• - الموافق2026/01/01م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
قراءة في تصادم المصالح التركية والصهيونية في القرن الافريقي

يشكّل اعتراف الدولة العبرية بإقليم «أرض الصومال» تحوّلًا نوعيًا في معادلات القرن الأفريقي، ويكشف عن انتقال الصراع الإقليمي إلى مساحات جيوسياسية أكثر حساسية، ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن


البيان/خاص: يشكّل اعتراف الدولة العبرية بإقليم «أرض الصومال» تحوّلًا نوعيًا في معادلات القرن الأفريقي، ويكشف عن انتقال الصراع الإقليمي إلى مساحات جيوسياسية أكثر حساسية، ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن. هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن سعي الكيان الصهيوني لإعادة إنتاج نفوذه خارج نطاقه التقليدي في الشرق الأوسط، في ظل تضييق سياسي وأخلاقي متزايد عليه دوليًا، خاصة بعد الحرب على غزة، ما يدفعه إلى البحث عن نقاط ارتكاز بديلة تمنحه هامش حركة أوسع ومجالات تأثير جديدة.

القرن الأفريقي، بما يحمله من هشاشة سياسية وتشظٍ مؤسسي في بعض دوله، يوفر بيئة مناسبة لمثل هذا التمدد. فالاعتراف بأرض الصومال لا يُقرأ فقط كخطوة سياسية رمزية، بل كمقدمة محتملة لترتيبات أمنية واستخباراتية واقتصادية، تتيح للدولة العبرية الاقتراب من خطوط الملاحة الدولية، ومراقبة واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، إضافة إلى تعزيز قدرتها على موازنة خصومها الإقليميين، وفي مقدمتهم إيران، عبر تطويق غير مباشر للبحر الأحمر.

غير أن هذا التوجه يصطدم مباشرة بالمصالح التركية الراسخة في الصومال. فأنقرة لا تنظر إلى وجودها في القرن الأفريقي بوصفه حضورًا طارئًا أو تكتيكيًا، بل تعتبره امتدادًا عضويًا لأمنها القومي ونفوذها الاستراتيجي. وخلال أكثر من عقد، راكمت تركيا حضورًا عسكريًا واقتصاديًا وإنسانيًا مكّنها من بناء شبكة علاقات عميقة مع الدولة الصومالية، جعلتها الفاعل الخارجي الأكثر تأثيرًا في معادلاتها الأمنية. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى أي اختراق يقوم به الكيان الصهيوني في هذه الجغرافيا على أنه محاولة لإرباك التوازن القائم، وتقويض نفوذ تركي بُني بصبر وتدرج.

الموقف التركي الرافض للاعتراف بأرض الصومال لم يأتِ منفردًا، بل انسجم مع رفض عربي وإسلامي واسع، يعكس مخاوف مشتركة من فتح الباب أمام تكريس النزعات الانفصالية، واستخدام الاعتراف السياسي أداة لتفكيك الدول الهشة. كما أن القلق لا يقتصر على وحدة الصومال، بل يمتد إلى تداعيات أوسع تتعلق بتعزيز الوجود الإسرائيلي قرب الممرات البحرية العربية، بما يحمله ذلك من انعكاسات أمنية واقتصادية بعيدة المدى.

في هذا السياق، تتحول أرض الصومال إلى ساحة تنافس غير مباشر بين تركيا والدولة العبرية، حيث تسعى الأولى إلى تثبيت معادلة الاستقرار ووحدة الدولة الصومالية، فيما تحاول الثانية استثمار الفراغات السياسية لفرض واقع جديد يمنحها نفوذًا متقدمًا في أفريقيا. إلا أن ميزان القوة يميل، حتى الآن، لصالح أنقرة، التي تمتلك حضورًا ميدانيًا فعليًا، وشبكة تحالفات رسمية وشعبية، تجعل من الصعب على الكيان الصهيوني تحويل اعترافه السياسي إلى نفوذ مؤثر ومستدام.

خلاصة المشهد تشير إلى أن الاعتراف بأرض الصومال سيبقى، في المدى المنظور، خطوة رمزية أكثر منه تحولًا استراتيجيًا مكتمل الأركان، في ظل الرفض الإقليمي والدولي، وتماسك الموقف الصومالي المدعوم تركيًا. غير أن هذا لا يلغي حقيقة أن القرن الأفريقي بات مرشحًا ليكون إحدى ساحات الصراع البارد بين القوى الإقليمية، حيث تُدار المواجهة بأدوات السياسة والتحالفات والنفوذ الناعم، مع احتمالات توتر مزمن، دون انزلاق وشيك إلى مواجهة مباشرة، لكن مع بقاء المنطقة في قلب لعبة التوازنات الكبرى.

 

أعلى