• - الموافق2026/06/04م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
إعادة هندسة المشرق العربي.. تركيا بين الطموح الإقليمي والحسابات الأمريكية

تشير التطورات الأخيرة في السياسة الأمريكية تجاه المشرق العربي إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتجه نحو إعادة صياغة مقاربتها للمنطقة عبر رؤية أكثر شمولية تتجاوز الحدود التقليدية بين الملفات السورية والعراقية.

البيان/متابعات: تشير التطورات الأخيرة في السياسة الأمريكية تجاه المشرق العربي إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتجه نحو إعادة صياغة مقاربتها للمنطقة عبر رؤية أكثر شمولية تتجاوز الحدود التقليدية بين الملفات السورية والعراقية. ويبدو أن تعيين السفير الأمريكي في أنقرة توم باراك مبعوثاً رئاسياً خاصاً لكل من سوريا والعراق يعكس تحوّلاً استراتيجياً لا يقتصر على إعادة ترتيب أولويات واشنطن، بل يمتد إلى محاولة إعادة هندسة التوازنات الإقليمية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

فخلافاً للنهج الأمريكي الذي ساد منذ غزو العراق عام 2003 والقائم على إدارة الأزمات بصورة منفصلة، تسعى الإدارة الحالية إلى التعامل مع المشرق العربي بوصفه وحدة جيوسياسية مترابطة. ومن هذا المنطلق، فإن جمع الملفين السوري والعراقي تحت إشراف مسؤول واحد لا يبدو مجرد إجراء إداري، بل يعكس قناعة أمريكية بأن مستقبل الاستقرار في المنطقة يتحدد من خلال شبكة واحدة من التفاعلات السياسية والأمنية والاقتصادية الممتدة من بغداد إلى دمشق وصولاً إلى أنقرة.

توم باراك.. رجل الأعمال الذي يحمل رؤية سياسية

لا ينتمي باراك إلى المدرسة الدبلوماسية التقليدية، بل يمثل نموذجاً مختلفاً يجمع بين النفوذ الاقتصادي والعلاقة الشخصية المباشرة مع ترامب. وهذا العامل يمنحه مساحة حركة أوسع من كثير من الدبلوماسيين التقليديين، ويجعله أقرب إلى تنفيذ رؤية البيت الأبيض مباشرة دون المرور عبر التعقيدات البيروقراطية المعتادة.

وتكشف تصريحات باراك المتكررة حول فشل ترتيبات ما بعد اتفاقية سايكس ـ بيكو عن رؤية تعتبر أن الدول القومية التي نشأت في المشرق خلال القرن الماضي لم تنجح في إنتاج الاستقرار. ومن هنا تنطلق دعواته إلى بناء نموذج جديد يقوم على التكامل الاقتصادي والتنسيق الإقليمي بدلاً من الاعتماد على التدخلات العسكرية المباشرة.

غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت واشنطن تسعى فعلاً إلى تجاوز إرث سايكس ـ بيكو، أم أنها تعيد إنتاجه بصيغة جديدة تتناسب مع موازين القوى الحالية.

في قلب هذه الرؤية الجديدة تقف تركيا باعتبارها الحلقة الأكثر أهمية في المشروع الأمريكي الجاري تشكيله. فأنقرة اليوم تمتلك نفوذاً واسعاً داخل سوريا، وتحافظ على علاقات وتأثيرات متشعبة داخل العراق، كما أنها تمثل عضواً محورياً في حلف شمال الأطلسي.

وتتعامل واشنطن مع تركيا بوصفها الطرف الوحيد القادر على التأثير المتزامن في دمشق وبغداد، الأمر الذي يمنحها موقعاً متقدماً في أي ترتيبات إقليمية مقبلة. لكن هذا الموقع لا يخلو من المخاطر.

فبعض التحليلات التركية تنظر بحذر إلى هذه المعادلة، معتبرة أن تحويل تركيا إلى ركيزة أساسية لإدارة ملفات الشرق الأوسط قد يؤدي عملياً إلى استنزاف قدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية داخل صراعات المنطقة، وإبعادها تدريجياً عن فضائها الأوروبي والبلقاني والقوقازي الذي شكّل لعقود أحد أهم مصادر قوتها الاستراتيجية.

ورغم الخطاب الأمريكي الذي يركز على الاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار، فإن كثيراً من المراقبين يرون أن البعد الأكثر تأثيراً في إعادة ترتيب المنطقة يبقى مرتبطاً بأمن الدولة العبرية.

فمنذ سنوات تعمل الولايات المتحدة على بناء منظومة إقليمية جديدة تقوم على تقليص النفوذ الإيراني، وإعادة دمج الدولة العبرية في البيئة الإقليمية عبر اتفاقيات التطبيع والتحالفات الاقتصادية والأمنية. وفي هذا السياق، تبدو إعادة هيكلة الساحتين السورية والعراقية جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى خلق بيئة استراتيجية أكثر ملاءمة للمصالح الأمريكية والصهيونية على حد سواء.

وتعزز هذه القراءة محاولات واشنطن المستمرة للحفاظ على زخم "اتفاقيات أبراهام" وربطها بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، حتى وإن واجهت تلك الجهود عقبات سياسية وشعبية متزايدة منذ اندلاع الحرب على غزة.

لكن الواقع بحسب مقال نشرته صحيفة الاندبندنت البريطانية يؤكد أن المؤشرات الحالية توحي بأن واشنطن لا تسعى إلى تغيير قواعد اللعبة بقدر ما تعمل على إعادة ترتيب اللاعبين داخلها. فبدلاً من رسم حدود جديدة على الخرائط، يجري رسم خرائط جديدة للنفوذ والوظائف السياسية والأمنية لكل دولة.

وفي ظل هذا المشهد المتحول، تبدو تركيا أمام اختبار استراتيجي بالغ الحساسية، فإما أن تنجح في استثمار موقعها الجيوسياسي لتعزيز استقلاليتها ودورها العابر للأقاليم، أو تجد نفسها جزءاً من معادلة إقليمية صُممت في الأساس لخدمة توازنات أكبر منها.وبين هذين الاحتمالين، يتشكل اليوم أحد أهم فصول إعادة ترتيب الشرق الأوسط منذ عقود، وسط صراع مفتوح على هوية المنطقة وموازين القوى التي ستحكمها في السنوات المقبلة.

 

أعلى