البيان/متابعات: يكشف التناقض العلني بين النفي الإماراتي لزيارة سرية لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، وبين تأكيد مكتبه حدوثها، عن مستوى متصاعد من الحساسية السياسية التي باتت تحكم العلاقة بين الإمارات والدولة العبرية في ذروة المواجهة الإقليمية مع إيران، كما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن مستقبل التموضع الخليجي في ظل الحرب الحالية وتداعياتها على توازنات المنطقة.
بدأت القضية عندما أعلن مكتب رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أن نتنياهو أجرى "زيارة سرية" إلى الإمارات العربية المتحدة خلال الحرب الأخيرة مع إيران، والتقى رئيس الدولة محمد بن زايد آل نهيان في مدينة العين بتاريخ 26 مارس، مشيراً إلى أن اللقاء أسفر عن "اختراق تاريخي" في العلاقات الثنائية. غير أن وزارة الخارجية الإماراتية سارعت إلى نفي الرواية بشكل قاطع، مؤكدة أن المزاعم "عارية تماماً عن الصحة"، وأن العلاقات مع الدولة العبرية تتم بشكل معلن ضمن إطار اتفاقات أبراهام وليس عبر قنوات سرية.
هذا النفي الإماراتي لا يمكن قراءته كمسألة بروتوكولية فقط، بل يعكس على الأرجح محاولة إماراتية لاحتواء تداعيات أمنية وسياسية متزايدة، خاصة مع تقارير تحدثت عن تنسيق أمني بين أبوظبي والدولة العبرية خلال الحرب، شمل أنظمة دفاع جوي وتبادل معلومات استخباراتية. مثل هذه التسريبات تعزز الرواية الإيرانية التي تتهم بعض الدول الخليجية بتقديم تسهيلات غير مباشرة للدولة العبرية في المواجهة الحالية، وهو ما تحاول أبوظبي تفاديه خشية التحول إلى هدف مباشر لأي رد إيراني محتمل.
من جانب آخر، يبدو أن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو تعمد الكشف عن الزيارة لأسباب سياسية واضحة. داخلياً، يحاول إظهار أن الدولة العبرية لا تزال قادرة على الحفاظ على اختراقاتها الإقليمية رغم الضغوط الناتجة عن الحرب في قطاع غزة والتوتر مع إيران. وخارجياً، أراد توجيه رسالة مباشرة إلى طهران بأن الدولة العبرية لا تزال تمتلك قنوات نفوذ وشراكات داخل الخليج، وأن الحرب لم تؤد إلى عزلها إقليمياً كما كانت تراهن إيران.
بالنسبة للإمارات، فإن المعضلة أكثر تعقيداً. فمن جهة، طورت أبوظبي منذ توقيع اتفاقات أبراهام شراكات اقتصادية وأمنية واسعة مع الدولة العبرية في مجالات التكنولوجيا والاستثمار والدفاع. ومن جهة أخرى، لا تريد أن تُصنّف كجزء مباشر من أي تحالف عسكري ضد إيران، لأن ذلك يهدد مصالحها الاقتصادية وصورتها كبيئة مستقرة للاستثمار العالمي، خصوصاً في دبي وأبوظبي.
على المستوى الخليجي، قد يفاقم هذا الجدل التباينات داخل مجلس التعاون الخليجي بشأن العلاقة مع الدولة العبرية وإيران. فـالمملكة العربية السعودية ما زالت تتبنى مقاربة حذرة، بينما تحافظ قطر على دور الوسيط، وتتمسك سلطنة عمان بسياسة التوازن، في حين تبقى الكويت أكثر تحفظاً تجاه التطبيع. وبالتالي فإن أي انكشاف لدور أمني إماراتي مع الدولة العبرية قد يخلق توتراً إضافياً داخل المنظومة الخليجية نفسها.
أما إيران، فقد تعاملت مع هذه التسريبات باعتبارها دليلاً إضافياً على وجود تنسيق خليجي مع الدولة العبرية ضدها. تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي حملت رسائل واضحة بأن طهران ستعيد تقييم تعاملها مع أي طرف إقليمي يثبت تورطه في دعم خصومها، خصوصاً مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز.