البيان/متابعات: تشير التطورات المتسارعة في شمال سوريا إلى أن ما يجري لا يندرج ضمن عمليات تكتيكية معزولة، بل يعكس قرارًا استراتيجيًا سوريًا بإعادة رسم خريطة السيطرة غرب الفرات، مستفيدًا من نافذة سياسية وأمنية نادرة.
ميدانيًا، انتقل الجيش السوري من مرحلة الانتشار الدفاعي إلى الهجوم المنظم على عدة محاور متزامنة. فقد ثبّت سيطرته الكاملة على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب بعد انسحاب المليشيات الكردية، ثم أعلن فرض مناطق عسكرية مغلقة شرق المدينة، ما أدى عمليًا إلى قطع خطوط الحركة بين شرق حلب وريف الرقة.
في ريف حلب الشرقي، بسط الجيش سيطرته على مدينة دير حافر، وأمّن أربع عشرة قرية وبلدة محيطة بها، مع تنظيم خروج مئات العناصر من المليشيات الكردية باتجاه شرق الفرات. وفي ريف الرقة، توسعت العمليات بالسيطرة على مدينة المنصورة، ومعسكر الهجانة، وحقل صفيان النفطي، وحقل الثورة، وعقدة الرصافة، قبل الشروع في اقتحام مدينة الطبقة وتطويق مطارها العسكري، الذي يمثل مركز ثقل لوجستي وعسكري بالغ الأهمية.
بالتوازي، أعلنت المليشيات الكردية انسحابها الرسمي من مناطق غرب الفرات، ما يؤكد أن التقدم العسكري لم يكن موضع خلاف ميداني، بل حقيقة فرضت على الأرض. ويعود هذا التحرك إلى جملة عوامل متداخلة، أبرزها إدراك دمشق أن المظلة الأميركية التي وفّرت الحماية للمليشيات الكردية بدأت بالتآكل، سواء بفعل انشغال واشنطن بملفات داخلية وانتخابية، أو نتيجة إعادة ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط. كما أن انسحاب المليشيات من بعض أحياء حلب شكّل فرصة عملياتية نادرة، استثمرها الجيش السوري بسرعة لمنع إعادة التموضع أو فرض شروط تفاوضية جديدة.
إضافة إلى ذلك، تسعى دمشق إلى استعادة السيطرة على الموارد الحيوية غرب الفرات، ولا سيما الحقول النفطية والعقد اللوجستية، بهدف تقليص قدرة خصومها المحليين على التمويل الذاتي، وإعادة توحيد المجال الاقتصادي تحت سلطة الدولة.
الموقف الأميركي، كما عكسته تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام وبيانات القيادة المركزية الأميركية، يقوم على معادلة مزدوجة، رفض استخدام القوة ضد الأكراد من جهة، وتجنّب الانخراط العسكري المباشر من جهة أخرى. تهديد غراهام بإحياء عقوبات “قانون قيصر” يكشف أن واشنطن لا تزال تفضّل أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية بدل المواجهة الميدانية.
هذا السلوك يشير إلى أن الولايات المتحدة لا تعارض مبدئيًا إعادة انتشار الجيش السوري، لكنها ترفض تحوّل العملية إلى اجتثاث كامل للمليشيات الكردية بطريقة تُفقدها أوراق الضغط المستقبلية. بعبارة أدق، تسعى واشنطن إلى إدارة الخسارة لا منعها، والحفاظ على نفوذ سياسي غير مباشر شرق الفرات، حتى مع تراجع نفوذ حلفائها غربه.
وتشير المعطيات على الأرض إلى أن الجيش السوري سيواصل تثبيت سيطرته غرب الفرات، مع احتمال الانتقال لاحقًا إلى ضغوط سياسية وأمنية شرق النهر، دون اندفاع عسكري شامل. في المقابل، ستعمل واشنطن على توظيف ورقة العقوبات والضغوط الدبلوماسية لاحتواء النتائج، ومنع دمشق من ترجمة المكاسب العسكرية إلى تسوية نهائية تُقصي النفوذ الأميركي بالكامل.
وعليه، فإن التحرك السوري المفاجئ لا يعكس مقامرة عسكرية، بل قراءة دقيقة لتوازنات لحظة دولية عابرة، تحاول دمشق استثمارها قبل أن تُغلق، بينما تسعى واشنطن إلى تأجيل الحسم، لا منعه، بانتظار مرحلة سياسية أكثر ملاءمة لمصالحها.