البيان/القدس: يرى الباحث في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي راي تقي أن الولايات المتحدة تقف أمام مفترق استراتيجي يعيد إلى الأذهان تجارب عسكرية سابقة انتهت باستنزاف طويل، وفي مقدمتها حرب فيتنام. ويستند هذا التقييم إلى قناعة بأن منطق التصعيد التدريجي لإجبار الخصوم على تغيير سلوكهم لم يعد يحقق النتائج التي راهنت عليها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بل غالباً ما يؤدي إلى نتائج معاكسة تتمثل في زيادة تماسك الخصم ورفع كلفة الصراع على واشنطن نفسها.
ويشير تقي إلى أن الفكرة التي حكمت جانباً كبيراً من التفكير العسكري الأمريكي منذ ستينيات القرن الماضي قامت على افتراض أن الضغوط العسكرية المتراكمة ستدفع الخصم إلى إعادة حساباته والقبول بالشروط الأمريكية. غير أن التجربة الفيتنامية أثبتت أن المجتمعات التي تعتبر الحرب معركة وجودية تمتلك قدرة أعلى على تحمل الخسائر مقارنة بالقوى الكبرى التي تخوض حروباً بعيدة عن أراضيها، وهو الدرس الذي يرى الباحث أنه يفرض نفسه اليوم في التعامل مع إيران.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة، حيث تتزايد الضربات العسكرية والتهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع استهداف الممرات البحرية والمنشآت المرتبطة بالطاقة. ويرى التحليل أن الرهان على الضغوط العسكرية لإضعاف النظام الإيراني أو دفعه إلى تقديم تنازلات جوهرية قد لا يحقق أهدافه، لأن القيادة الإيرانية تنظر إلى المواجهة باعتبارها صراعاً على بقاء الدولة والنظام، وهو ما يمنحها استعداداً أكبر لتحمل التكاليف.
كما يلفت التقرير إلى أن الضربات التي استهدفت شخصيات عسكرية وأمنية إيرانية لم تؤد، بحسب التقديرات، إلى إحداث انهيار في بنية النظام أو إضعاف قدرته على اتخاذ القرار، بل دفعت المؤسسات الإيرانية إلى إعادة تنظيم نفسها وتسريع عمليات إحلال القيادات، وهو ما يعكس قدرة على التكيف مع الضغوط العسكرية والأمنية.
وفي المقابل، تمتلك إيران أدوات رد غير تقليدية تجعل من الصعب حصر المواجهة داخل حدودها الجغرافية. فبدلاً من الاقتصار على الرد العسكري المباشر، تستطيع طهران نقل الضغوط إلى الساحات البحرية وخطوط الطاقة العالمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي القريب من مضيق هرمز وشبكة حلفائها الإقليميين، الأمر الذي يمنحها أوراق ضغط تتجاوز ميزان القوة العسكرية التقليدي.
ويشير التحليل إلى أن استمرار التوتر يفرض أعباء متزايدة على البحرية الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، سواء من خلال حماية الممرات البحرية أو تأمين القواعد العسكرية أو دعم الحلفاء. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة التزامات عسكرية متزامنة في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما يثير تساؤلات داخل المؤسسات الأمريكية بشأن قدرة الجيش على إدارة عدة أزمات كبرى في آن واحد دون استنزاف موارده.
ومن زاوية أخرى، يرى التقرير أن أي انتقال إلى استهداف البنية التحتية المدنية داخل إيران، مثل محطات الطاقة أو الجسور أو المرافق الاقتصادية، قد يفتح مرحلة جديدة أكثر خطورة، لأن مثل هذه الضربات ستوسع دائرة الردود الإيرانية، وربما تدفع إلى استهداف المصالح الأمريكية أو حلفائها بصورة مباشرة، وهو ما يرفع احتمالات الانزلاق إلى حرب إقليمية يصعب احتواء تداعياتها.
كما يحذر التحليل من أن الحروب الطويلة لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل أيضاً بكلفتها الاقتصادية والسياسية. فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد الإنفاق العسكري، كلها عوامل قد تنعكس على الداخل الأمريكي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتصاعد الجدل حول جدوى الانخراط في صراعات خارجية طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، يدعو تقي إلى تبني مقاربة مختلفة تقوم على حماية المصالح الحيوية، وفي مقدمتها أمن الملاحة الدولية، عبر ترتيبات متعددة الأطراف بدلاً من الاعتماد الكامل على القوة الأمريكية. ويرى أن إشراك قوى إقليمية ودولية في تحمل مسؤولية تأمين الممرات البحرية قد يخفف من احتمالات الاحتكاك المباشر ويقلل من أعباء الانتشار العسكري الأمريكي.
ويخلص التقرير إلى أن التحدي الحقيقي أمام واشنطن لا يتمثل في امتلاك القوة العسكرية، وإنما في القدرة على تحديد نهاية واضحة للصراع. فالتاريخ، وفق رؤية الباحث، يُظهر أن الحروب التي تبدأ بأهداف محدودة قد تتحول تدريجياً إلى مواجهات مفتوحة يصعب التحكم بمسارها أو توقيت إنهائها، وهو ما يجعل المقارنة مع التجربة الفيتنامية تحذيراً استراتيجياً أكثر من كونها استدعاءً تاريخياً. وفي ظل استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت واشنطن ستتمكن من تجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف جديدة، أم أنها ستجد نفسها أمام صراع طويل تتجاوز كلفته المكاسب التي تسعى إلى تحقيقها.