• - الموافق2026/01/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
لماذا تتفادى واشنطن المواجهة مع إيران؟!

تشير المعطيات السياسية والعسكرية الراهنة إلى أن احتمالية توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية مباشرة لإيران خلال المدى القريب تبقى محدودة

 

البيان/خاص: تشير المعطيات السياسية والعسكرية الراهنة إلى أن احتمالية توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية مباشرة لإيران خلال المدى القريب تبقى محدودة، رغم تصاعد الخطاب السياسي والتهديدات العلنية الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته. ويعود ذلك في المقام الأول إلى تغليب الاعتبارات الداخلية الأميركية، وعلى رأسها الاستحقاق الانتخابي المقبل، على أي اندفاع نحو مغامرة عسكرية واسعة ذات كلفة سياسية واقتصادية غير محسوبة.

يُظهر سلوك ترامب خلال الأشهر الماضية نمطاً واضحاً في إدارة الأزمات الخارجية بوصفها أدوات ضغط انتخابية، لا بوصفها مسارات صدام مفتوح. فالتجربة الفنزويلية، رغم الضجيج الإعلامي المرافق لها، لم تتحول إلى إنجاز سياسي قابل للتسويق داخلياً، بل كشفت حدود قدرة واشنطن على فرض تغيير أنظمة مستقرة مؤسسياً دون انزلاق إلى أزمات ممتدة. وتُدرك الإدارة الأميركية أن تكرار نموذج مشابه مع إيران، ذات البنية المؤسسية الأكثر تماسكاً، قد يؤدي إلى نتائج معاكسة تماماً لما يحتاجه ترامب في المرحلة الحالية.

على المستوى الإيراني، تُظهر التقديرات أن النظام يتمتع بدرجة عالية من الصلابة المؤسسية، تجعل خيار إسقاط القيادة أو إحداث انهيار داخلي سريع أمراً بالغ الصعوبة. فالاحتجاجات، رغم اتساعها النسبي وتأثير العقوبات الاقتصادية، تفتقر إلى قيادة مركزية موحدة قادرة على تحويل الضغط الشعبي إلى مسار تغييري حاسم. كما أن البعد الأيديولوجي والديني في شرعية النظام، خصوصاً في ما يتصل بالعداء للولايات المتحدة والدولة العبرية، يقلص من فرص حدوث تحول سياسي سريع حتى في حال تعرضت القيادة العليا لضربات نوعية.

عسكرياً، تدرك واشنطن أن أي ضربة مباشرة لإيران ستقابل بردود فعل غير تقليدية، قد تشمل استهداف مصالح أميركية ومصالح الدولة العبرية في الإقليم، أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. ويُعد هذا السيناريو بالغ الحساسية في التوقيت الحالي، نظراً لما قد يترتب عليه من ارتفاع حاد في أسعار النفط، وانعكاساته السريعة على معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي يشكل تهديداً مباشراً لشعبية ترامب قبيل الانتخابات.

في المقابل، يبدو أن الاستراتيجية الأميركية الأكثر ترجيحاً تتمثل في مواصلة سياسة الضغط المركب، عبر تشديد العقوبات الاقتصادية، واستهداف قنوات تصدير النفط الإيراني، خصوصاً تلك المتجهة إلى الصين، التي تُعد المستورد الأكبر للنفط الإيراني. وتنسجم هذه المقاربة مع الهدف الاستراتيجي الأميركي الأوسع المتمثل في تقليص النفوذ الصيني في أسواق الطاقة العالمية، دون تحمل كلفة حرب مباشرة.

كما تبرز فرضية العمل العسكري غير المباشر، سواء عبر عمليات محدودة أو من خلال السماح للدولة العبرية بتنفيذ ضربات محسوبة ضد أهداف إيرانية، بهدف استنزاف طهران ورفع منسوب الضغط دون انخراط أميركي مباشر. غير أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة شاملة، في حال تجاوزت الردود الإيرانية سقوف الردع المتبادل.

تقديرياً، يُرجّح أن يبقى خيار الحرب الشاملة مؤجلاً إلى ما بعد اتضاح ملامح المشهد الانتخابي الأميركي. وفي حال تراجع حظوظ الجمهوريين بشكل حاد، قد تلجأ إدارة ترامب إلى تصعيد كبير أو مواجهة عسكرية واسعة باعتبارها أداة لتوحيد الداخل الأميركي أو لفرض وقائع استثنائية. أما في المرحلة الحالية، فإن الولايات المتحدة تميل إلى إدارة الأزمة مع إيران ضمن هامش تصعيد مضبوط، يحقق أقصى ضغط بأقل كلفة سياسية داخلية.

وعليه، يمكن تقدير أن المرحلة المقبلة ستشهد تصاعداً في الحرب الاقتصادية والنفسية ضد إيران، مقابل تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، مع بقاء عنصر المفاجأة قائماً، خصوصاً في ظل احتمالية تحرك مستقل من الدولة العبرية قد يفرض على واشنطن إعادة حساباتها في توقيت غير مخطط له.

 

أعلى