• - الموافق2026/05/14م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
النقب.. مشروع أمريكي جديد للصدارة في حروب

يعكس الطرح الذي قدمه الباحثان مايكل دوران وزينب ربوع في صحيفة وول استريت جورنال، تحولاً لافتاً في التفكير الاستراتيجي الأمريكي تجاه سباق الذكاء الاصطناعي مع الصين، إذ لم يعد التنافس

 

البيان/صحف: يعكس الطرح الذي قدمه الباحثان مايكل دوران وزينب ربوع في صحيفة وول استريت جورنال، تحولاً لافتاً في التفكير الاستراتيجي الأمريكي تجاه سباق الذكاء الاصطناعي مع الصين، إذ لم يعد التنافس مقتصراً على تطوير النماذج والتطبيقات أو التفوق في سوق التكنولوجيا، بل بات يرتبط بشكل مباشر بإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للبنية التحتية الرقمية العالمية. المقال، المنشور في الصحيفة الأمريكية، ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة وأكثر حساسية في سباقها مع الصين، وأن الفوز في هذا السباق لن يتحقق عبر السياسات الدفاعية التقليدية، بل يتطلب استراتيجية هجومية قائمة على بناء منظومة تحالفات تكنولوجية محصنة ضد الاختراق الصيني.

وفقاً للكاتبين، فإن التحدي الأكبر الذي تواجهه واشنطن يتمثل في أن الصين لم تعد مجرد منافس تجاري أو تقني، بل أصبحت قوة قادرة على توظيف سلاسل الإمداد العالمية، وشبكات التصنيع، وأدوات التجسس السيبراني لتحقيق مكاسب استراتيجية بعيدة المدى. ومن هذا المنطلق، يرى الباحثان أن الولايات المتحدة بحاجة إلى إنشاء بيئات تطوير وتشغيل للذكاء الاصطناعي تكون معزولة قدر الإمكان عن النفوذ الصيني، سواء في مجال تصنيع الرقائق، أو البنية السحابية، أو نقل البيانات الحساسة، أو حتى الموارد البشرية التقنية.

في هذا السياق، يطرح المقال صحراء النقب في النقب داخل الدولة العبرية باعتبارها الموقع الأكثر ملاءمة لترجمة هذا التصور إلى مشروع عملي. ويشير الكاتبان إلى أن مسؤولين أمريكيين ومسؤولين من الدولة العبرية يناقشون بالفعل إنشاء مبادرة مشتركة في المنطقة أطلقت عليها تل أبيب اسم "مشروع سباير"، وهي مبادرة تهدف إلى إنشاء قاعدة متقدمة للذكاء الاصطناعي تجمع بين عاملين تعتبرهما واشنطن حاسمين: الأول هو مستوى الأمان المرتبط بالمنشآت العسكرية الأمريكية، والثاني هو البيئة الابتكارية المرتبطة بالنظام التكنولوجي في الدولة العبرية الذي يوصف بأنه أحد أكثر النظم تقدماً في العالم.

وبحسب التقرير، فإن المشروع المقترح لا يقتصر على بناء مراكز بيانات تقليدية، بل يتضمن إنشاء منظومة متكاملة للبحث والتطوير والبنية التحتية واسعة النطاق الخاصة بالذكاء الاصطناعي. ومن المخطط أن تشمل هذه المنظومة قدرات ضخمة في مجال الطاقة لتلبية الاحتياجات الهائلة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، سواء فيما يتعلق بتدريب النماذج الضخمة أو نشرها وتشغيلها. كما سيعمل داخل الموقع مهندسون متخصصون في تصميم الرقائق الإلكترونية، وتطوير النماذج، وتشغيل الأنظمة في بيئة مغلقة وآمنة، بما يقلل اعتماد الولايات المتحدة على مناطق تراها أكثر هشاشة جيوسياسياً، وعلى رأسها تايوان التي تمثل حالياً الحلقة الأهم في إنتاج أشباه الموصلات عالمياً، لكنها تبقى في الوقت نفسه نقطة اشتعال محتملة مع الصين.

أهمية هذا الطرح لا تنبع فقط من البعد التقني، بل من كونه يعكس إعادة تعريف أمريكية لمفهوم التحالفات الدولية. فالكاتبان يطرحان سؤالاً محورياً: لماذا يتم إنشاء قاعدة بهذا الحجم خارج الأراضي الأمريكية؟ والإجابة، وفق المقال، تكمن في أن سباق الذكاء الاصطناعي بات سباقاً عالمياً يتجاوز الحدود الوطنية، وأن السيطرة على هذا القطاع ستحدد ميزان القوة العسكرية والاقتصادية خلال العقود المقبلة. وبالتالي، ترى واشنطن – وفق هذا الطرح – أن التعاون الدولي لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة استراتيجية، شرط أن يتم مع شركاء موثوقين قادرين على حماية التكنولوجيا الحساسة من الاختراق.

لكن السؤال الأكثر حساسية في المقال كان: لماذا الدولة العبرية تحديداً؟ ولماذا تم تفضيلها على حلفاء تقليديين للولايات المتحدة مثل المملكة المتحدة، اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان أو الهند؟ يجيب الكاتبان بأن الدولة العبرية تجمع بين عدة مزايا استراتيجية دفعت واشنطن إلى النظر إليها كأفضل شريك محتمل في هذه المرحلة، من بينها القدرات التكنولوجية المتقدمة، والارتباط الأمني الوثيق مع الولايات المتحدة، إضافة إلى البيئة التشغيلية التي تسمح بإنشاء منشآت عالية الحساسية تحت حماية أمنية معقدة.

هذا التوجه يكشف أيضاً عن تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين واشنطن والدولة العبرية، حيث لم تعد العلاقة مقتصرة على التعاون العسكري التقليدي أو التنسيق الاستخباراتي، بل بدأت تمتد إلى قلب الصناعات المستقبلية التي ستحدد شكل النظام الدولي القادم. وإذا مضى المشروع قدماً، فإن الدولة العبرية قد تتحول إلى مركز رئيسي في البنية التحتية الأمريكية للذكاء الاصطناعي، وهو ما يمنحها وزناً إضافياً في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.

في المقابل، يحمل المشروع مخاطر سياسية وأمنية كبيرة. فاختيار النقب، وهي منطقة حساسة جغرافياً وقريبة من بؤر توتر إقليمية، قد يجعل المشروع هدفاً محتملاً في أي مواجهة مستقبلية، سواء مع إيران أو مع فاعلين إقليميين آخرين. كما أن المشروع قد يثير قلق الصين التي قد تنظر إليه باعتباره جزءاً من استراتيجية احتواء أمريكية أوسع.

 

أعلى