• - الموافق2026/06/07م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
باكستان تسعى لترسيخ صعودها في معادلة الردع الخليجي

تكشف التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط عن تحول تدريجي في موقع باكستان الإقليمي من دولة تتابع التفاعلات الجيوسياسية المحيطة بها إلى فاعل يسعى للتأثير المباشر في مساراتها ونتائجها.

البيان/ متابعات: تكشف التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط عن تحول تدريجي في موقع باكستان الإقليمي من دولة تتابع التفاعلات الجيوسياسية المحيطة بها إلى فاعل يسعى للتأثير المباشر في مساراتها ونتائجها. فقد أظهرت الحرب الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى أن إسلام آباد لم تعد تنظر إلى أزمات المنطقة باعتبارها ملفات خارجية بعيدة، بل باعتبارها قضايا تمس أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي ومكانتها الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق عملت باكستان على الجمع بين مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في لعب دور الوسيط القادر على التواصل مع جميع الأطراف، والثاني في الحفاظ على التزاماتها الأمنية تجاه المملكة العربية السعودية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

ووفقا لدراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني فإن القيادة الباكستانية أدركت مبكراً أن أي تصعيد طويل الأمد في الخليج سيحمل تداعيات مباشرة عليها، سواء من خلال التأثير على أوضاع العمالة الباكستانية في دول الخليج أو عبر انعكاساته على الاقتصاد المحلي الذي يعتمد بدرجات متفاوتة على الدعم والاستثمارات الخليجية. كما أن خصوصية العلاقة مع إيران، بحكم الحدود المشتركة والتداخلات المذهبية والاعتبارات الأمنية في إقليم بلوشستان، فرضت على إسلام آباد اتباع سياسة دقيقة تقوم على منع الانهيار الكامل للعلاقات مع طهران بالتوازي مع المحافظة على الشراكة الاستراتيجية مع الرياض. ومن هنا جاء انخراطها النشط في جهود الوساطة ومحاولات تثبيت وقف إطلاق النار باعتباره خياراً يخدم مصالحها الوطنية قبل أن يكون خدمة دبلوماسية للأطراف المتصارعة.

وفي المقابل، كشفت الأزمة عن استمرار الأهمية الأمنية التي تمثلها باكستان بالنسبة للمملكة العربية السعودية. فعلى الرغم من عقود طويلة من التعاون العسكري بين البلدين، فإن الحرب الأخيرة أظهرت أن هذه العلاقة لم تعد مجرد شراكة تقليدية قائمة على التدريب والتنسيق، بل باتت تمثل أحد مكونات منظومة الردع السعودية في ظل تنامي الشكوك حول كفاية المظلة الأمنية الأمريكية وقدرتها على توفير الحماية الكاملة للحلفاء الإقليميين. وجاء نشر القوات الباكستانية في المملكة بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ ليعكس حرص إسلام آباد على الموازنة بين دور الوسيط ودور الحليف الأمني، كما حمل في الوقت ذاته رسالة ردع موجهة إلى إيران بأن السعودية تمتلك خيارات إضافية خارج الإطار الغربي التقليدي.

غير أن طبيعة هذا التحالف تكشف أيضاً عن حدود واضحة. فالتجربة أظهرت أن باكستان لا تنخرط تلقائياً في الصراعات التي تمس السعودية، وإنما تربط مستوى استجابتها بحسابات داخلية وإقليمية معقدة تشمل علاقتها مع إيران وقدراتها الاقتصادية والظروف السياسية المحيطة. لذلك فإن الاتفاقيات الأمنية الموقعة بين البلدين، رغم أهميتها الرمزية والاستراتيجية، لا يمكن اعتبارها ضمانة لتدخل عسكري فوري وغير مشروط في جميع السيناريوهات المحتملة. ومع ذلك فإن استمرار التعاون العسكري وتوسعه يؤكد أن الرياض تنظر إلى باكستان باعتبارها أحد أهم البدائل الاستراتيجية التي يمكن الاعتماد عليها ضمن سياسة تنويع الشركاء الأمنيين.

وفي سياق أوسع، تبدو التحركات الباكستانية جزءاً من عملية إعادة تشكيل غير مكتملة للنظام الإقليمي، حيث تسعى عدة دول إلى بناء شبكات تعاون مرنة خارج الأطر التقليدية. ويبرز هنا تقارب سياسي متزايد بين السعودية وتركيا ومصر وباكستان، مدفوعاً بالحاجة إلى إدارة تداعيات الأزمات الإقليمية المتلاحقة أكثر من كونه تعبيراً عن تحالف متماسك ذي أهداف بعيدة المدى. فالتباينات في المصالح والرؤى بين هذه الدول ما زالت كبيرة، كما أن انعدام الثقة المتبادل بين بعض أطرافها يحد من فرص تحول هذا التنسيق إلى كتلة استراتيجية مستقرة. لذلك يبدو أن ما يتشكل حالياً هو إطار وظيفي مؤقت لإدارة الأزمات أكثر منه مشروعاً إقليمياً متكاملاً.

وفي الوقت ذاته، انعكس صعود الدور الباكستاني على شبكة علاقاتها الخليجية. فقد شهدت علاقاتها مع قطر زخماً إضافياً نتيجة تشابك المصالح الاقتصادية واحتياجات الطاقة والدعم المالي المتبادل، بينما تعرضت علاقاتها مع الإمارات لضغوط متزايدة بسبب التباين في تقييم مواقف الحرب الأخيرة وتنامي التقارب الإماراتي مع الهند. ويشير هذا التباين إلى أن تنامي الحضور الإقليمي لباكستان لا يحظى بقبول موحد داخل الخليج، بل يثير لدى بعض الأطراف مخاوف مرتبطة بتأثيراته على موازين القوى الإقليمية القائمة.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن باكستان تتجه نحو ترسيخ موقعها كفاعل إقليمي مؤثر يجمع بين أدوات الوساطة الدبلوماسية والقدرات الأمنية والعسكرية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتشابكة مع أطراف متنافسة. ورغم أن قدرتها على فرض ترتيبات إقليمية جديدة ما تزال محدودة، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن دورها لن يكون عابراً أو ظرفياً، بل مرشحاً للتحول إلى عنصر ثابت في معادلات الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل استمرار حالة السيولة الاستراتيجية وتراجع اليقين بشأن شكل الترتيبات الأمنية التي ستسود المنطقة مستقبلاً.

 

أعلى