغربية نافذة، بما يكشف أن القرار النهائي في غزة بات متمركزًا خارج الإقليم، وتحديدًا في يد الإدارة الأمريكية، لا في يد الدولة العبرية ولا حتى في يد الفاعلين الإقليميين.

أما استحداث “المجلس التنفيذي لغزة” فيمثل محاولة لسد الفجوة بين القرار الدولي والتنفيذ الميداني، عبر إشراك أطراف إقليمية وازنة مثل تركيا، مصر، قطر، بما يمنح الخطة غطاءً إقليميًا ويخفف من كلفة الانخراط الأمريكي المباشر. غير أن هذا المجلس، رغم تنوع عضويته، يبقى محكومًا بسقف سياسي مرسوم أمريكيًا، ويعمل ضمن رؤية لا تترك هامشًا فعليًا لاعتراض الدولة العبرية أو الصهاينة.

في المقابل، تُطرح “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” كواجهة فلسطينية تكنوقراطية، هدفها إدارة الحياة اليومية والخدمات المدنية، مع تعهد حركة حماس بتسهيل عملها، وهو ما يعكس إدراكًا فلسطينيًا بأن موازين القوة الدولية لا تسمح برفض هذه الترتيبات، بل تفرض التعاطي معها كأمر واقع مرحلي. إلا أن بدء عمل اللجنة من القاهرة، وعدم دخولها غزة فعليًا بعد، يكشف حجم التعقيدات الأمنية والسياسية التي لا تزال قائمة.

الركيزة الأكثر حساسية في هذه المنظومة تبقى “قوة الاستقرار الدولية”، التي كُلفت بمهام نزع السلاح وتأمين القطاع ومراقبة وقف إطلاق النار. وهنا تحديدًا يتجلى جوهر الصدام المؤجل، إذ إن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة ستفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع الفصائل الفلسطينية، وتضع الخطة الأمريكية أمام اختبار قاسٍ بين منطق الاستقرار ومنطق السيطرة.

في المحصلة، يعكس هذا المشهد المتكامل تراجعًا غير مسبوق في قدرة الدولة العبرية على فرض شروطها في غزة، مقابل صعود دور أمريكي مباشر يتعامل مع القطاع بوصفه ملفًا دوليًا منفصلًا عن الحسابات الصهيونية التقليدية. ويبدو أن واشنطن، التي باتت ترى نتنياهو عبئًا سياسيًا واستراتيجيًا، قررت إدارة غزة وفق رؤيتها الخاصة، حتى لو تعارض ذلك مع أولويات الصهاينة، في تحول قد يرسم ملامح مرحلة جديدة للصراع، عنوانها إدارة أمريكية للنتائج، لا شراكة في القرار.

 

أعلى